الرئيسية / تنبيهات / المشيخة بين الزعامة والوهم

المشيخة بين الزعامة والوهم

الدكتور خالد نعمة الجنابي
تعد مشيخة العشائر والقبائل – قبل كل شيء – وظيفة اجتماعية ومسؤولية متوارثة في المجتمع العربي خاصة منذ زمن طويل  ، وكان وما يزال لها دور كبير في تجاوز الخلافات والأزمات التي قد تحصل بين أفراد المجتمع من جهة وبين المجتمع والحكومات من جهة أخرى ، فكانت عاملا مساعدا في المحافظة على استقرار الدولة ومواجهة الأخطار الداخلية والخارجية المحدقة بها ، كما كانت عاملا فاعلا في الحفاظ على قيم أصيلة طالما توارثها المجتمع جيلا بعد جيل .
 وأكدت دراسات وبحوث سابقة أن درجة تأثير المشيخة وحضورها يختلف في المجتمع بحسب طبيعة الدولة ومدى قوة تطبيق القانون فيها ، ففي بعض الدول التي يسود فيها تطبيق القانون بقوة في الفصل بالنزاعات والخلافات بين أفراد المجتمع  يكون دور الشيخ معنويا وشرفيا ، وفي الدول التي تضعف فيها قوة تطبيق القانون يتعدى دور الشيخ الدور المعنوي والشرفي الى درجة أنه يمارس دور الحكومة والقضاء وأوامره نافذة ومطاعة من أفراد العشيرة حتى لو كانت غير مقنعة أوغير مرضية للفرد من وجهة نظره . لكن يبقى دور الشيخ من الناحية المدنية والقانونية  دورا شرفيا و غير رسمي .
 إن الصبغة العامة للمجتمع العراقي هي صبغة عشائرية وقبائلية لكن تختلف النظرة لدور العشيرة أو القبيلة ،  و كذلك عادات وممارسات وتقاليد كل عشيرة أو قبيلة عن الأخرى بحسب البيئة والموروث الثقافي والعقائدي ودرجة تأثير المجتمعات الأخرى ، مع وجود ثوابت مشتركة بين جميع هذه العشائر والقبائل .
وما نود أن نوجه الضوء نحوه في هذا المقال هو الدور الإيجابي والجوانب المشرقة لشيخ العشيرة أو القبيلة فضلا عن إمكانية ظهور حالات يمكن أن تكون سلبية قد ترافق دور المشيخة .
فمارس – كما صدرنا في مطلع هذا المقال – شيوخ العشائر والقبائل أدوارا مهمة ومفصلية في كبح جماح الفتن والخلافات التي عصفت بمجتمعنا العراقي خاصة ، وترسيخ دعائم السلم الأهلي والمجتمعي والوحدة الوطنية وفض خصومات معقدة ومصالحات على المستوى الفردي والمجتمعي ، تلك الأدوار والمهمات التي عجزت مؤسسات الدولة ذاتها عن القيام بها ، فكان هؤلاء الشيوخ فعلا قادة مجتمع و ذوو حكمة وقدرات (وأصحاب حظ وبخت) ومحققين للمصلحة العامة للدولة .
 مقابل ذلك برز تيار اخر نعده دخيلا على ذلك الجمع الموقر والمحترم يحاول أن ينال من خيمة العشيرة الجميلة والشريفة ليمرر ما لانستبعد أن تكون أجندات خبيثة وشيطانية لجهات معينة فيقومون بممارسات عبثية لاتنسجم مع روح أصالة العشائر والقبائل و(سنيناتها ) المعروفة فيهدد بذلك بنية ووحدة النسيج المجتمعي الى درجة وصلت إلى الإضرار بالمصلحة العامة وإغراق البلاد بمستنقع الفوضى وإنعدام النظام العام فضلا عن حرف دور المشيخة العشائرية والقبائلية  الحقيقي عن رسالتها النبيلة ورسم صورة مشوهة عنها ، فلاحظنا قيام ذلك التيار بفرض ما يسمى ( الدكة العشائرية ) والاقتتال الداخلي  المسلح بين العشائر الذي يذهب ضحيته أفرادا من كلا الطرفين المتنازعين فتسيل دماء عزيزة وتزهق أرواح بريئة ، فضلا عن ظهور أفراد يدعون – زورا وبهتانا – أنهم شيوخا ويتصدون لدور الشيوخ ويرتكبون أعمالا مخالفة للقانون والعرف العشائري الحقيقي عى حد سواء في ظاهرة ومشهد خطير حتى أخذ بعضهم يشكل ما يشبه عصابات تبتز وتهدد المواطنين و لهم أماكن خاصة يمكن الاتصال بهم من خلالها والاتفاق معهم عند حدوث مشكلة عشائرية على حلها مقابل نسبة من مبلغ الفصل العشائري وكأننا نعيش زمن الجاهلية الذي يأكل فيه القوي الضعيف وسط ضعف الإجراءات الحكومية الرادعة بحقهم.
 ومن الأمور الأخرى المشخصة في هذا الجانب – خاصة في المجتمعات الريفية – هو وجود ما يعرف بـ( وهم المشيخة) إذ بدأت جماعات وأسر تحت تأثير هذا الوهم بإدعاء المشيخة وتفرغهم هم وعوائلهم  لها  على حساب العمل والتعليم معتقدين أن عمل الشيخ غير لائق له ولوجاهته فيترتب نتيجة لذلك انتقال هذا الوهم لأبناءهم فيشيع بينهم الفقر والجهل وانتاج عوائل فاشلة تعيش في عالم من الخيال الافتراضي .
 وزيادة على ما سبق وجود ممارسات ومنحنيات خطيرة ومستهجنة  يشيب لها الرأس ترتبط بهذا الموضوع ، لايتسع هذا المقال لذكرها بل تحتاج إلى دراسات وبحوث معمقة للوقوف على أسبابها وتداعياتها البالغة الخطورة التي تتزايد كل يوم دون معالجات كافية تذكر .
 وكل ماسبق يدعو بإلحاح إلى  وقفة شاملة وتآزر كل من شيوخ العشائر والقبائل الأصلاء والحكومة والنخب والمجتمع بشكل عام كل بحسب دوره لإنقاذ الدولة من هذه الممارسات التي أصبحت تسيء لسمعة العشائر والقبائل وتهدد وجودها ودورها وتشيع الذعر والفوضى في المجتمع بما يهدد وجود الدولة بشكل عام .

 

‏‫

اترك تعليقاً