الرئيسية / مقالات مختارة / المداراة وأثرها فى حياة الانسان

المداراة وأثرها فى حياة الانسان

المستقلة – القاهرة –

بقلم الدكتور حسام خلف الصفيحى

ان المداراة صورة من صور التعامل الدال على الحكمة والموصل الى المقصود من حفظ كرامة ومروءة الانسان والناس وأكثر ماتجري المداواة فى اتقاء الأشرار والمكاره.
وسلوك المداراة مأذون فيه لأن الانسان خلق للأجتماع لا للعزلة وللتعارف لا للتناكر وللتعاون لا للانفرادية والانسان تعرض له عوارض نفسية وطبيعية من الحب والبغض والرضا والغضب والاستحسان والاستهجان فلو سار على أن يكاشف الناس بكل ما يعرض له من هذه الأمور فى كل وقت وعلى أى حال فى الخير لتقطعت أواصره من الناس وتكدر عيشه وصفوه ولانقيضت الأيدى عن التعاون فكان من حكمة الله فى خلقه أن هيأ الانسان لأدب يتحامى به عما يحدث تقاطعا أو يدعوا الى تخاذل وهذه هى المداراة التى تزرع المودة والألفة ويجمع الأراء المشتته والقلوب المتنافرة.
اذا فالمداراة ترجع الى حسن اللقاء ولين الكلام وتجنب ما يشعر ببغض أو غضب أو استنكار الا فى أحوال يكون الاشعار به خيرا من الكتمان وأرجح وأصلح.
فالمداراة يقصد بها جميع الناس على الرضا والتألف فى حدود ما ينبغى أن يكون وهى لا تمنع قضاء بالعدل ولا تحجب نصيحة بالرفق.
وينبغى أن يعلم أن لذكاء الرجل وحكمته مدخلا عريضا فى فقه المداراة وحسن استخدامها وطريقة الافادة منها.
ان المداراة تحتاج الى نفس جسور وعقل رزين راجح اذ كيف يتسنى للأنسان ان يلاقى الناس برفق وفيهم الخرق والتحامل والجهل.
ولكن عاقبة المداراة حلوة كعواقب الأخلاق الفاضلة بصورة عامة ان من لا يتحمل من الناس جفاءهم وخرقهم لا بد وأن يختار أحد الطرفين: أما الفرار من الناس واعتزالهم وفى هذا الفرار كبت مواهب نفسه التى تنموا بالاجتماع والتعاون وانسحاب عن ميدان الانسانية الى غاب الحيوان واما الاصطدام بالناس فى كل صغيرة وكبيرة وفيه من الارهاق والنصب قدر كبير يضؤل أمامه تحمل خرقهم.
والبشر قد ركب فيهم أهواء متباينة وطباع مختلفة ويشق على النفوس ترك ما جبلت عليه وما تعودته فليس الى صفو ودادهم من سبيل الى معاشرتهم على ما هم عليه من المخالفة لرأيك وهواك وطبعك ثم ان المدارى نفسه فى راحة اذ النفس المتفضلة فرحة مسرورة أما غير المدارى فقد خسر راحة الروح وفضيلة النفس والواقع يثبت ذلك وهو الحق ومن كان على شك من مدى صدق هذا الكلام فينظر على المدارى وغيره ثم يرى أيهما فى راحة وسعادة وأيهما فى شقاء وتعب..
وقد قال ابن حيان: من لم يعاشر الناس على لزوم الاغضاء عما يأتون من المكروه(أى الذى لا تميل اليه نفسه من الأمور) وترك التوقع لما يأتون من المحبوب كان الى تكدير عيشة أقرب الى صفاته والى أن يدفعه الوقت الى العداوة والبغضاء أقرب أن ينال منهم الوداد وترك الشحناء.
ومما تعنيه المداراة فى حياة الانسان : حسن العشرة مع الناس بحسن صحبتهم واحتمال أذاهم وعدم مجابهتهم بما يكرهون ان المدارة لين مع الناس وخفض الجناح وترك الأغلاظ لهم فى القول واللطف فى أخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها والمجاملة والملاينة وذلك من أقوى أسباب الألفة وما تعنيه: الرفق بالجاهل فى التعليم وبالفاسق عن فعله وترك الاغلاظ عليه والانكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما اذا احتيج الى تألفه والتدرج معه فى الانكار والتغيير.

اترك تعليقاً