الرئيسية / تنبيهات / الكوفيّة الفلسطينيّة في طريقها إلى موسوعة “غينيس” العام المقبل

الكوفيّة الفلسطينيّة في طريقها إلى موسوعة “غينيس” العام المقبل

أحمد ملحم

صحفي ومصور فلسطيني

احتفت محافظة الخليل في جنوب الضفّة الغربيّة بعرض أكبر كوفيّة فلسطينيّة على مساحة 1400 متر مربّع، في مدرسة ذكور ياسر عرفات الثانوية، في بلدة دورا بـ14 تشرين الثاني/نوفمبر، ضمن فعاليّات أسبوع “الاستقلال والوفاء” و”يوم الكوفيّة الفلسطينيّ” بمشاركة عدد من طلبة مدارس المديرية، وتعدّ هذه المبادرة، التي جاءت بتنظيم مديريّة تربية وتعليم جنوب الخليل، خطوة تجريبيّة أولى للوصول إلى صنع أكبر كوفيّة في العالم بمساحة 5 آلاف متر مربّع في عام 2019 لتسجيلها في موسوعة “غينيس”.

وأشار مدير مديريّة جنوب الخليل خالد أبو شرار إلى أنّ ما جرى هو تجربة لصنع أكبر كوفيّة في العالم العام المقبل وتسجيلها في “غينيس” من أجل تفادي الأخطاء التنظيميّة والترتيبات والتجهيزات، وقال: “في عام 2019، سنقدّم إلى شعبنا حدثاً يليق برمزيّة الكوفيّة، التي ستفترش أرضيّة استاد دورا الدوليّ لكرة القدم”.

وكان من المقرّر أن تتمّ صناعة أكبر كوفيّة هذا العام، لكنّ القائمين على المشروع قرّروا تأجيل ذلك إلى العام المقبل، إذ قال خالد أبو شرار: “تمّ التواصل مع مؤسّسة غينيس منذ آذار/مارس الماضي، ولكن نظراً لضخامة المشروع والخشية من الفشل، قرّرنا تأجيل ذلك إلى العام المقبل لاتّخاذ كلّ الإجراءات والترتيبات، وإجراء تجربة مصغّرة لمعرفة الأخطاء التنظيمية والفنية التي يمكن الوقوع بها لتداركها”.

ورغم أنّ مديريّة تربية وتعليم جنوب الخليل هي صاحبة الفكرة والقائمة على المشروع، إلاّ أنّها تتشارك مع مؤسّسات المجتمع المحليّ في المشروع كمحافظة الخليل والبلديّة ورجال الأعمال في المدينة ومؤسّسات محليّة، نظراً لحاجة المشروع إلى إمكانيّات ماديّة وفنيّة ولوجستيّة كبيرة.

وتشكّلت الكوفيّة التي عُرضت من 1800 كوفيّة صغيرة، تمّت حياكتها وربطها مع بعضها من قبل طلاّب مدرسة ذكور ياسر عرفات الثانوية بالتعاون مع طلاب بعض المدارس الاخرى على مدار أسابيع من العمل.

وكانت وزارة التربية والتعليم خصّصت في عام 2015، 16 تشرين الثاني/نوفمبر من كلّ عام يوماً للكوفيّة الفلسطينيّ، ضمن أسبوع “الاستقلال والوفاء”، بالتزامن مع إحياء ذكرى رحيل الرئيس ياسر عرفات، التي تصادف 11 تشرين الثاني/نوفمبر من كلّ عام وذكرى يوم الاستقلال في 15 تشرين الثاني/نوفمبر من كلّ عام.

وتحتفل المدارس والمؤسّسات التربويّة في الضفّة وغزّة بهذه المناسبة كلّ عام بإقامة الفعاليّات الوطنيّة والثقافيّة والتراثيّة، حيث يرتدي الطلاّب والمدرّسون الكوفيّة بهدف تعزيز رمزيّة الكوفيّة والهويّة الوطنيّة والتراثيّة لدى الأجيال الناشئة.

من جهته، أشار المتحدّث باسم وزارة التربية والتعليم الفلسطينيّة صادق الخضور إلى أنّ مبادرة صنع أكبر كوفيّة في العالم وتسجيلها في موسوعة “غينيس” تأتي لتثبيتها كرمز وهويّة للشعب الفلسطينيّ، في ظلّ محاولات سرقتها من أطراف إسرائيليّة، لافتاً إلى أنّ الكوفيّة التي ستتمّ صناعتها ستكون متّصلة بشكل أجمل من الكوفيّة التي تمّ عرضها.

وأشار إلى أنّ القائمين على الفكرة سيتّخذون الإجراءات اللاّزمة لإنجاح الفعاليّة، وقال: تمّ التواصل مع عدد من الشركات والمؤسّسات المحليّة، التي يمكن أن تساهم في إنجاز هذا العمل ليكون جاهزاً في 16 تشرين الثاني/نوفمبر العام المقبل.

وتمثّل الكوفيّة لدى الفلسطينيّين رمزاً للمقاومة والنضال والهويّة الوطنيّة. وقد نالت هذه المكانة خلال العقود السابقة لارتباطها بمحطّات ومراحل مفصليّة ومهمّة في تاريخ الفلسطينيّين.

وبدأت رمزيّة الكوفيّة، التي تسمّى باللغة العاميّة “الحَطَة”، تتشكّل لدى الفلسطينيّين في بداية الثورة الكبرى التي اندلعت في الريف الفلسطينيّ خلال عام 1936 ضدّ قوّات الانتداب البريطانيّ، والتي كانت توصف بثورة الفلاّحين، لأنّ أكثر المشاركين فيها من الفلاّحين.

ونظراً لأنّ “الحَطَة” والعقال كانا جزءاً من زيّ الفلاّحين الفلسطينيّين في ذلك الوقت، فإنّ القوّات البريطانيّة كانت تعتقل كلّ من يلبسهما مع كلّ عمليّة مسلّحة تشنّ ضدّهم، الأمر الذي دفع بقيادة الثورة الفلسطينيّة آنذاك إلى إصدار تعميم بمنع لباس الطربوش الأحمر وإلزام الناس بارتداء الكوفيّة في محاولة لتضليل القوّات البريطانيّة.

وقال الحكواتي والباحث المهتمّ بجمع الموروث الشعبيّ المرتبط بالحياة اليوميّة في فلسطين حمزة العقرباوي “انعكست مكانة الكوفيّة كرمز للثورة في الأهازيج والأغاني الشعبيّة في تلك الفترة، فكان الأهالي يردّدون الحَطَة بـ5 قروش والنذل لابس طربوش أو يا نـذل بيـع الطـربـوش.. الحَطّة بـ5 قروش”.

وارتبطت الكوفيّة بمرحلة أخرى مهمّة، وهي انطلاق العمل المسلّح مع بداية عام 1965، الذي كان يرتكز على السرّية، الأمر الذي يضطرّ أفراد الخلايا المسلّحة إلى إخفاء هويّتهم بلثام الكوفيّة أثناء التدريب العسكريّ أو تنفيذ المهمّات، الأمر الذي جعلها أيضاً رمزاً للخلايا المسلّحة وللفدائيّ المقاتل وساهم في تأصيل ارتدائها بشكل دائم من قبل ياسر عرفات، الذي بدأ نجمه بالسطوة كقائد للشعب الفلسطينيّ ومنظّمة التحرير.

وقال حمزة العقرباوي: “استمرّت الكوفيّة كرمز للهويّة النضاليّة لدى الفلسطينيّين خلال الانتفاضة الأولى التي اندلعت في عام 1987، والانتفاضة الثانية في عام 2000، حيث كان الشبّان والأطفال يرتدونها أثناء المواجهات مع قوّات الاحتلال في المدن والقرى والمخيّمات الفلسطينيّة لكي تصعب معرفتهم وملاحقتهم”.

وجسّد الأدباء والشعراء والرسّامون الفلسطينيّون الكوفيّة كأيقونة تشير إلى الهويّة في أعمالهم الفنيّة والأدبيّة، فقال الشاعر الراحل محمود درويش في أشهر قصائده “سجّل أنا عربيّ”: “سجّل أنا عربيّ، ولونُ الشعرِ فحميٌّ، ولونُ العينِ بنيٌّ، وميزاتي على رأسي عقالٌ فوق كوفيّة”.

كما وثّق رسّام الكاريكاتير الفلسطينيّ الشهير ناجي العليّ الكوفيّة رمزاً للفلسطينيّين في مئات الرسوم الكاريكاتيريّة إلى جانب حنظلة، وجسّدها كذلك الفنّان السوريّ برهان كركوتلي في العديد من رسوماته عن فلسطين. كما تغنّى بها الفلسطينيّون في السنوات الأخيرة بالأغنيّة المشهورة للفنّان محمّد عسّاف “علّي الكوفيّة”.

وأوضح العقرباوي أنّ “الكوفيّة باتت رمزاً يدلّ على الفلسطينيّين. ولذلك، فإنّ المتضامنين مع القضيّة الفلسطينيّة سواء عربيّاً أم دوليّاً يرتدون الكوفيّة”.

ولم تنجُ الكوفيّة من محاولات إسقاط رمزيّتها وقيمتها الوطنيّة والتراثيّة. ولذلك، شهدت السنوات الماضية ظهور الكثير من الأزياء العصريّة والجريئة بألوان الكوفيّة وتصميمها، أبرزها ما قدّمه المصمّم الإسرائيليّ يارون مينكوفسكي من أزياء ارتدتها عارضات أزياء إسرائيليّات في أسبوع “تلّ أبيب للموضة” لربيع وصيف 2016، رغم قوله إنّ استخدامه الكوفيّة هدفه تعزيز التعايش بين الجانبين.

 

المصدر : al-monitor

اترك تعليقاً