الفن(دراسة في بقر المصطلح)2

محمود نائل

كنا في المقال الاول عن بقر مصطلح الفن وطرح احتمالات متعدده ومتشعبه، تدل على الاشكالية التي تحيق بنا إزاء إيجاد تعريف”اتفاقي” حول مصطلح الفن، وهنا تكمن صعوبة تحديد المصطلح في حدوده الضيقة للمعنى.
الفن له رجال فنانون وخبراء ونقاد وفلاسفة، ولسوء الحظ ان لكل من هوﻻء رأي مغاير تماما عن نضراءه، ولكي نطرح بعض الاراء والكيفيات والنظريات التي تفسر العملية الفنية؛ بالتالي تعرفنا بالفن، وﻻ اريد اعود بالاشكالية الى الفلاسفة الاوائل(سقراط..افلاطون.. ارسطو) ﻻنهم لم يقدموا تعريفا او تفسيرا منطقيا للفن بل كانت فرضيات تصلح في وقتها حين كان المسرحية تعرض على سفح جبل،ويقوم ممثل واحد باداء جميع الادوار.
بل أثرت ان ابدأ من تولستوي(١٨٢٨-١٩١٠) الذي وضع كتابا هاما موسوم(ما هو الفن) حيث طرح فيه عدة تعاريف ونظريات وفرضيات لتحجيم المصطلح، وقدمه بطريقة علمية وبلغة أدبية، اسعفته لغته الشعرية والادبية كثيرا في ذلك، حيث عرف مرة الفن على انه “وسيلة من وسيلتي تقدم البشرية، من خلال الكلمة يعاشر الانسان الآخرين فكريا، ومن خلال نماذج الفن يعاشر الانسان جميع الناس بأحاسيسه” وفي هذا التعريف جمع(تولستوي) بين العاطفه والعقل والانفعال والتجربة، كي يكون تعريفه جامعا مانعا، وأحتمل انه الاقرب الى توصيف الحالة؛ لكنه فضفاض يحتمل الكثير من التفسيرات والتاؤيلات ومفتوح على مصراعيه امام التحليلات التي قد ﻻ تقع ضمن المقصود من النص،واختلف معه الفيلسوف الالماني(نيتشئة١٨٤٤-١٩٠٠)حين عرف الفن في كتابه”مولد التراجيديا” على انه ظاهرة معرفية، حيث الغى كل العواطف والانفعالات التي يمر بها الفنان حين يمر بعملية الخلق الفني، وهذا رأي متطرف نوعا ما واقصائي، وتاتي فيلسوفه أمريكية معاصرة(سوزان ﻻنجر١٨٩٥-١٩٨٥) فتعرف الفن على انه ابداع اشكال قابلة للادراك الحسي؛ حيث تكون معبرة عن الوجدان البشري..وهو مخالف تماما لتعريف “نيتشئه” لكنه اقرب الى الحقيقه، الفن انفعال ودهشة وايلاد بفكر وتحليل وتنبؤا، لم يكن الفن سهلا كما يصوره البعض، الفن يحتاج الى احساس عالي يفتقده اغلب البشر، لذلك حين نعد المبدعون في الفن نجدهم نادرين اسوة بالبشرية، يذكر الدكتور (فاخر عقل ١٩١٨-٢٠١٤)في كتابه(الابداع وتربيته) ان المبدعين ﻻ يتعدون شخصين مقابل مليون، وهذا يجعلنا صاغرين تكاد تكون النسبة معدومة، لذلك من الصعب ان يخرج لنا فنان مبدع في كل عام او عقد من الزمن.
يأتي عالم النفس (فرويد١٨٥٦-١٩٣٩) ويضع لنا تعريفا آخر ينافي كل ما سبق ذكره، كونه عالم نفس ومختص في التحليل النفسي، عرف الفن من منظور نفسي وقال: ان الفن هو حقيقة تمارس مقاصد سحرية، بوصفها اكراه يمارسه الفنان على سلطات الاخرين.
وهو راي فيه من الصواب و الخطأ ﻻنه اعتمد نوازع الانسان السايكولوجية في ايجاد الفن من وجهة نظر الفنان.
استعرضنا اعلاه آراء اربعة من يمكن تصنيفهم بين فيلسوف واديب وناقد وعالم نفس، وهذا التنوع كان مقصودا لبيان الاشكالية التي تواجهنا في تعريف المصطلح، فكل يفسره ويعرفه من وجهة نظره وتخصصه، وهذا ما يجعل عملية ايجاد تعاريف متفق عليه ضرب من الخيال، وسنلحق هذا المقال والذي سبقه، بمقال ثالث يجمع اراء وتعاريف الفنانين للفن.

قد يعجبك ايضا

اترك رد