المجتمعات العاطفية: الفكر المضاد للاستعمار وسياسة الصداقة لليلا غاندي

سلسلة مقالات هندية

د. عثمان بوطسان

كاتب وباحث مغربي

 

ولدت ليلا غاندي سنة 1966 بمدينة مومباي، وهي ابنة الفيلسوف الهندي الراحل رامشاندرا غاندي وحفيدة زعيم حركة الاستقلال الهندية المهاتما غاندي. درست بجامعة دلهي، قبل أن تحصل على درجة الدكتوراه من كلية باليول التابعة لجامعة أكسفورد. أستاذة للعلوم الإنسانية واللغة الإنجليزية في جامعة براون وأكاديمية مشهورة متخصصة في الدراسات ما بعد الاستعمار. قبل الالتحاق بجامعة براون، عملت ليلا غاندي سابقًا كأستاذة في جامعة شيكاغو، جامعة لاتروب وجامعة دلهي. كما عملت كمحررة في المجلة الأكاديمية للدراسات ما بعد الاستعمارية ’’Postcolonial Studies’’، وفي هيئة تحرير المجلة الإلكترونية ’’Postcolonial Text’’.

كرست أبحاثها لدراسة المجتمعات في ظل نظرية ما بعد الاستعمار، حيث نشرت كتابها الأول ’’ نظرية ما بعد الاستعمار: مقدمة نقدية’’ سنة 1998، والذي تناولت فيه نظرية ما بعد الاستعمار في سياقها الفلسفي والفكري، كاشفة عن مجموعة من الروابط المهمة بين نظرية ما بعد الاستعمار ونظرية ما بعد الحداثة، بين الماركسية والحركة النسوية. لتواصل النبش في تفاصيل هذا الموضوع من خلال كتابها الثاني الموسوم بـــــــــــــــــ ’’ المجتمعات العاطفية’’ المنشور سنة 2006، لتكشف ولأول مرة كيف أن أولئك المرتبطين بأنماط الحياة والثقافات الفرعية والتقاليد المهمشة – بما في ذلك أولئك المنتمون الى حركات المثلية الجنسية، الحركة النباتية، حركة رعاية الحيوان، الحركة الروحانية والجمالية – اتحدوا ضد الإمبريالية وأقاموا روابط قوية مع الشعوب والثقافات المستعمرة.

تسعى ليلا غاندي في المقام الأول من خلال كتابها ’’ المجتمعات العاطفية ’’ إلى تقديم تاريخ بديل لمناهضة الإمبريالية، في حين أن دراسات ما بعد الاستعمار تحدد عادة معاداة الإمبريالية كمجموعة من الإجراءات التي يقوم بها المستعمرون ضد المستعمرين (الشرق “المفترض” ضد الغرب “المفترض”). تنبش الكاتبة في جذور معاداة الإمبريالية للعديد من الشخصيات، وخاصة البريطانية منها. تصور لنا ليلا غاندي كيف تخلت هذه الشخصيات عن امتيازات الهيمنة الإمبراطورية على نقد كل من الإمبريالية وتقاليد التنوير التي بدت أنها تضفي الشرعية عليها، وتطور التقارب مع المظلومين في هذه العملية. من خلال القيام بذلك، تُظهر شخصيات ليلا غاندي قدرتها على التهجين الشخصي والتغيير الجذري الذي تضعه في مركز السياسة المقترحة بدلاً من تلك التي يطلق عليها الطائفية المناهضة للمجتمع أو السياسة غير الناضجة أو سياسات الصداقة.

من الغريب أن نفهم لماذا يجب على أ.م فورستر أن يأمل “أن يكون لديه الشجاعة لخيانة [بلده] بدلاً من صديقه، ولماذا شارك سكان العاصمة الآخرون مشاعره؟’’ تقدم ليلا غاندي في هذا الكتاب أربع دراسات حالة تغطي النشاط المثلي، والنباتية، والتصوف، والجمالية في أواخر العصر الفيكتوري. في كل حالة، تُظْهر الكاتبة شخصيات تكافح من أجل الدفاع عن أنماط حياتها ضد التصنيفات الثنائية التي يرونها، وهي، تعتبرها مستوطنة للنظرية والسياسة الغربية. هذه “الثنائيات” تميز بشكل رئيسي بين ” الناضج “و” غير الناضج “، التي دفعت الالتزامات المتشابكة والمختلفة للأبطال خارج حدود المجتمع الغربي” الناضج “، وبالتالي رميهم في نفس فئة المستعمرين، الذين يضفي” عدم نضجهم ” الشرعية على الاندفاع الحضاري للمشروع الإمبراطوري.

يدافع الأبطال في نهاية المطاف عن أنفسهم من خلال تأكيد تفوق الحضارة الهندية. الصوفي المثلي والنباتي، على سبيل المثال، ينتقد إدوارد كاربنتر ازدواجية الذكور / الإناث في المجتمع الغربي، مما يجعل الشذوذ الجنسي كائنًا ضعيفًا، ويصبح بسبب نظام غذائي قائم على اللحوم، مرضًا يؤدي إلى الإمبريالية والعنصرية. يتطلب العلاج احتضان “الأنواع المتوسطة” (أي المثليين جنسياً)، الذين تم قبولهم بسهولة أكبر في الحضارات الهندية والقديمة، والذين كانوا قادرين على تكوين مجتمعات خيالية تتحدى منطق العقد الاجتماعي والجنسي.

تريد ليلا غاندي من خلال هذا الكتاب تبني “فوضى” السياسة، التي تحددها الهجينة والتغيير، ضد الملاءمة المفاهيمية لمناشدات كانط وأرسطو للهوية الذاتية أو الوحدة المشتركة. تنفصل شخصيات الكاتبة عن الحضارة الغربية لدخول المجهول الكبير لـ “عالم خالٍ من التصنيف”، والمخاطرة بـ “التشوش النفسي” الذي يحدث عند خلع الذات أو ما تسميه بــــــ ’’ النفي الذاتي’’.  بهذه الطريقة، فإن موضوع ليلا غاندي يذكرنا بحجة بوني هونيج ضد “إزاحة السياسة” التي تحدث في كل من الليبرالية والطائفية.

في أحد الفصول الأكثر تشويقا، تنتقد الكاتبة كلا التيارين للدفاع عن الطبيعة السياسية من خلال ملاحظة تقاطع التصوف والسياسة المعادية للإمبريالية، والمثال في شخصية ميرا الفاسا، الشريك الروحي (الفرنسي المولد) للقومي الهندي سري أوروبيندو. تلقي باللوم على كانط في دفع الدين “العقائدي” خارج نطاق السياسة فيما تصفه بحجة ضد “الهجينة”. تلجأ إلى دريدا الذي يحول دينه التأملي العقلاني المفضل لدى كانط، في كتابه “الإيمان والمعرفة”، إلى استسلام بسيط لنفسه، مما يجعله غير قادر على تطوير أي قدرة أخلاقية. الإيمان “العقائدي” الذي يرفضه كانط بسبب محاولته الخطيرة لاكتساب المعرفة بإله غير معروف هو أمر أساسي بالنسبة إلى دريدا.

’’ المجتمعات العاطفية’’ هي إذن، محاولة طموحة لإعادة التفكير في تأثير وتراث الاشتراكية الطوباوية التي كانت في ذروتها في بريطانيا في مطلع القرن العشرين. كتاب مهم يتحدى المبادئ التأسيسية لنظرية ما بعد الاستعمار ليس من أجل رفض طموحاتها ولكن لفتح طرق جديدة للتعامل مع هذه القضايا الملحة. من الصعب إذن تلخيص طرح هذا الكتاب، لكنه يدعو إلى إعادة القراءة المتكررة كدليل وكإعادة صياغة للتضاريس المعقدة نظريًا وسياسيًا للتنظير المناهض للاستعمار وما بعد الاستعمار. تكشف ليلا غاندي في هذا الكتاب عن الجدل والنقاشات التي لم يتم حلها حول الأخلاق والسياسة في دراسات ما بعد الاستعمار والفلسفة والنظرية النقدية، من خلال التطرق   لإرث كانط، هيجل، ماركس، فوكو، دريدا وغيرهم من المفكرين والفلاسفة. تأخذ القارئ ذهابًا وإيابًا بين التفسير النظري والسرد التاريخي لتظهر كيف يضيء كل منهما الآخر فيما يتعلق بالسؤال المركزي حول شكل السياسة التحررية. كما يحيل الكتاب القارئ على نظريات وأفكار ماكس نورداو،  إنجلز، لينين، أورويل وغيرهم من الذين وصفوا السياسة الطوباوية بأنها “غير ناضجة” و “طفولية”. لكن هذا النضج على وجه التحديد، كما أشارت اليه غاندي، هو الذي يجعل الطوباوية قوية سياسياً.

يتطرق الكتاب أيضا الى طبيعة اليوتوبيا (المثالية) والتبادل بين الثقافات الذي حاولت ليلا غاندي تحديد ملامحه بدقة، دون الدخول في هياكل وقوانين وبديهيات وعمومية الحتمية التاريخية التي جعلتها غير مرئية في المقام الأول. إحدى الطرق التي تعالج بها الكاتبة هذين الموضوعين هي تنظيم كتابها حول التقاء بعض الصداقات والحركات والهويات المختلفة، وبالتالي وضع السرد الفردي والجماعي في مكان غير مستقر ولكنه يوضح الكثير. بالتركيز على استثنائية الشذوذ الجنسي، حركات رعاية الحيوان، التصوف والتطرف، والجمالية المتأخرة في العصر الفيكتوري، يوضح كل فصل كيف أن الأشكال المختلفة من الجماعية الخارجية قد أتاحت نفسها للفكر المناهض للاستعمار وولدت روابط عاطفية عبر مواقف موضوعية متنوعة.

تناولت ليلا غاندي في هذا الكتاب أيضا موضوع ’’ الروحانية’’. حيث قدمت لقارئ منظورًا جديدًا للنقاشات المعاصرة حول دور الدين في الحياة السياسية الحديثة. جعلت من كانط أصل الأخلاق العلمانية الحديثة التي تنفي “وصول الموضوع الأخلاقي إلى جميع التأثيرات الخارجية: الإنسان والفيزيائي والإلهي. في حين أن العديد من الكتاب والنقاد ما بعد الاستعمار، مثل سلمان رشدي، يميزون الظروف المادية للحياة الحديثة، بدلاً من عالم ميتافيزيقي، كأساس للتعددية الذاتية. تشير الكاتبة الى أن الانفتاح على الآخر الواضح في خطاب وممارسات – الصوفيون – كتذكير مهم لإمكانات الدين الطوباوي. إن الخيط المتصل بأنواع السياسة الذي يكشفه الكتاب في كل فصل من فصوله، هو الاستعداد للمخاطرة ليس فقط بالنفي (إدانة المجتمع السياسي) ولكن بالنفي الذاتي (التحول المحتمل أو فقدان هوية المرء فيما يتعلق بالآخر).

من خلال كتاب ’’ المجتمعات العاطفية’’ تكون ليلا غاندي قد كشفت للقارئ، مزيجًا انتقائيًا من السياسات الراديكالية والاشتراكية المعادية للإمبريالية في عصر أصبحت فيه السياسة العابرة للحدود بارزة بشكل خاص. كما قدمت الباحثة مادة قوية للتفكير في سياسة خالية من تناقضات عصر التنوير، والتي على الرغم من التزامها بالوحدة، تنتج الاستبعاد والقومية. كما أنها مدت نظرية ما بعد الاستعمار إلى ما وراء حدودها المعتادة، ووثقت بنجاح الانتماءات والسياسات المعادية للإمبريالية لبعض الثقافات الفرعية المهمشة في بريطانيا وأوروبا في أواخر القرن التاسع عشر، لتُبين ما يدين به القوميون الهنود لهذه التقاليد.

نسجت ليلا غاندي قصص عدد من صداقات جنوب آسيا وأوروبا التي ازدهرت بين عامي 1878 و1914، وتتبعت الشبكات التاريخية المعقدة التي تربط شخصيات مثل الاشتراكي الإنجليزي والمصلح المثلي إدوارد كاربنتر والمحامي الهندي الشاب ام. ك. غاندي، أو الصوفي الفرنسي اليهودي ميرا الفاسا واليوغية الهندية المتعلمة في كامبريدج والمتطرفة سري أوروبيندو. في بيئة عالمية حيث تظهر خطوط معركة الإمبراطورية من جديد في تكوينات أحدث وأكثر ضررًا. يتحدى كتاب ’’ المجتمعات العاطفية’’ التصوير المتجانس لـ “الغرب” ودوره فيما يتعلق بالصراعات المناهضة للاستعمار. بالاعتماد على نظرية دريدا للصداقة، تطرح الكتابة نموذجًا جديدًا قويًا للسياسة: نموذج يجد في الصداقة موردًا مهمًا لمحاربة الإمبريالية والتعاون العابر للحدود.

حقق هذا الكتاب نجاحا مذهلا، حيث تناولته عشرات المقالات العلمية لكبار المتخصصين في نظرية ما بعد الاستعمار كـــــ: غوتام بريمناث، لينيل سيكومب، سيث كوفين، مايا جاسانوف، جوناثان هاريس، سيمون جكاندي، ديبش شكرابارتي…وآخرون. ويرجع نجاحه الى الانتقال الذي اعتمدته ليلا غاندي بين سياقات متنوعة مثل: التاريخ الفيكتوري الفكري، الفلسفة الغربية، القومية الهندية ونظرية ما بعد الاستعمار، لإعادة إنشاء مجتمعات لن تكون مرئية بدون الاستفادة من ثروتها الخاصة من المعرفة.

 

Leela Gandhi, Affective Communities: Anticolonial Thought, Fin-de-Siècle Radicalism, and the Politics of Friendship (Durham, NC: Duke University Press, 2006), 254 pp.

 

 

 

التعليقات مغلقة.