الرئيسية / اخر الاخبار / الكتاب الأخضر .. الابداع والانسانية في مواجهة التمييز العنصري

الكتاب الأخضر .. الابداع والانسانية في مواجهة التمييز العنصري

نزار عبد الغفار السامرائي

التمييز العنصري هاجس مستمر، مهما حاولنا أنكار وجوده، فهو أحساس يتحرك داخلنا نتيجة الأفكار الاجتماعية التاريخية المتراكمة التي تشكل الأساطير المتحكمة برؤانا للحياة والمجتمع والكون بشكل عام. الأمر الذي يجعلنا نتعامل مع الآخر وفق الجنس،او العرق،او الدين والطائفة او اي اختيار نجعله يميزنا(نحن)عن الآخر( هم).

من هذا الجانب ينطلق فيلم الكتاب الأخضر (green book) الذي يتناول جولة حقيقية يقوم بها وهو واحد من اشهر عازفي البيانو دون شيرلي ، الى الولايات الجنوبية في فترة الستينات ، ولكونه من أصول أفريقية فأن الشركة التي تتولى الأشراف على الجولة وعقود الحفلات تتعاقد مع توني ليب وهو حارس ملهى معروف ويتعامل مع العصابات، ليعمل كسائق وحارس لشيرلي. وتبدء المفارقة من هنا اذ ما معتاد للناس هو ان يعمل الرجل الأسود في خدمة البيض، أما ان يكون رجلا أبيضا يعمل لصالح شخص أسود فهم كسر للنمط السائد في الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، ولاسيما في الولايات الجنوبية التي تتعامل بعنصرية فائقة مع الأمريكان من أصول أفريقية.

المفارقة الثانية ان يكون شيرلي وهو الشخص الشهير والذي لديه علاقات مع كبار المجتمع الأمريكي ومنهم الرئيس كيندي نفسه، مضطرا ان يتعامل مع السياقات المعتادة للتعامل مع السود ومنها تخصيص أماكن خاصة بهم تختلف عن أماكن البيض، يمكن التعرف اليها عبر كتيب صغير يسمى (الكتاب الأخضر) يحدد الفنادق والمطاعم التي يمكن للسود ان يستخدموها في رحلتهم للجنوب لتفادي التعرض لمواقف محرجة او الأذلال على يد العنصريين البيض.

المفارقة الثالثة ان البيض الذين يستقبلون الدكتور شيرلي بالحفاوة ويصفقون بحماس بعد كل مقطوعة يقدمها، هم ايضا غير مستعدين لجعله يستخدم حماماتهم، فهم غير مستعدين لتجاوز الأفكار التي نشأوا عليها والتي تجد في السود مستوى ادنى من التعامل معهم سواسية مع البيض، لذلك فهم لا يجدون في العازف المشهور الا وسيلة للترفيه يستمعون الى عزفه ولكن غير مستعدين للتعامل معه كواحد منه.

المفارقة المهمة في الفيلم هي تلك العلاقة التي تنشأ بين شيرلي وليب. عالمين مختلفين كليا، تمهد لهما الجولة لأن يكتشفا بعضهما بعيدا عن القناع الذي يرتديناه امام الناس، لتظهر المشاعر المكتومة، فشهرة شيرلي لا تمنه من شعوره بأغتراب حقيقي يتعلق بهويته الانسانية،فلا السود الذين ينظرون له باستغراب يشعرون به واحدا منهم، ولا البيض مستعدين لقبوله بينهم، ما يجعله واقفا في منطقة وسطى يشعر بعدم الانتماء لمجتمع حقيقي يتفاعل معه كأنسان وليس مجرد عازف ماهر.

يحاول شيرلي ان يثبت شيئا عبر قبوله بالسفر الى الولايات الجنوبية التي تنظر الى السود بأمتهان، ومه تعرضه للأهانة المستمرة الا انه يتجاوز المواقف بكل برود رغم ان   ذلك يحفر في روحه اخاديد من الحزن والالم يحاول ان يكتمها، حتى اللحظة الاخيرة عندما ينتفض امام منعه من تناول الطعام في صالة الفندق مع فرقته لمكونة من عازفين روسيين وليب سائقه، فيقرر اما ان يتناول الطعام معهم او يمتنع عن العزف في الحفل وهو ما يفعله ليطلب من ليب العودة الى نيويورك حتى يفي بوعده لأن يعيده الى عائلته قبل اعياد الميلاد.

الكتاب الاخضر فيلم جدير بالمشاهدة ولاسيما بعد فوزه بجائزة الاوسكار هذا العام ، اضافة الى فوز ماهر شالا بجائزة افضل ممثل,

الفيلم من إخراج بيتر فاريلي،و كتابة ابن توني ليب الحقيقي، وهو من بطولة: فيجو مورتينسين (توني ليب) ،وماهرشالا علي (دون شيرلي) ،وليندا إدنا كاردليني (زوجة ليب).

عرض الفيلم لاول مرة في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي حيث فاز بجائزة اختيار الجمهور، وعرض في الولايات المتحدة يوم 21 تشرين الثاني/نوفمبر 2018

اترك تعليقاً