الرئيسية / مقالات مختارة / القوي المعنوية

القوي المعنوية

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد

بلغ القلق بصاحبنا أن أصابته قرحة في أمعائه، وكان من خطورتها أن الأطباء حددوا له أوان وفاته، وأوعزوا إليه أن يُعد كفنه ويهيئ قبره! وفجأة يتخذ صاحبنا قراراً مدهشاً؛ فقد حدَّث نفسه بأنه لم يبق له في هذه الحياة سوى أمد قصير، فلماذا لا يستمتع بهذا الأمد على أكمل وجه؟ لطالما تمنى أن يطوف العالم قبل أن يدركهالموت، فها هو ذا الوقت الذي يحقق فيه أمنيته. وابتاع تذكرة للسفر عبر البحر، فارتاع أطباؤه، وقالوا له: إننا نحذرك، إنك إن أقدمت على هذه الرحلة فستدفن في قاع البحر، لكنه أجاب: كلا، لن يحدث شيء من ذلك، فقد وعدت أقاربي بألا أدفن إلا في مقابر الأسرة، وركب صاحبنا السفينة، وبدأ رحلة مشبعة باللهو المباح والاستخفاف بالمرض، وأرسل خطاباً إلى زوجته يقول فيه: لقد أكلت ألوان الطعام كلها، حتى الدسم المحظور منه، وتمتعت في هذه الفترة بما لم أتمتع به في ماضي حياتي، وإذا بالرجل يصحُّ من مرضه، ويبرأ من علته.

ويبدو أن الأسلوب الذي سار عليه صاحبنا كان أسلوباً ناجحاً في قهر الأمراض ومغالبة الآلام، لقد أيقن الرجل أن ساعته قد حانت، فلم تفزعه رهبة الموت، وبنى مسلكه على انتهاز كل لحظة لينهل من المتع الميسرة، فإذا هو بما عراه من سرور غامر؛ يتغلب على القرحة المعوية، ويستعيد عافيته الأولى. لا ينكر علم النفس آثار الانتعاش النفسي في هزيمة الصعاب، كما يعترف بأن ارتفاع القوى المعنوية يسهم في تهوين التعب، والتغلب على العوائق، والانتصار في معظم معارك الحياة.

الفرق كبير بين التبلد النفسي وتسليم الأقوياء لما ينزل بهم، وأول معالم القوة المعنوية الصلابة النفسية، التي لا تميل مع كل ريح، ولا تنحني مع أية علة، وإذا أحصينا هؤلاء الذين لا يأخذهم الدهش أمام المفاجآت؛ عرفنا أنّ لهم في أنفسهم ما يهوّن عليهم أي مفقود، وما يسليهم عن كل فائت، وبهذا الشعور يمكنهم أن يقتحموا كل حصار تضربه عليهم الليالي الكوالح.

وأي امرئ يبني حياته على الخوف المفرط من المرض والموت فهو يبنيها على القلق الذي يفضي ــ لا محالة ــ إليهما، ولا يجوز أن نُخدع بهذه الصورة الباطلة من المخاوف المجهولة. إن النهج الأقوم أن يكون مصدر طاقتنا المادية والمعنوية هو الحق الذي قدّره الله على البشر، وماذا على المريض المصاب بقرحة الأمعاء لو أنه حسب الموت نقلة من بلد إلى بلد، فلم ير فيه وحشة مروعة ولا ظلاماً مهولاً.

اترك تعليقاً