العراق الاول في عدد المصارف بالمنطقة .. والشبهات تحوم حول ملف يمنع فتحه

المستقلة..أظهرت دراسة مقارنة بشأن قطاع المصارف الحكومية والأهلية في منطقة الشرق الأوسط ، ان العراق يحتل المركز الأول في عدد المصارف على مستوى العالم ، ولاسيما الاهلية منها وتلك التي تحمل صفة مصارف إسلامية.

وبينت الدراسة التي أعدتها “وكالة الصحافة المستقلة” أن عدد المصارف في العراق بلغ ( 81  ) مصرفا منها ( 8  ) حكوميا، و(  24  ) تجاريا ، و (  29  ) إسلاميا، إضافة الى (  21  ) فرع لمصرف اجنبي.

وتعد هذه النسبة هي الأعلى على مستوى العالم مقارنة بعدد من دول المنطقة حيث بلغ عدد المصارف في تركيا (43)، ومصر (41)، والسعودية (31)، وايران (30)، والأردن (26)، والجزائر (20).. فيما بلغ عدد المصارف المسجلة في دولة عظمى مثل بريطانيا (54) مصرفا فقط.

وهنا يمكن أن يطرح سؤال مهم بشأن رأسمال المصارف العراقية التي من المفترض ان اداءها يوازى حجم نشاطها التجاري الذي يجب انها تقوم به، ولاسيما بشأن دعم المشاريع الاستثمارية المختلفة.

وتظهر الدراسة ان عدد المصارف الحكومية 8 ورأسمال مالها المسجل بلغ  3,401,600,000,000 ترليون دينار عراقي .

فيما بلغ عدد المصارف الإسلامية 29 برأس مال قدره   7,497,677,600,000 ترليون دينار عراقي .

اما عدد المصارف التجارية فقد بلغ 24 برأس مال  5,388,872,000,000 ترليون دينار عراقي .

ووصل عدد فروع المصارف الاجنية العاملة في العراق  الى 21 فرعا برأس مال ,749,281,129 مليار دينار عراقي .

اما مجموع رأس مال جميع المصارف العاملة في العراق فقد بلغت  17,182,455,590,080 ترليون دينار عراقي .

وإزاء هذه الأرقام الكبيرة يمكننا أن نعيد التساؤل الذي يفرض نفسه، ما الذي حققه قطاع المصارف العراقية إزاء الوضع الاقتصادي المتردي في العراق؟ وما الدور الذي تمارسه ضمن سياسة البنك المركزي العراقي، الذي لازال مستمرا بمنح الاجازات لفتح المزيد من المصارف.

صاحب شركة تحويل مالي مقرها في الاردن ، ذكر لـ(المستقلة) انه تقدم بطلب لتأسيس مصرف اسلامي قبل اكثر من اربع سنوات ، لكنه فوجىء بحجم المعرقلات الادارية ، فيما تبين بعد فترة مطالبته بدفع مبلغ  قدره 35 مليون دولار مقابل منحه اجازة التأسيس .

وتشير البيانات الرسمية الى أن اغلب هذه المصارف أن لم تكن جميعها تشترك في مزاد العملة الذي يقيمه البنك المركزي العراق، وبالتالي فأن الأساس الذي تقوم عليه أرباح هذه المصارف هو ما تجنيه من العملة الصعبة التي يوزعها البنك المركزي بطريقة غريبة ووفق شهادات تصدير الكثير منها اصبح محط سخرية الرأي العام عندما كشفت عنها وسائل الاعلام.

كما تشير البيانات الى أن مقدار الفائدة التي تفرضها المصارف على القروض الممنوحة للمواطنين هي الأعلى في المنطقة اذ تبلغ 6% وبفائدة متراكمة ما يعني ان المواطن يدفع فائدة إضافية تصل الى نصف مقدار المبلغ المقترض، فيما تدفع نسبة اقل تصل الى 2-3% للمبالغ المودعة.

وتشير المعلومات أن عملية فتح الحساب في أي مصرف هي من العمليات البيروقراطية الشاقة على المواطن، والتي تمارس بذريعة مواجهة غسيل الأموال والتأكد من مصادر الأموال المودعة، فيما وضع الاتحاد الأوربي العراق ضمن الدول عالية المخاطر بشأن غسيل الاموال وتمويل الإرهاب.

ويبدو ان سياسات البنك المركزي تتجه الى دعم تلك المصارف على حساب المواطن الذي لم يعد يثق بطبيعة عمل هذه المصارف، ما دفعها بالتالي الى إيجاد منافذ لتحقيق أرباح إضافية، منها تسكين رواتب الموظفين والمتقاعدين في هذه المصارف بطرق يصفها البعض اشبه بالإجبارية.

الامر الذي دفع مصرف يعد الأكبر في العراق وهو مصرف الرافدين الى دعوة المواطنين لايداع أموالهم في فروع المصرف مقابل عمولة(لم يحددها في بيانه بتاريخ 25 تموز 2020) مبينا أن “الكثير من المواطنين مايزالوا يكتنزون أموالهم في المنازل ومن دون جدوى وعليهم الاستفادة من تحريك هذه الأموال في القطاع المصرفي واستقطابها “.

فيما أشار الصحفي العراقي المعروف زيد الحلي في مقال له الى الطريقة التي تتبعها تلك المصارف للحط من قيمة الأسهم التي يقتنيها المواطنون عبر سوق الأوراق المالية وادعائها الخسارة فيما تبلغ أرباحها من مزاد العملة فقط اكثر من 6 مليار دينار في العام الواحد متسائلا عن طبيعة عمل هذه المصارف وهل هناك تدقيق حقيقي في حساباتها وبيان أرباحها.

واذا ما اردنا تحليل بيانات هذه المصارف سنجد أن اغلبها تدعم تمويل مشاريع تعود أساسا الى مؤسسي هذه المصارف او مموليها، ما يعني أن الاستثمار الذي تقوم عليه هذه المصارف يعتمد على حصول مؤسسيها او المساهمين فيها على قروض يمنحونها لانفسهم لغرض إقامة مشاريع تعود اليهم.

وتقول عضو اللجنة الاقتصادية والاستثمار البرلمانية ندى شاكر جودت في  تصريح صحفي بتاريخ 2019-04-21 ان “بعض المصارف الاهلية تحولت الى مكان ابتزاز واستنزاف للعملة الصعبة في مزاد العملة”، مستغربة من “عدم وجود سياسات حقيقية لعمل تلك المصارف بما يحقق الفائدة القصوى من العمل المصرفي في البناء والاستثمار والاعمار وكما معمول به في اغلب دول العالم”.

وتضيف جودت ان “اغلب دول العالم تكون فيها المصارف الاهلية دعامة اساسية في مجالات الاعمار والاستثمار في عدة قطاعات لكن في العراق نجد المصارف بعيدة كل البعد عن هذه الاولويات ولا نجد لها اي استفادة في مجال الاعمار في سياسة غريبة لانجد لها اي تفسير من قبل الجهات المكلفة بمتابعة عمل تلك المصارف”.

وما يمكن مراجعته هنا تلك السياسة الفاشلة للبنك المركزي العراقي تجاه دعم المصارف عبر مزاد العملة الصعبة على حساب الوضع الاقتصادي في البلد، وبالتالي فان الخزينة العامة هي من تتحمل فارق السعر الذي يذهب لصالح أصحاب المصارف الخاصة.

وتشير الباحثة شذى خليل  من وحدة الدراسات الاقتصادية في مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية الى أن مراقبين ومسؤولين عراقيين يقدرون قيمة ما تم بيعه من الدولار في مزاد العملة خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية بأكثر من 300 مليار دولار، خرجت أغلبها من العراق إلى دول أخرى دون أن تحقق منفعة للدينار العراقي وقيمته التي ما زالت تحت الحد المنطقي لخامس أكبر منتج نفطي في العالم؟ “وهكذا أصبح مزاد العملة النافذة الرسمية لإهدار العملة الأجنبية في البلد وللفساد المتعدد الاشكال”.

وتؤكد خليل في دراستها أن “الفساد الكبير للجهات المتنفذة والمسيطرة على بعض المصارف (حيتان الفساد) لا تجعل الغرض الحقيقي لمزاد العملة يحقق استقرار أسعار الصرف ويخدم التنمية، بل يخدم هذا لتمويل فسادهم واهدار العملة وتدمير الاقتصاد العراقي”.

فيما يشير تقرير نشرته الاندبندت عربية على موقعها الالكتروني الى أن مراقبين كثر، يتهمون البنك المركزي بإدارة “عملية توازن للفساد” بين الولايات المتحدة وحلفاء إيران في العراق. منوها الى ما أوردته “نيويورك تايمز” في تقرير لها ، عن احتمالية “تواطؤ أميركي” في تسهيل عمل البنك المركزي، لم يكن حديثاً يُسمع للمرة الأولى في العراق.

ويذكر تقرير الصحيفة الأميركية إن “وزارة الخزانة الأميركية غالباً ما تغض الطرف عن عمليات غسيل أموال تجري في العراق”.

وينقل تقرير الاندبندنت عن الخبيرة الاقتصادية سلام سميسم قولها “ضوابط نافذة العملة لا تتوفر فيها درجات الشفافية اللازمة لمتابعة حاجة البلد الفعلية للاستيراد، وهذا يثير تساؤلات كبيرة عن مصداقية فتح الاعتمادات المتعلقة بالاستيرادات من خلال وزارة التجارة، ولماذا لا تقوم الجهات الرقابية بتتبع تلك العمليات”، “لا نعرف بالضبط ما هو دور دائرة غسيل الأموال في البنك المركزي في متابعة تلك القضايا”.

وتشير سميسم إلى أن أحد أسباب الإشكالية يتلخص بأنه “لا يمكن استثناء القيادات المصرفية داخل البنك المركزي وغيرها من اعتبارات المحاصصة”.

ان ملف المصارف في العراق يبدو من الملفات الشائكة التي تحوم حولها الكثير من الشبهات، ولكن تبقى بعيدا عن وسائل الاعلام والجهات الرقابية لتداخلها مع الجهات السياسية والنافذة في البلد، وبالتالي فأن هذا الملف يعد من الملفات التي يحرم الوصول اليها حتى من باب الشفافية المطلوبة.

وتبقى الإجابات في ادراج البنك المركزي العراقي.

للأطلاع على ملف دراسة مقارنة حول عدد المصارف في العراق وبعض الدول من هنا 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.