الرئيسية / مقالات مختارة / العراق بمنظار مؤشر الموازنة المفتوحة 2017

العراق بمنظار مؤشر الموازنة المفتوحة 2017

حامد عبد الحسين الجبوري

مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية

 

يحتل العراق مرتبة متأخرة في مؤشر الموازنة المفتوحة المعني بشفافية الموازنة العامة والمشاركة فيها والرقابة عليها؛ مما أدى إلى إنفراط الثقة بين المواطنين والحكومة وكانت النتيجة اللجوء إلى الاحتجاجات الشعبية مطالبين بحقوقهم المشروعة.

تعد الموازنة ركن اساس من اركان المالية العامة التي تعتمدها الدولة لتحقيق اهدافها النابعة من فلسفة النظام السياسي الذي تتبنها، وهي في العادة تربط وتوضح جانبين وهما النفقات والايرادات التي سيتم اعتمادها خلال مدة زمنية مستقبلية معينة، وكلما تتسم الموازنة بالشفافية ومشاركة الجمهور فيها والاشراف عليها ورقابتها كلما ترتفع ثقة المواطنين بالحكومة والعكس صحيح، ويتضح من خلال مؤشر الموازنة المفتوحة إن العراق يقع في المربع الأخير من هذا المؤشر -الذي يتم توضيحه في هذا المقال- وهذا ما أفقد ثقة المواطنين بالحكومة العراقية.

معروف إن النظام الاشتركي قائم على الدولة التي تتبنى التخطيط المركزي كأداة لإدارة الاقتصاد وامتلاكها لوسائل الإنتاج من أجل إلغاء الطبقية وتحقيق العدالة الاجتماعية. وفي المقابل ان النظام الرأسمالي قائم على السوق وفقاً لمبدأ الحرية الاقتصادية -إنتاجاً واستهلاكاً تصديراً واستيراداً – والملكية الخاصة أي امتلاك وسائل الإنتاج من قبل القطاع الخاص وعدم تدخل الدولة في الاقتصاد إلا في موارد استثنائية، من اجل تحقيق الهدف الرئيس وهو الربح.

وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 انفرد النظام الرأسمالي بقيادة العالم بزعامة الولايات المتحدة الامريكية وبما إن هذه الاخيرة تتبنى اقتصاد السوق والقطاع الخاص الذي يمارس تأثيراً كبيراً على النظام السياسي، أصبحت (الولايات المتحدة) تسعى لتعميم نظامها السياسي الديمقراطي على دول العالم ونظامها الاقتصادي أيضاً دون مراعاة مسألة الانسجام والتفاعل والآثار التي تفرزها هذه الانظمة الجديدة على الدول محل التطبيق فضلاً عن كيفية معالجتها، فالمهم هو التطبيق والتعميم على كل دول العالم حتى أخذ الوقت الحاضر يعرف بـ”زمن العولمة” حتى ولو كان التطبيق شكلياً – وهذا ما حصل في العراق- بعيداً عن الاجراءات العملية التي تسهم في تلافي الآثار السلبية او على اقل تقدير التخفيف حدتها.

سوء آلية التطبيق

ومن أبرز أسباب تطبيق الديمقراطية والسوق شكلياً هو سوء آلية تطبيق تلك الأنظمة حيث اتسم التطبيق بصفتين الإندماج والمفاجئة، فمن ناحية الإندماج فقد تم تطبيق الديمقراطية والسوق بشكل مزدوج في آن واحد في حين كان المفروض أولاً هو تحقيق التحول السياسي واستقرار مؤسساته ثم تطبيق الانتقال الاقتصادي. أما بالنسبة للمفاجئة فقد تم تطبيق الديمقراطية واقتصاد السوق بشكل مفاجئ وهذا ما لا يمكن استيعابه أي لابد من استخدام التطبيق التدريجي سياسياً واقتصادياً حتى يتم تجزئة الآثار السلبية ومعالجتها وهضمها بسهولة دون التعرض للمشاكل التي ظهرت وستستمر مدة ليست بالقليلة، وللإطلاع أكثر عن هذا الموضوع يمكن مراجعة مقال منشور بعنوان” الاقتصاد العراقي.. انتقل أم في مرحلة إنتقالية”.

وما يعزز ويؤكد هذه النتيجة، عدم إنتقال العراق سياسياً واقتصادياً إلا شكلياً، هو مؤشر الموازنة المفتوحة-يتم إيضاحه لاحقاً- الذي يُعنى بمدى تمتع موازنة البلد بالشفافية وإطلاع الجمهور عليها والمشاركة فيها ومراقبة مسيرتها، لان جزء مهم من النظام الديمقراطي هو “الحق في الوصول للمعلومات” وجزء منها المعلومات المالية المتعلقة بالموازنة العامة ايراداً وانفاقاً ليكون الشعب على إطلاع بمآل امواله التي تديرها الدولة وكالةً عنه، حتى يستطيع أن يعيد ويصحح الأمور إلى نصابها عندما يرى إن مسيرة امواله قد أخذت منحى غير المنحى الذي يصبوا إليه، عبر المؤسسات المختصة مجتمعياً ورقابياً وقضائياً وإعلامياً، وبهذا تعاد الثقة بين المواطنين والحكومة.

غياب الشفافية = فقدان الثقة بالحكومة

وبالتأكيد، لايستطيع الشعب أن يقوم بتصحيح مسيرة امواله عندما تغيب أو تُغيب الادوار الحقيقية للمؤسسات المجتمعية والرقابية والقضائية والإعلامية فضلاً عن حرمانه من الوصول للمعلومات والتي من شأنها تضع النقاط على الحروف وتسمي الاشياء بمسمياتها عند الحصول عليها وتصحح المسير لاحقاً، وفي الواقع والغالب إن الحكومات وخصوصاً التي يتربع عليها الانتهازيين والدكتاتوريين، لاترغب بالكشف عن كيفية التصرف بالأموال من حيث الايرادات وأبواب صرفها في موقع معين على شبكة الأنترنيت فضلاً عن إبعاد الشعب عن المشاركة في إعدادها ومراقبتها، وهذا ما يخرم الثقة بين المواطنين والحكومة.

وبهذا الخصوص يشير مسح الموازنة المفتوحة الذي تم إصداره مؤخراً من قبل شراكة الموازنة الدولية، إن أغلب الحكومات أمامها طريق طويل تسيره للوفاء بالشفافية المالية والافصاح عن كل البيانات للجمهور. وفي واقع الأمر، توصل المسح إلى أن حوالي 70% من سكان العالم لا تتاح لهم الفرصة للوصول إلى وثائق الموازنة الرئيسية، من خطط الإنفاق إلى تقارير التنفيذ والمراجعة، والتي تتيح القدرة للمواطنين لفهم ومراقبة استخدام الحكومة للموارد العامة، وعلى هذا الاساس يمكن القول إن نسبة فقدان ثقة المواطنين بحكوماتهم تصل لـ 70% من سكان العالم.

فالعراق يقع ضمن مقدمة هذه الدول التي لاتفصح عن المعلومات المالية بالوقت المناسب وهذا ما جعل مستوى شفافية الموازنة العامة منخفض جداً، فضلاً عن عدم مشاركة شعبه في إعدادها عبر آليات معينة كجلسات الاستماع لعامة الشعب مثلاً حيث يمكن أن يدلي المواطنون بآرائهم أثناء عملية الموازنة، وهذا ما قلل من ثقة المواطنين بالحكومة وخير مثال على ذلك الاحتجاجات الشعبية التي حصلت اخيراً في الوسط والجنوب، وما يؤكد على غياب الشفافية وفقدان الثقة هو مؤشر مدركات الفساد العالمي الذي تصدره منظمة الشفافية العالمية وإحتلال العراق المرتبة 169 من أصل 180 دولة في العالم عام 2017. والحق يقال هناك نسبة معينة من الرقابة على الموازنة العامة حتى وأن لم تبلغ مستوى الطموح لكنها أفضل من الشفافية والمشاركة العامة. وقبل تناول هذه المؤشرات بشكل أدق لابد من الإشارة إلى مؤشر الموازنة المفتوحة وتصنيفاته ثم يتم تحديد قيمة العراق في هذا المؤشر وموقعه من حيث التصنيفات وترتيبه عالمياً.

مؤشر الموازنة المفتوحة

يُعد مؤشر الموازنة المفتوحة من قبل شراكة الموازنة الدولية التابعة لمركز الموازنة والسياسات في واشنطن المهتم بتعزيز شفافة الموازنة، وبالتعاون مع المجتمع المدني في الدول وذلك من اجل قياس مدى تمتع الموازنة العامة بالشفافية والمشاركة العامة والرقابة، إبتداءً من مرحلة الإعداد والتحضير ومروراً بالمصادقة والتنفيذ وانتهاءاً بالمتابعة والمراقبة والمحاسبة، وهو (مؤشر الموازنة المفتوحة) بهذا يعد المقياس المستقل الوحيد في العالم لشفافية موازنة الحكومة المركزية. يشمل هذا المؤشر أكثر من 100 بلد وتتراوح قيمته ما بين (صفر -100) وكلما تقترب النتيجة من الـ 100 تكون شفافية الموازنة أكبر والعكس صحيح كلما تكون النتيجة أقرب إلى الصفر تكون الشفافية أقل.

أما فيما يخص تصنيفاته فهناك خمسة تصنيفات لمؤشر الموازنة المفتوحة تقع ضمن خانتين الاولى شفافية الموازنة الكافية والثانية شفافية الموازنة غير الكافية، ويمكن تناولها بإيجاز كما يلي:

1- خانة شفافية الموازنة الكافية، والتي تتضمن تصنيفين لمؤشر الموازنة المفتوحة وهما:

أ‌- معلومات شاملة متوفرة: تتراوح قيمة هذا التصنيف ما بين 81-100 من مؤشر الموازنة المفتوحة.

ب‌- معلومات جوهرية متوفرة: تتراوح قيمة هذا التصنيف ما بين 61-80 من مؤشر الموازنة المفتوحة.

2- شفافية الموازنة غير الكافية، والتي تتضمن ثلاثة تصنيفات لمؤشر الموازنة المفتوحة وهي:

أ‌- معلومات محدودة متاحة: تتراوح قيمة هذا التصنيف ما بين 41-60 من مؤشر الموازنة المفتوحة.

ب‌- الحد الأدنى من المعلومات المتوفرة: تتراوح قيمة هذا التصنيف ما بين 21-40 من مؤشر الموازنة المفتوحة.

ت‌- معلومات قليلة (نادرة) او لا توجد: تتراوح قيمة هذا التصنيف ما بين 0-20 من مؤشر الموازنة المفتوحة.

العراق بمنظار مؤشر الموازنة المفتوحة عام 2017

وكما ذكرنا آنفاً، يقع العراق ضمن مقدمة الدول التي لا تفصح عن المعلومات المالية بالشكل المطلوب حتى يطّلع الشعب عليها ويتخذ الاجراءات المناسبة للتطوير أو للتصحيح، فقد كانت قيمة العراق هي (3 من 100) في مؤشر الموازنة المفتوحة في عام 2017، وبهذه القيمة يقع العراق في التصنيف الأخير من الخانة الثانية(شفافية الموازنة غير الكفاية) وهو “معلومات قليلة(نادرة)” وهذا ما يعني إن الموازنة العامة في العراق تعاني من عجز شديد في الشفافية ولايشارك الشعب فيها وتتمتع بنسبة معينة من الرقابة عليها ويمكن توضيح هذه المؤشرات ادناه:

1- مؤشر الشفافية، يستخدم مؤشر الموازنة المفتوحة 109 مؤشر لقياس شفافية الموازنة، ويتم استخدام هذه المؤشرات لتقييم ما إذا كانت الحكومة المركزية تتيح للعامة ثمانية وثائق موازنة رئيسية في الوقت المناسب-يمكن مراجعتها على الموقع الخاص بالمؤشر-وما إذا كانت البيانات التي ترد هذه الوثائق شاملة ومفيدة. ويتم إعطاء كل دولة نتيجة محددة من 100 تقرر تصنيفها في مؤشر الموازنة المفتوحة، ويحصل العراق على 3 من أصل 100 وبهذا فالعراق يوفر معلومات قليلة عن الموازنة للجمهور. وبهذه الدرجة فهو أقل إلى حد كبير من متوسط الدرجة العالمي المقدر بنحو 42 درجة.

2- مؤشر المشاركة العامة، لقياس مشاركة العامة يستخدم مسح الموازنة العامة لتقييم الدرجة التي توفر بها الحكومة الفرص للعامة للمشاركة في عمليات الموازنة ويجب توفير مثل هذه الفرص في كافة مراحل دورة الموازنة من قبل السلطة التنفيذية والهيئة التشريعية وجهاز الرقابة الاعلى. وبهذا الخصوص إن درجة العراق المقدرة بنحو ((صفر)) من أصل 100 تشير إلى انه لم يتم تقديم أي فرصة للمشاركة في عمليات الموازنة، وتعد أقل من متوسط الدرجة العالمي المقدر ب نحو12 درجة.

3- مؤشر الإشراف على الموازنة، تلعب السلطات التشريعية وأجهزة الرقابة العليا والمؤسسات المالية المستقلة دور مهماً في عملية التخطيط للموازنات والإشراف على تنفيذها.

ربما لم توفر السلطة التشريعية في العراق رقابة كافية خلال دورة الموازنة إلا أنها لم تكُن ضعيفة وكانت أفضل من نتائج المؤشرين السابقين، فكانت رقابة محدودة خلال مرحلة التخطيط للموازنة وكذلك خلال مرحلة التنفيذ.

ويشير ملخص مسح الموازنة المفتوحة 2017 للعراق، إلى إن جهاز الرقابة العليا يوفر إشرافاً كافياً على الموازنة وبالتأكيد دوره أكثر تخصصاً وفعاليةً من السلطة التشريعية ولذا فهو حقق ما نسبته 65 من أصل 100 كونه يمتلك بموجب القانون سلطة تقديرية كاملة لإجراءات عمليات المراجعة حسبما يراه مناسباً. علاوةً على ذلك، يتم تعيين رئيس الجهاز من قبل السلطة التشريعية أو القضائية ولا يمكن إقالته بدون موافقة السلطة التشريعية أو القضائية، مما يدعم إستقلاله. وفي النهاية تم تزويد جهاز الرقابة الأعلى بموارد كافية للوفاء بمسؤولياته، وتتم مراجعة عمليات المراجعة الخاصة به من قبل وكالة مستقلة.

وتجدر الإشارة إلى ما أوضحه الملخص أيضاً، إن العراق ليس لديه مؤسسة مالية مستقلة. وبالرغم من إن هذه المؤسسات لم تنتشر عالمياً إلا إنها معروفة كمصدر هام للمعلومات المستقلة غير الحزبية، وتشتمل الأمثلة الشائعة على المؤسسات المالية المستقلة على مكاتب الموازنة البرلمانية والمجالس النيابية، واحد اسباب إيجاد هذه المؤسسات هو الحاجة الى إستعادة المصداقية في الامور المالية الخاصة بالحكومة وتحسين ثقة المواطن في الارقام الصادرة عن الحكومة. وكذلك، تعد المؤسسات المالية المستقلة أداة اخرى يمكنها المساعدة في تأسيس الجسور بين المواطنين والدولة.

الاجراءات المقترحة

ومن أجل تعزيز شفافية الموازنة في العراق والعمل على مشاركة العامة فيها وتحسين الرقابة عليها والإنتقال بها من المربع الأخير إلى المربع الأول في مؤشر الموازنة المفتوحة، حتى تتم إستعادة الثقة المفقودة بين الحكومة والمواطنين، لابد من الاستعانة بالإجراءات المقترحة التي اوصى بها ملخص شراكة الموازنة الدولية المتمثلة بالآتي:

أولاً: نشر بيان الموازنة التمهيدية، ومقترح الموازنة للسلطة التنفيذية وتقرير المراجعة عبر الانترنيت.

ثانياً: إنتاج ونشر موازنة المواطنين ومراجعة منتصف العام ومراجعة نهاية العام.

ثالثاً: خلق آليات للأفراد من العامة وموظفي السلطة التنفيذية لتبادل الآراء حول امور الموازنة القومية خلال كل من تكوين الموازنة القومية ومراقبة تنفيذها.

رابعاً: عقد جلسات استماع خاصة بالسلطة التشريعية عن تكوين الموازنة السنوية، يمكن للأفراد من العامة أو منظمات المجتمع المدني الإدلاء بقولهم.

خامساً: وضع آليات رسمية للجمهور لمساعدة جهاز الرقابة الأعلى على تكوين برنامج المراجعة الخاص به وللمشاركة في تحقيق المراجعات ذات الصلة.

سادساً: التأكد إن اللجان التشريعية تقوم بفحص ونشر التقارير الخاصة بهم عن تحليل مقترح الموازنة الخاص بالسلطة التنفيذية عبر الانترنيت.

سابعاً: ضمان ان السلطة التشريعية تقوم بفحص ونشر التقارير الدورية عن تقرير المراجعة عبر الانترنيت.

ثامناً: التفكير في إعداد جهاز مالي مستقل من أجل رقابة أكثر صرامة على الموازنة.

 

اترك تعليقاً