الرئيسية / مقالات مختارة / العالم الافتراضي وانتاج الصورة الذهنية

العالم الافتراضي وانتاج الصورة الذهنية

 نزار السامرائي

قرأت مرة ان المرء يدخل الى السينما وهو مستعد لان يضع نفسه مكان بطل الفيلم .وهذا يعني ان المثل الذي يؤدي دور البطولة هو في محل تعويض عن المشاهد في الحياة ، وهنا يدخل المشاهد خلال زمن العرض في عالم افتراضي يضع فيه نفسه مكان البطل فيشعر انه يمارس الافعال التي يمارسها بطل والتي هي غالبا ما يعجز المرء عن فعله في الحياة الواقعية من اعمال بطولة او علاقات اجتماعية او حياة في منتهى البذخ . ربما لذلك نجد ان الفئات الفقيرة والمتوسطة هم غالبية من يتابعون الاعمال السينمائية باستمرار وشغف.

فالنساء الجميلات ، والرجال الذين يتمتعون بجاذبية كبيرة ، والعلاقات الرومانسية ، والمناطق الجميلة ،وعالم الاثرياء كلها تشكل عوالم بعيدة عن متناول الاغلبية العظمى من المجتمع لذلك فأن العالم الافتراضي الذي توفره الافلام السينمائية، والمسلسلات التلفازية يشكل بديلا تعويضيا يلعب التخيل فيه دورا كي يشعر المرء انه يعيش تلك الحياة وان لدقائق محدودة.

ولعل منتجو الاعلانات التجارية انتبهوا لهذه الامور منذ وقت مبكرا فراحوا يلعبون على وتر الخيال والشعور الافتراضي الذي تولده مشهد معينة ترسخ صور ذهنية بعينها في خيال المتلقي الذي يعمل على استحضارها عند الحاجة ، وربما ستدفعه لشراء المنتج لمجرد افتراضه انه يمكن ان يكون لديه شعورا ما .

على سبيل المثال رواية كازونوفا العاشق الفينسي العالمي الذي اصبح رمزا للجاذبية والحب .ان الرواية كانت تتحدث عن شخص يفترض انه وجد في البندقية الايطالية في زمن ما ، رجل يتمتع بجاذبية خاصة تجعل النساء يتهافتن على اقامة علاقات غرامية ، فدخل تاريخ العشق العالمي باعتباره أحد أكثر العشاق شهرة ، وأكثرهم استحواذا على قلوب النساء في زمانه حتى أضحى اسمه مرادفا لكل من يمتلك فنون اقتناص ود الجنس الآخر والاستحواذ على عواطفهن …هذا الامر دفع بصانعي العطور الى اطلاق تسمية كازونوفا على احد مستحضراتهم ،العطر طبعا مخصص للرجال ويمكننا تصور ما يمكن ان تثيره التسمية من خيال في اذهان الرجال ،واذا ما ارتبطت باعلان مصور كما نشاهده يوميا عبر الفضائيات من اعلانات فانها ستثير صورة ذهنية تتعلق بمدى جاذبية هذا العطر للنساء .وبذا فان التسمية سترتبط بالتخيل الذي يجعل الشخص يعيش عالما افتراضيا وان كان محصورا في ذهنه وحده . فهو لا يصرح به لكنه يتفاعل معه بشكل لا شعوري فالصور الذهنية لا تعبر عن نفسها بصراحة بل تظهر في ثنايا التصرف وتكوين الأفكار.

هذا الامر استغله ايضا منتجو الدعاية السياسية الذين يحاولون في مدة زمنية ترسيخ صور ذهنية معينة في اذهان الجمهور عبر بث ونشر مواضيع وصور وتأويلات تصب كلها باتجاه واحد وبأشكال مختلفة فيحاصرون ذهن المتلقي بالافكار التي تؤدي الى تكوين صورة ذهنية معينة يعملون على اسنرجاعها متى ما حان الوقت الذي يحتاجون فيها ان يعيد المتلقي ما ترسخ في ذهنه من أفكار على اساس انها نتاج تفكيره هو في الوقت الذي هي اعادة لانتاج الامور التي رسختها الدعاية السياسية في ذهنه.

وهنا يكون خلق المجتمع الافتراضي يحمل ابعادا سياسية وفكرية تمكن من التلاعب بالجمهور واستخدامه كاداة لتحقيق غايات مجهولة عنه ، يتصور انها ما يريده وبالحقيقة هي ما يهدف آخرون اليه.وهذا ايضا ما تسعى اليه البعض من الاساطير ،فغاية البعض من الاساطير هي ترسيخ مفاهيم الهيمنة للطبقات الحاكمة والكهنة وسيطرة رجال الدين والمعابد على المجتمع ، بإبراز ما يمكن ان يتعرض اليه الساعين الى التمرد على سيطرة الحاكم او المعبد . ويمكن تلمس هذا في العديد من الاساطير الرافدينية والفرعونية واليونانية والهندية وغيرها..فالخروج على الحاكم او الكهنة هو خروج عن رغبة الالهة لذلك فان العالم الافتراضي الذي يرسخه الكهنة في اذهان المجتمع يكون هو المسير والقائد له بواسطة سلطة القصر او المعبد.

وهنا تتوافق البنية الاساس للاعلان التجاري والدعاية السياسية والاساطير في محاولة ترسيخ مفهوم افتراضي ، او شكل افتراضي في ذهنية المتلقي (الفرد ،او المجتمع) من اجل تحقيق غايات كامنة يسعى اليها آخرون.

اترك تعليقاً