الرئيسية / مقالات مختارة / العراق, دولة المواطنة أم بلد للتقسيم

العراق, دولة المواطنة أم بلد للتقسيم

 أمير المفرجي

 رداُ على مقال
عادل عبد المهدي العراق بلد الطوائف ام بلد المواطنة

 إذا كانت
الأهداف الأساسية للثورة في العراق وكما يراها عادل عبد المهدي هي في السماح لهذه
البلد وشعبه للتخلص من النظام الدكتاتوري وإبداله بنظام ديمقراطي, فمن الواجب في
أن تكون هذه الأهداف في توافق وانسجام مع إعادة بناء الدولة وتقويتها بدلا من
هدمها وتقسيمها, لكي لا تتحول في النهاية من ثورات اعادة تأسيس لدولة الوطن
إلى انتفاضات للتقسيم العرقي والمذهبي المرتبط بالأجندات الدولية والإقليمية. حيث
أصبح من الطبيعي في أن يجني العراقيون ثمار ما ثاروا من أجله, بعد هذا الحجم من
التضحيات التي قـُدمت ثمناً للحرية, وحق المواطن في حياة كريمة, في ظل حكم
ديمقراطي مدني لا يفرق بين الشيعي والسني, ولا بين الكردي والعربي والمكونات
الأخرى.

 

حيث وبوجود
التناقضات السياسية والاجتماعية المذهبية, ناهيك عن الحروب التي مر بها العراق
وأثرها في تقسيم المجتمع, تغير مسار الثورة وكما يقول الكاتب انتقلت
المعارضات من تلاوين وطنية مجتمعة، الى انقسام اثني وطائفي.. برز واضحاً في
انتفاضة شعبان/آذار1991.. وبهذا أصبح من الممكن في ان تتحول هذه (الانتفاضة
الشعبية) إلى مناسبة لتدخل القوى الاقليمية المارقة, بعد أن تم تفعيلها والتوجه
بها إلى اتجاه أخر, في خطوة لإعادة رسم وتحديد خارطة الجغرافية السياسية للمنطقة.

 

وقد كانت أبرز
أهداف الغزو الأمريكي للعراق, هو استغلال هذه التناقضات ومن ثم تقسيم العراقيين
واعتبارهم في النهاية كعرب وكرد ومن ثم شيعة وسنة, ومن ثم السماح في تغيير هيكل
الدولة العراقية الديكتاتورية من دولة مدنية إلى نظام ثيوقراطي مركزي ضعيف, بعد
إتباع زعماء المكونات السياسية للأجندات الخارجية وعلى حساب وحدة الهوية الوطنية, وبالتالي
الذهاب بالبلد إلى حروب تقسيم اثنية داخلية تختبئ من وراءها استراتيجيات ونوايا
تاريخية من المصالح والاستهداف الدولي والإقليمي.

 

 

وعلى ضوء ذلك, ونظراً
لوجود مثل هذه التناقضات والانقسامات المذهبية والاجتماعية, اتسمت تجربة العراق
بسلبيتها, تماشياً مع حسابات البنية الاجتماعية والدينية للمجتمع العراقي.

 

حيث كان للعامل
الديني المتجذر, وللثقافة البدائية للمذاهب المهمة وارتباطاتها بمرجعيات الدول
الإقليمية في المنطقة, الدور الكبير في تعدد مراكز القرار الناتجة من غياب بوصلة
مشتركة, تمنع من تعدد الاتجاهات السياسية الفئوية.

 

وقد ساعدت هذه
التناقضات الاجتماعية والانقسامات المذهبية في خلق نوعا من الالتباس المؤثر على
شكل الدولة التي يُراد إعادة تكوينها وكما حدث للحالة العراقية. حيث كان لوجود مثل
هذه التناقضات والانقسامات الدور الخطير في تعدد الرؤى.

 

 وقد كان للتدخل الخارجي وتأثيره المذهبي على
شرائح معينة ومهمة من المجتمع العراقي الدور الكبير في إعاقة إعادة بناء دولة
المواطنة العراقية بعد أن تم بناء أجهزة الحكومة ومؤسساتها السيادية على اسس
المذهب او الطائفة الواحدة, واضطرار المكونات الأخرى في الاعتماد على مساعدة القوى
الإقليمية لبناء الفدرالية الخاصة بهم كبداية لقيام دويلات مذهبية أو قومية.

 

وهكذا أثبتت
تجربة العراق بعد تغيير شكل الدولة الذي حصل في 2003 على فشل الأحزاب المذهبية
التي تدعي تمثيل فئات المجتمع من تمثيل أغلبية الشعب, واجتياز الحاجز الطائفي الذي
يفصل انتسابهم الفئوي المُعلن من بقية مكونات الطيف العراقي.

 

وقد قاد هذا
الانتساب الضيق في العراق إلى تفضيل وتغليب الرؤى الضيقة للطائفية الوطنية على
قواعد المواطنة  لتتعدى الحاجز المسموح
للانتماء الوطني الموضوعي, مما أدى في النهاية من نبذ المكونات الأخرى للعملية
السياسية ورفضها لشكل الدولة الجديد. فثمة أسباب حقيقية دفعت بالمكونات العراقية
من رفض اسس الدولة العراقية الجديدة, كتبعية وهيمنة فكر المواطنة المذهبية للفئة
الحاكمة على القرار السياسي والاقتصادي والديني العام في ألدولة.

 

على ضوء ذلك, لم
يعد مفاجئا في ان تتحول تطلعات الثورة الوطنية في العراق إلى امتداد للثقافة
المذهبية, يكون فيها النفس الطائفي وكره الطرف الأخر هو القاسم المشترك في عقليات
هذه النخب، وهي العقلية المجندة فكريا من قبل الدول الإقليمية، والتي لا تتورع في
وضع كل امكانياتها في بث وتغدية الاسلام السياسي الخاص بها لخدمة استراتيجيتها
القومية المناهضة للتطلعات الوطنية المشروعة للعراقيين.

 

وهنا تـكمن
أهمية وجود مرجعية وطنية واحدة للحكم في العراق, تحظر من  المساس بالوطن, في دولة مدنية تحمي الحقوق
الأساسية للأفراد، من أيّ تعسف أو تجاوز، وتضمن التمثيلَ العادل لكل مكونات
المجتمع، يكون فيها الشعب سيدَ نفسه, يختار طريقه، ويقرر مستقبله، دون وصاية من
حاكم مستبد، أو حزب واحد، أو طائفة متسلطة,او دولة اقليمية, من أجل بقاء وطننا
العزيز علينا جميعاً بطبيعته وبوحدته, وكما كان واقع الأمر الماضي.

 

 هذه هي رؤيتنا لمأساة العراق وأسباب علته ومحنة
نظامه أرد من خلالها بموضوعية وطنية على مقال الكاتب المذكور.

اترك تعليقاً