الرئيسية / مقالات مختارة / الـرَقم و الوقت … أين نحن منهما ؟ – 2 –

الـرَقم و الوقت … أين نحن منهما ؟ – 2 –

هيـثم القـيّم

 

عنصران حاسمان يلعبان الدور
الأهم في مجال التنمية بكل أنواعها ومستوياتها و فروعها ، والدول التي سبقتنا في
مضمار التخطيط والدراسات الأستراتيجية جعلت منهما محور لنجاح وفعالية جميع خطط
التنمية ومشتقاتها .. والحال اليوم لا يوجد أي نشاط أو تخطيط في كل مجالات الحياة
.. مالم يستند الى هاتين الأيقونـَـتين الرقم .. والوقت.

الوقـــت :

تحدثنا
في الجزء الأول عن الرقم وأهميته في حياة الفرد والدولة والمجتمع .. وهنا سنتناول
بشئ من التفصيل  الوقت وأهميته في حياتنا
الشخصية وحياة المجتمع والدولة .

الوقت والزمن مفهومان متداخلان يـُـفـسـّر أحدهما الآخــر .. ولكن علماء
اللغة يـُـعرّفون الزمن بأنه وصفّ لقليل الوقت أو كثيرهُ .. فعندما نقول : طال
عليه الزمن نعني مـَرّ عليه وقت طويل ..أو نقول أزمـَنَ المكان أي أقام به وقتاً
طويلاً .. أو نقول زمناً يسيراً بمعنى وقتاً قليلاً .. وهكذا ، ويمكننا بعبارة
أخرى أن نقول أن الوقت هو تفاصيل الزمن .. والمفارقة أن تعبير الزمن أرتبط في
أذهان الكثير من الناس بالماضي ، وشاعت مقولات كثيرة من نوع عفا عليه الزمن أو
أستغرق زمناً طويلاً أو قل للزمان أرجع يازمان ..! وهذا خطأ معرفي بالطبع بينما
الحقيقة أن الزمن يشمل الماضي والحاضر والمستقبل .. فعندما نقول في زمننا الحالي
نعني الحاضر وعندما يقول الرسول الكريم ( ص) : سيأتي زمانّ على أمـّتي …! هنا
بمعنى المستقبل .

 

توصيف الوقت

v    
الوقت هو الحياة ..
هو عمر الأنسان وهو أغلى وأندر مورد إنساني وحياتي.

v    
الوقت غير قابل
للخزن أو الحفظ ..!

v      الوقت غير قابل للتعويض .. الدقيقة التي تذهب لن
تعود ..!

v    
الوقت رأس مال غير
قابل للتجديد أو الإحلال .. فلا توجد وسيلة لإيقاف دوران الوقت أو لاسترجاعه ،
لـذا يجب استثماره لا إنـفاقــه.. أو أستخـدامـُه لا أستهلاكـُه ..!!

v    
الأستخدام الفعـّال
والملائم للوقت هو معيار الفشل والنجاح .

v    
الوقت ثروة تـتآكل
يومياً .. العاقـل مـَن يستغـلـّها ويستثمرها .. والأحــمق يعبث بها و يتفرّج
عليها ..!

يقول الحديث النبوي الشريف : : ( لا تزول قدمُ عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن
أربع خصال : عن عـُمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه، و عن ماله من أين اكتسبه
وفيم أنفقه ، وعن عـِلمه ماذا عمل فيه ).

ويقول الفقيه الحـَسن البصري : ( يا ابن آدم ، إنما أنت أيام ، إذا ذهب
يومـَك ذهب بعضُك ). ويقول أيضاً : ( الدنيا ثلاثة أيام : أما الأمس فقد ذهب بما
فيه ، وأما غداً فلعلّك لا تـُدركه ، وأما اليوم فـَلـَك فاعمل فيه ).

 

أهمــية الوقت في حياتنا تنبع من مبدأ : أن
أحترام الوقت واستثماره بشكل صحيح يعني أن لديك هدف تـُريد تحقيقه .. والوصول
للهدف حتماً مرتبط بفترة زمنية وألاّ لا يمكن أن يكون الزمن مفتوح الى ما لا نهاية
.. والأفراد والمجتمعات والدول التي لا تحترم الوقت يعني ليس لها هدف ..! وينطبق
ذلك على الدول والحكومات بشكل أكثر تركيزاّ من الأفراد كون الدولة مـُمثلة
بمؤسساتها وقوانينها وأجراءاتها مـَعنيـّة بمصير ومصالح ومستقبل مجموع الأفراد في
المجتمع .. ومن هنا يأتي أرتباط الوقت بالتنمية .

المفهوم التقليدي للتنمية يـقوم على أساس
لحاق الدول المـُتخلفة بالدول الصناعية المتقدمة والسَير على نفس الطريق وهو(اقتصاد
السوق) أي أن الاقتصاد وحده هو الهدف وهو المؤشر على التنمية، والتنمية بهذا هي
تنمية اقتصادية محضة ، تؤكد على تكوين رأس المال العيني الثابت على نحو تراكمي ،
وترى في عنصر العمل البشري أحد الموارد المـُغذية للتنمية ، كالطاقة أو الموارد
الطبيعية، و أطلقت تسمية  الموارد
البشرية على الأنسان العامل ، ولهذا المفهوم التقليدي طرائقه وأساليبه
والتي من أهمها عنصر التقليد ونقل النموذج كطريقة للتنمية، ولا يوضع
 في الاعتبار عنصر الإبداع أو الابتكار،
فالتنمية حسب هذا المفهوم عملية نقل وتقليد ، فظهـَرت مصطلحات من قبيل نقـل
التكنولوجيا و نقل العلوم و ونقل وسائل نشر الثقافة
..الخ مما يـُبقي الدول المتخلفة في إسار الهيمنة الاقتصادية والسياسية
والثقافية للدول المتقدمــة ،  وبما إن
الإنسان بالنتيجة هو هدف التنمية وهو كذلك وسيلتها .. بدأ المفهوم التقليدي
للتنمية يأخذ منحى آخــر في الدول الطامحــة للـّحاق بركب الدول المـُتقدمة ..
فبدلاً من نقل التكنولوجيا والأكتفاء بشرائها ..! اصبحت الرؤية الجديدة هي تطوير
قـدرات الأنسان المحلـّي وتنمية طاقاته في مجال الأبداع والأبتكار والتطوير ..
فتحوّل مفهوم (الموارد البشرية ) الى مفهوم ( التنمية البشرية ) والتي أنتجت مفهوم
التنمية المـُستدامــة ..!

وقد اكتسب مفهوم التنمية البشرية اهتماماً
خاصاً ومتزايدا منذ عام 1990عندما قام البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة بتكوين
فريق من الخبراء للبحث في مفهوم التنمية البشرية وتقديم تقرير سنوي عنه .ووفقاً لتعريف الأمم المتحدة يتضمن مفهوم التنمية البشرية ثلاثة أبعاد أساسية :

v  
 تأهيل وصقل القدرات البشرية ، فالأفراد يولدون مـُتساويين
نسبياً في القـُدرات ، إلا أن هذه القدرات تــُصقل أو تــُهدر وفقاً لمستوى
التأهيل عـِـبر برامج التعليم والتدريب والتـنشئة الاجتماعية .

v    توظيف أو استغلال القدرات البشرية في التنمية
الاقتصادية والسياسية والمـُجتمعية .

v  
أرتباط التنمية  بـنوع ومستوى رفاهـيـّة المجتمع .

وباختصار فأن
المفهوم الأساسي للتنمية البشرية : هو توفير أفضل الفرص المـُمكنة لاستغلال
الطاقات البشرية.

أهداف التنمية البشرية :

1-     بناء انسان قادر على مواجهة الحياة والمـُـتغيـّرات
التى تحدث حوله بشكل ايجابى وفعال.

2-     مساعدة
الفرد على التفكير بشكل ايجابى وابداعى وتغيـيّر نظرته من نظره سطحيه الى نظرة اكثر عمقا وبشكل مختلف للحياة من
حوله.

3-     محاولة
اثراء تواصل الفرد بالمجتمع بشكل
اخلاقى ومؤثر يـُعبـّر فيها الفرد عن نفسه ويتولد شئ من
الارتياح
بينه وبين اسرته واصدقائه وزملاء العمل ومــُجتمعه عموماً .

4-     كيفيه
تعامله مع فريق العمل ومع رئيس الفريق .. وهنا علينا الـتأكيد ان الفرد كالترس (
الدشـّلي) سواء كان الترس الرئيسى او الصغير فى الماكينة والتي هي المؤسسة او المجتمع بصفه عامة ، أذ بدون الترس الصغير
لن يدور الترس الكبير ,…! لذلك يجب ان يتفهم الفرد
انه مهما كان دوره صغيراً فانه سيكون مؤثرا اذا ما قام به على النحو الامثل وعمل على اظهار ابداعاته الخلاقه به ، فهو
قائد المهمة التى يقوم بها مهما صغرت.

5-     بناء انسان يـُدرك ماهى اهميه الوقت و اهمية دوره في حياته
.. وكيفية استغلال طاقاته ومواهبه ووضع
اهداف
لحياته.

6-     كيفيه
التعامل مع المشكلات التى تواجه الفرد بشكل
ايجابى
, فلا يتعامل مع المشكله وكان فوهة مدفع مـُصوّب لراسه.

 

الحديث عن التنمية البشرية وارتباطها بالوقت .. لابد أن يقودنا للحديث عن
أبرز روّاد التنمية البشرية في العالم ..ذلك هو العالم والكاتب والمـُحاضر الدولي
الدكتور أبراهيم الفقي ( رحــمهُ الله ) المصري الأصل والكندي الجنسية :

ولد الدكتور الفقي في 5 / 8 / 1950 في قرية أبو النمرس / حي المـُنيب في محافظة
الجيزة في مصر .. بدأ حياته العملية في مصر من عامل فندق حتى وصل الى مدير قسم في
أحد فنادق الأسكندرية وهو في سن الخامسة والعشرين .. هاجر الى كندا مع زوجته
السيدة آمال في نهاية السبعينات من القرن الماضي لدراسة علوم الأدارة ،  واشتغل في كندا عامل فندق يغسل الصحون وعمل
حارسا لمطعم ثم حمـّال كراسي في فندق بسيط .. وهو يقول ذلك بكل فخر ..! تدرّج في
المناصب بوقت قياسي ليصبح مدير أحد أكبر الفنادق في كندا .. حصل على الكثير من
الشهادات العلمية وأكثر من شهادة دكتوراه في التنمية البشرية من امريكا وكندا ..!
أصبح رئيس مجلس أدارة المعهد الكندي للبرمجة اللغــوّية ورئيس مجموعة شركات
أبراهيم الفقي العالمية .. قام بتأسيس وتأليف ( علم الطاقة البشرية ) و ( علم
ديناميكية التكيــّف العصبي ) .. تـدرّب على يديه حوالي مليون شخص من مختلف أنحاء
العالم .. قام بتأليف عشرات الكتب المتعلقة بالتنمية البشرية والطاقة البشرية …
يـُـلقي محاضراته في ثلاث لغات العربية والأنكليزية والفرنسية .. يـُـعتبر رائد
التنمية البشرية في العالم العربي .. وأحد أبرز خمسة علماء في العالم في هذا
المجال ..  له كتاب مهم ورائع بعنوان (
أدارة الوقت ) .. يقول فيه : ( أن مقياس تقدّم الأمم وازدهار حضارتها .. هو حـُـسن
أستغلالها لوقت أفرادها وادارتها لهم )

 

يـُعرّف الدكتور الفقي أدارة الوقت بانها :

v     تعني
أدارة الذات .. فهي نوع من أدارة الفـرد نفسه بنفسه.

v     هي ادارة
الأعمال التي نقوم بمباشرتها في حدود الوقت المتاح 24 ساعة يومياً
وذلك بأقل جـُهد وأقصر وقت .. ومن ثم يتبقـّى لنا وقت للتفكير والأبداع والتخطيط
والراحة والأستجمام.

v     أدارة
الوقت هي محاولة لترويض الوقت وفرض سيطرتنا عليه .. بدلاً من أن يفرض سيطرته علينا
..!.

 

آخـر وصــيّة قالها رحمه الله قبل وفاته بساعات في حريق ألتهم شقته في
القاهرة يوم 10 / 2 / 2012 :

 ( أبتــَعد عن الأشخاص الذين
يــُحاولون التقليل من طموحاتك .. بينما الناس العظماء هم الذين يـُـشعرونك أنك
باستطاعتك أن تكون واحداً منهم …!).

 

أذن يمكن القول أن للتنمية البشرية بـُعدين : أولهما يهتم
بمستوى النمو الإنساني في مختلف
مراحل الحياة لغرض تنمية قدرات الإنسان ، طاقاته البدنية ، والعقلية، والنفسية ، والاجتماعية ، والحرفية ، والروحية ..أما البعد الثاني
فهو
أن التنمية البشرية عملية تتصل باستثمار الموارد
والمـُـدخلات والأنشطة الاقتصادية
التي
تولد الثروة والإنتاج والتي تؤدي بدورها الى تنمية القدرات البشرية عن طريق الاهتمام  بتطوير الهياكل والبنى المؤسسية التي تتيح
المشاركة والانتفاع بمختلف القدرات الظاهرة والكامنة
لدى جميع الناس.  

 

في اليابان مثلاً يعملون وفق مبدأ الوقت المـُحدد ( in time ) .. ونحن ولله الحمد ..! نعمل
وفق نظرية أي وقت ( any time ) …!!

 

المؤسسات والشركات اليابانية تـعتبر الوقت أحد أهم
الأصول التي يجب أستثمارها .. والشئ المـُلفت والرائع أنهم يربطون بين القـيـَم ..
أي بين قيمــة الوقت وقيمة العمل وقيمة الزبون … وأنتج هذا المفهوم أسلوب
الأنتاج في الوقت المــُحدد ( just in time ) .. فمثلاً  قامت أحدى شركات أنتاج السيارات والتي تقوم
بانتاج جميع أجزاء السيارة ما عدى الأطارات والتي تحصل عليها من مـُجهّز آخر ، قامت
بالغاء فقرة تخزين الأطارات في معاملها أنتظاراً لتركيبها بعد أنتهاء صـُنع بقية
أجزاء السيارة .. حيث وجدوا أن تخزين الأطارات في مصانع الشركة يستهلك وقت أضافي و
نفقات أضافية .. فقاموا بالغاء هذه الفعالية … وبدلاً عنها لجأوا الى ترتيب وصول
الأطارات من المـُجهـّز متزامناً مع الوصول الى آخر مرحلة من عملية تصنيع السيارة
ليبدأو بتركيب الأطارات حين وصولها من على ظـَهر شاحنات المــُجـَهز ..!

 

وســُئـل أمبراطور اليابان عن أهم أسباب تقدم
اليابان في مدة قصيرة فأجاب : بدأنا من حيث أنتهى الآخرون .. وتعلـّمنا من أخطائـهم
.. وأعطينا المـُدرّس  حصانة الدبلوماسي و
راتب الوزير …!!

 

أين نحن من أحترام الوقت ..!!

 

أكاد أقول أننا من ضمن أكثر شعوب الأرض هدراً
للوقت .. فعلى الصعيد الفردي نتداول بيننا بكل ( فخر ) مقولات تسفيه واحتقار الوقت
بشكل طبيعي جداً ..! مثلاً : خـلـّي نكضي وكت .. أو أمشي نلعب دومنة .. شي يخلصه
الوكت ..! أو والله شنسوّي د نضيـّع وكت ..! وهكذا .. والسبب في تقديري يعود
لعاملين أولهما ضـُعف الوعـي لدى عامـّة الناس بقيمة الوقت وثانيهما فقدان الشعور
بالأستقرار والتوازن والأمل لدى الناس .

أما على الصعيد العام  فقد أبتـُلي الفرد العراقي بحكومات وبرلمانات
تعاقبت عليه منذ عشرات السنين الى يومنا هذا تمتاز                 ( بفضيلة ) التفريط المـُفرط
للوقت .. والأستهتار والأستخفاف بهذه الثروة الناضبة في حياة الناس …!! ويكفي أن
نـُشير الى أن برلماننا الحالي يؤجل جلساته أو يؤجـّل التصويت على القرارات لأيام
وأسابيع و شهور وربما لسنين .. دون أن يـَرفّ له جـَفن .. او تأخذه بالوقت لومــَة
لائم ..! أما الحكومـة … أو لا داعي .. لئلاّ أتهم بأني أرهابـي يـُريد أن
يـُضـَيـّع وقت الحكومة ..!

 

 

haitham52@aol.com

اترك تعليقاً