الرئيسية / مقالات مختارة / الظاهرة الدينية والتوظيف السياسي : العراق إنموذجا

الظاهرة الدينية والتوظيف السياسي : العراق إنموذجا


باسل حسين

ليس من قبيل المبالغة القول إن تناول الظاهرة الدينية مسالة في غاية الصعوبة والتعقيد، لاسيما إذا ما تم ربطها بالظاهرة السياسية، إذ يتطلب ذلك من الباحث التصدي لثنائية المقدس والمدنس، وهذا يعني من بين ما يعنيه إلى أي حد يمكن لباحث ما وهو يدرس الظاهرة الدينية أن يقترب من المقدس الديني المدرك لدى المتلقي الذي قد يكون فردا أو مجموعة، دون أن يثير إشكالية لديه أو تهمة تدنيس الثوابت والمسلمات والمقدسات؛ أو الانتقاص منها.

وبقدر تعلق الأمر بالعراق، فان دور المؤسسة الدينية بشقيها الشيعي والسني  السياسي قد شهد صعودا متناميا بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 وان كان لدى  الشيعة اكثر وضوحا وتأثيرا، إذ مع غياب أي مظهر من مظاهر الدولة في الأيام الأولى التي أعقبت الاحتلال، وفي ظل عدم وجود أي تنظيمات سياسية حقيقية وفاعلة على الأرض، أو مؤسسات مجتمع مدني حيوية ولها قدرة على التأثير لدى الجمهور، تحولت الجوامع والمساجد والحسينيات والمراكز الدينية ودواوين العشائر إلى مراكز سياسية وإدارية استطاعت أن تستوعب الجمهور وان تعمل على استقطابهم، وأصبح المشايخ في الجوامع ووكلاء المراجع الدينية في المدن العراقية؛ بمثابة المؤسسات الحكومية التي تدير شؤون الناس الدينية والاجتماعية والسياسية والقضائية.

ولقد تجسدت التوجهات الدينية بقوة أكثر من خلال الأحزاب والمرجعيات الشيعية التي لعبت الدور الأكبر في تأسيس العملية السياسية، أما في الجانب السني فقد تمثلت بالحزب الإسلامي العراقي والذي اتخذ منذ البدء خطا مغايرا لكثير من توجهات القوى السنية الأخرى التي رفضت الانخراط في العملية السياسية.

ومع ظروف عدم الاكتراث بالعملية السياسية في بدايتها الأولى؛ تحولت الفتاوى الدينية إلى ما يشبه الأوامر الإدارية والقرارات في بعض مؤسسات الدولة الرسمية، وكان انتشار صور رجال الدين والمراجع الدينية في الشوارع والساحات العامة والعبارات الدينية تجسيدا واضحا لتنامي دور الدين في الحياة السياسية العراقية، بل وتقلـّد رجال دين وأئمة مساجد مناصب مهمة في الدولة العراقية، فضلا عن الصبغة الدينية التي كان المسؤولون العراقيون يحرصون كل الحرص على إظهارها والتفاخر بها والتمجيد بها.

لكن احتلال رجل الدين للوظيفية السياسية له مخاطر جمة، لعل من أهمها، أن البيئة السياسية توصف عادة أنها بيئة غير أخلاقية لما فيها من صفقات وخداع وتدليس وكذب ونفاق وتورية، بينما رجل الدين أتى أو هكذا يفترض انه قد جاء من بيئة أخلاقية مغايرة تماما للبيئة السياسية، وبالتالي فان رجل الدين اذا ما أراد الانغماس في العملية السياسية عليه الاختيار بين امرين أحلاهما مر، أما نزع الثوب الديني والانخراط في البيئة السياسية بقضها وقضيضها حينها يتحول إلى اشد خطورة  من الشخص العادي لأنه سوف يلجأ إلى تركيع أو إخضاع النص الديني للهوى السياسي، وكثيرا ما رأينا كيف تم تطويع النصوص الدينية لتحقيق مآرب سياسية استقرت في نهاية المطاف إلى مفاسد عدة بعيدة كل البعد عن الضمير الديني أو المصلحة الدينية أو الوطنية.

أما البديل الثاني فهو التعامل مع البيئة السياسية وفق المنظار الديني الذي جاء منه رجل الدين وهذا أيضا له مثالبه لان التعامل مع البيئة السياسية وفق المنظار المثالي سيؤدي إلى تضارب عميق بين الرغبة الصادقة والواقع السياسي المرير والمعقد والمركب، وبالتالي فان الأدوات التي سوف يلجأ إليها رجل الدين وفق منظاره الديني سوف لا تحقق الغاية المرجوة لأنها سوف لن تجد لها مساحة حقيقية داخل العمل السياسي.

المسألة الأخرى التي تتقاطع مع احتلال رجل الدين للوظيفة السياسية تتعلق بزيادة تركيب البيئة السياسية الداخلية والإقليمية والدولية، فالدراسات الحديثة في إدارة الدولة تنصح باستبدال رجل السياسية العادي برجال محترفين مهنيين (التكنوقراط) لهم القدرة الفائقة على التكيف مع التطورات الهائلة بالقضايا العالمية كالأوبئة والتسلح النووي والفضاء والتكنولوجيا الحيوية وغيرها من القضايا المعقدة، فإذا كان هذا الحال مع رجل السياسية العادي فما هو موقع رجل الدين الذي هو في الغالب حبيس النص الديني ولا يمتلك هذه الرؤية أو المعرفة بالتفاعلات المركبة لهذه البيئة الدولية.

يضاف إلى ذلك كله، أن المجتمع العراقي مجتمع غير متجانس مذهبيا، لذا فان أي حزب ديني سيكون بالضرورة حزبا طائفيا، وهذا ما حدث فعلا، فالأحزاب الدينية قسمت المجتمع العراقي عموديا لان الانتماء لهذه الأحزاب هو انتماء يقتصر على مذهب دون آخر، ومن هنا فكل الأحزاب الدينية في العراق هي أحزاب طائفية. وبالتالي فان هذه الأحزاب عمقت الانقسام المجتمعي والسياسي وتحولت هذه الأحزاب من أحزاب يمكن أن تقود عملية تنموية سياسية إلى أحزاب معيقة للديمقراطية وقادت البلاد إلى أتون الحرب الأهلية، فضلا عن الفشل الذريع في تقديم أنموذج حداثي للدولة العصرية، بحيث تحولت الدولة العراقية إلى دولة على حافة الهاوية، تتغول فيها مؤسسة الفساد، والديمقراطية فيها تحولت إلى شكل دون مضمون، ولا يوجد الرضا النسبي للجمهور للحكم، ونقمة هذا الجمهور تتزايد يوما بعد يوم احتجاجا على السلوك الإداري والسياسي والمالي للطبقة السياسية.

صفوة القول، إن احتلال رجل الدين للوظيفة السياسية في العراق قاد إلى تراجع هيبة رجل الدين ومكانته الاعتبارية وأضعف من جهة أخرى نفوذ المؤسسة الدينية الحقيقي داخل المجتمع العراقي، كما أسهم بدرجة كبيرة في إعاقة بناء نموذج حداثي للدولة العراقية وعلى أداء السلطات على مختلف الصعد وهو ما يدعونا إلى مراجعة هذا الدور وفق رؤية نقدية يتم فيها فصل الدين عن السياسية لا الدين عن الدولة.

اترك تعليقاً