الرئيسية / مقالات مختارة / الشاب الملتزم بين الاجتهاد الديني ومتطلبات الحداثة /الحلقة الاولى… مشاكل وتحديات

الشاب الملتزم بين الاجتهاد الديني ومتطلبات الحداثة /الحلقة الاولى… مشاكل وتحديات

جاسم محمد جعفر

وزير الشباب والرياضة

لا استثمار في الحياة اغلى من استثمار الانسان ، ولا فائدة لاستثمار الانسان دون استثمار الشباب ، فالشباب  – الثروة البشرية – أعم نفعاً وأكثر فائدة من جميع الثروات المادية الاخرى اذا ما ارتقى اعدادها وأحسن أستغلالها واذا ما تم توظيفها في بناء الانسان وعلى هذا تهتم الحكومات المتطورة بشبابها وتتابع نموهم وتصرف مبالغ طائلة لتطويرهم وانماء وعيهم وتضع سياسات طويلة المدى وتخطط لدفعهم الى زمام المبادرة وتحريك عجلة النمو في التنمية المستدامة وهي ترصد من خلال مؤسسات رصدية متطورة ومعتبرة عن معاناتهم ومشاكلهم وتضع حلولا سريعة وانية لسلامة سيرهم ، فالشباب محور التغيير واساس البناء في المجتمعات الواعية والشعوب المتطورة ، إذ أن بناءهم بشكل سليم سينعكس ايجابا في استقرار تلك المجتمعات والبلدان ويؤدي الى تطوير الانتاج وزيادته وتنويعه .

 كل الدراسات والتحقيقات المتخصصة ترصد الحركة الشبابية العالمية  وتقر بان شباب العالم يعاني من مشاكل عصرية كثيرة وان كل الحلول المطروحة غير قادرة على حل هذه المعضلات ، وزارة الشباب الجهة القطاعية المسئولة عن شباب العراق تعلم جيدا بان مشاكل الشباب في العالم العربي من إحدى القضايا الهامة والأساسية باعتبار الشباب يشكلون الطاقة البشرية والحيوية القادرة على القيام بالعمليات النهضوية والتنموية بالإنطلاق من التعليم والتربية والثقافة والإعلام والقيم الدينية ، وهذا ما يفرض على المؤسسات التخصصية  وبشكل مستمر دراسة أوضاعهم والوقوف عند همومهم وطموحاتهم باعتبارهم الرصيد الاستراتيجي للبلدان.

إن مشكلة الشباب تنبع بالأساس من خلل في سياسات التنمية والتشغيل والتربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية والسياسية والإعلام ، الأمر الذي يفرض ضرورة مشاركة عدد كبير من العلماء والباحثين والكتاب والمفكرين في وضع استراتيجية مستقبلية تتبنى النهوض  بالشباب وتساعدهم على تجاوز الصعوبات والمعوقات، فشباب العراق اليوم ليسوا شبابه بالامس وهم يمتلكون كل مؤهلات التطوير والانطلاق ، وان التعامل معهم يجب ان يكون بشكل يتناسب طرديا مع مستلزمات المرحلة الجديدة ومتطلباتها وهم يعانون من مشاكل عصرية كبيرة يصعب عليهم انتخاب احسن السبل لحل  مشاكلهم ومعاناتهم …

إن التحديات المعاصرة وسرعة التطور الحاصل في كل جنبات الحياة يعقّد على الشباب تحديد الاهداف للانطلاق … فتارة يقعون تحت تاثير ضغوطات العولمة فينجرون دون وعي وادراك وراء افكار وتوجهات قد تكون خارج الاطر المسموحة لمجتمعات تحكمها قيم عليا وتارة يتخذ البعض الانعزال وعدم الالتقاء مع الاخرين خوفا من الانجرار معهم وحفاظاً على بعض التقاليد والاسس الدينية , واخرى يتلقون افكارا مغالية باسم الدين وينفجرون غضبا على مجتمعاتهم ويتحولون الى احزمة ناسفة وسيارات مفخخة . بين هذه الافكار والسلوكيات مساحة كمساحة الكون فنحن في عصر الانترنيت والفضائيات والافكار الاباحية لا يمكن ان نغلق على شبابنا شاشات العرض المنتشرة في الساحات والشوارع ونطلب منه الحفاظ على كل المقدسات دون ان نحدد له افاق التعامل مع العولمة الحاصلة .

 العولمة اليوم مشروع متبنى من قبل المؤسسات الدولية المهيمنة قد سيطرت اجندتها على الشعوب وخاصة الشباب منهم وفرضت نمطا ثقافيا واحدا وهيمنت على الثقافات وازاحت اخرى ونشرت اساليب تفكير وانماط سلوك واوجد امة من الشباب يدافعون عن العولمة وسطوتها هذا من جهة ، ومن جهة اخرى البنية الفسلجية للشاب كونه مصدرا من مصادر التجديد والتغيير يميل الى القيم الجديدة ويرفض كل ماهو سائد وقديم ، من هذا وذاك تراجع قيم الانتماء والولاء ،  مما ادى الى تفريغ مفهوم الهوية الوطنية  من أركانه الرئيسية كالدين،واللغة، والقيم، والتراث، والتاريخ، واصاب المجتمع بالفتور وتلاشت أواصر المحبة والتماسك الاجتماعي ، وضعف القيم الحافزة على النهوض الثقافي والاجتماعي . وعلى هذا يعاني معظم الشباب اليوم بشكل واضح من ضعف الانتماء الديني والوطني وهو من اخطر المشاكل في العالم الاسلامي في الوقت الحاضر ، ونتائجه وما نلمس به إن بعض شبابنا يصطفون بطوابير طويلة امام السفارات الاوربية والامريكية للحصول على اللجوء! والاغرب من ذلك الانهيار الاخلاقى الذي يحيط بالشباب !  والتلوُّث الروحى المترتِّب على الغزو الثقافى الغربي المستمر. لقد أصبح الشباب المسلم فى عصرنا هذا يجثو على ركبتيه فى صبابة ولوعة أمام صـورة للفنانة بريتني سبيرس **، او للممثل كريستيان فولر والممثل التركي مهند ونور، فتجده مُلمَّا بكل ماهو متعلِّق بهذه الفنانة أو ذلك الممثل أما اذا جئنا به وأجلسناه في مجلس الدين والعقيدة وسألناه متى ولد الحبيب المصطفى (ص) ؟ يرد عليك دون خجل: لا أدرى.أليس هذا هو حال السواد الأعظم من شبابنا المسلم؟ لسنا متشددين بل نحترم معتقدات الآخرين ولكننا نرفض هذه الاساليب الخبيثة فى سلب فكر شبابنا المسلم من كينونته الإسلامية بكل قيمه وإرثه الحضارى الإنسانى وإلباسه فكر الاستغراب فى المجتمع الغربي ، فالشهيد محمد باقر الصدر قبل اكثر من سبعين عاما نبه بخطورة ضعف الانتماء ووضع لحله اسسا واهدافا لتقويته ومسكه على الارض وافاق السماء في الوطن الواحد .

إن واقع الشباب في العالم العربي بشكل عام وشباب العراق بشكل خاص يعاني من جملة أزمات وهموم ومشكلات واهتزاز في المبادئ والقيم نبرز من أهمها مايلي :

أ ـ مشروع العولمة وتاثيره السلبي على الشباب ودور الدول المؤثرة والاحزاب لتبني مشروع العولمة بشكل انتقائي ودور متطلبات العولمة عبر الفضائيات والانترنيت والدراما الذي ادى الى تغير ثقافي وحضاري واضح باتجاه اخر غير الاتجاه السائد ادى الى سلب ارادة الشباب وتمكن من جذب واستقطاب مواهب وقدرات الشباب وتسخيرها ضمن مشروع العولمة .

ب ـ غياب المشروع الديني الواعي والمجدد والاكتفاء بالاساليب الدعوية السائدة امام الاساليب العصرية للعولمة في الجذب والتاثير، وظهور التشدد الديني واتخاذ العنف والشدة في الدعوة وطرح اساليب بدائية في التعامل مع المرأة والشباب ، من هذا وذاك اوجد عند بعض الشباب تباعدا ونفرة من الدين ، بل تمكنت العولمة من تشويه الدين والدعاة العاملين الاسلاميين وطرح التخلف الديني امام عصرنة العولمة.

ج ـ غياب الخطط الثقافية والتربوية والاجتماعية من قبل المؤسسات الحكومية والاهلية وتعاملها كجزء من العولمة في التاثير على الواقع التربوي وذلك باعتمادها ماهو سائد في الدول المتطورة والمؤثرة في العالم أثر بصورة سلبية وخطية على ثقافة الشباب وتطلعاتهم دون تبني اي صمام امان للدفاع عن أرضيات صلبة لمواجهة الغزو الثقافي المستورد مما ادى الى تسرب الأفكار والثقافات الغربية ببطء إلى نفوس الشباب وعقولها فجعلها فريسة للأوهام والاغتراب.

د ـ الاسباب اعلاه اوجدت ضعفا واضحا في الوازع الديني والوطني والقيمي عند الشباب وان نسبة كبيرة من الشباب لايعون ألفباء الاسلام واللغة العربية، وان غياب الدعاة الصادقين والاسوة الحسنة في وسط الشباب قد افقد المقياس الديني عند الكثير من الشباب من العوائل المتدينة والاصيلة .

ه ـ تبني الوصاية والولاية ( على شكل نصح وارشاد ) من قبل ولاة الامور والاباء على الابناء في التربية ، والأخطر من ذلك أن غالبية الآباء أضحى جل همهم توفير متطلبات العيش والتعليم والصحة لأبنائهم ايمانا وتصورا منهم أن هذا هو كل مايريده الشباب مع عدم فسح المجال ومنح الفرص لإثبات وجودهم وتحقيق مستجدات نظرياتهم وأفكارهم التي هي في الغالب أكثر مواءمة وملاءمة لمتغيرات العصر ، اوجد ردة فعل عكسية وأوجد خللا في تنظيم العوائل والاسر المتراصة بل دفعهم الى تبنى افكار وتوجهات عكس السير تماما مما ادى الى ترك القديم بكل ارثه وحضارته وتبني الجديد  بكل تحدياته وخطورته.

و ـ بالمقابل يعاني البعض من الشباب من اعتماد كلي للاخرين في حركاته وسكناته واسلوب

 حياته وبناء مستقبله وهم يحتاجون إلى تلقي الرعاية دائماً من الوالدين والتعلق بهما والالتصاق بالآخرين والخوف الشديد من الانفصال وصعوبة في اتخاذ القرارات، هذا ما اوجد امة غير واعية من الشباب الكسول وغير المنتج وهو عالة على نفسه ومجتمعه ووطنه، وان هؤلاء اللقمة السائغة في خطط العولمة وتغير اتجاهات الثقافة.

ح ـ ضعف العلاقات الاسرية اثر بشكل سلبي لبنى الشباب النفسية والعقلية وتوجيهاتهم الثقافية والاخلاقية والاجتماعية .

ط ـ الزيادة في خريجي المؤسسات العلمية والضعف في المخرجات التعليمية وخطط التنمية انتجت امة من البطالة يشكلون مزيداً من العبء على المجتمع بكامله، وبدلاً من أن يقود الوطن إلى الأمام فإنهم سيكونون قوة كابحة لتقدمه وتطوره لذلك لابد من إعادة ترتيب الأولويات في الإنفاق ووضع العملية التعليمية في المراتب الأولى حتى يصبح للتعليم دلالته القيمية ومخرجاته الواقعية .

ي ـ يعتبر مفهوم البطالة من المفاهيم التي أخذت أهمية كبرى في المجتمعات المعاصرة من البحث والتحليل ، لذا استحوذ موضوع البطالة بشكل رئيسي على عناية اصحاب القرار . فالبطالة آفة مدمرة للمعنويات وقاتلة للابداع عند الشباب وعلى المؤسسات المعنية إيجاد حل عملي للقضاء على البطالة وتنظيم آلية لتكون المخرجات من المؤسسات التعليمية مساوية للمدخلاتها وذلك حفاظا على السوق واحتياجاتها من الخريجين  .

ك ـ وكل ما ذكر من مشاكل وعقبات خارجة عن إرادة الشاب، فان الشباب انفسهم يعانون من ازدواجية خانقة وهم يحلمون بمستقبل مزدهر وعالم كله ورود وحياة مملوءة بالسعادة ومكانة اجتماعية مرموقعة وحالة اقتصادية لا يدنو منها غيره، لكنه يعيش في واقع أليم فهو لا يحمل شهادات علمية ولا يحمل أي صفات اجتماعية أو اقتصادية تؤهله لهذا الحلم الرومانسي، ومن هنا يحدث تصادم بين الواقع والخيال ومع ذلك يصدق الخيال ويكذب الواقع، ويصف المجتمع بالظلم وبأن حقه مهضوم ، وربما إذا سألته عن أحواله لقال لك [أنني مثل الشمعة تضيء لغيرها وتحرق نفسها]، وربما إذا سألته عن ماذا قدم للمجتمع أو لنفسه لا يدرك هذا المعنى ولكن ما هي إلا عبارات اعتاد عليها اللسان [نحن مظلومين – نحن غرباء في بلادنا – نحن الفئة المسكينة – نحن .. نحن .. وغيرها من العبارات] .

رغم كل ما حددنا من حالة ضعف ووهن اصاب شباب العالم العربي والاسلامي بشكل عام وشباب العراق بشكل خاص فان نسبة كبيرة منهم يملكون القدرة العالية في البناء والعطاء والتاثير ولايزال المجتمع العراقي وخاصة الشباب منهم مجتمعا زاخرا بالعطاء والكفاءة يقدم ابطالا وعلماء وباحثين من الشباب في كل الحقول العلمية والثقافية والدينية والحضارية، شباب يعرف دوره ومسئولياته، يبحث عن ذاته محاولاً تفجير طاقاته العلمية ليضع بصمة في طريق مستقبل منير، يواجهه الصعوبات ليكتشف فيها اليسر، يبحث عن المعلوم يرى منه المجهول، ينادي في محرابه بأن ليس هناك شيء مستحيل أمام العمل والطموح ، مؤمن بالله وواثق في قدراته التي وهبه الله إياها ، نغوص في بحار هذه الفئة لنتعلم منها كيف نطمح وكيف نتعلم وكيف نبني مستقبلنا.

إن العولمة هي اتجاه تاريخي نحو انكماش وتقليص العالم وزيادة وعي الأفراد والمجتمعات ومعناه بروز ثقافة واحدة تحاول السيطرة والهيمنة على غيرها من الثقافات عن طريق نشر مضمونها وأساليب تفكيرها بل وأساليب التعبير والتذوق وأنماط السلوك والنظر إلى الحياة، وهذا ما وضع العالم اجمع  امام ظاهره حديثه  تشكل تحديا لغالبية الدول ، وان الطريق إلى المستقبل  اصبح صعبا بسبب التداخل بين العولمة كمشروع عدائي لمجتمعاتنا ومشروع الحداثة كأمر واقع يجب احترامه، وان هذا الخلط والتشويش أثر بشكل سلبي على شبابنا الذين هم عماد الأمة وعدتها وعليهم تحقيق الآمال وبهم تسير عجلة التغيير والتطور نحو مستقبل أفضل .

اترك تعليقاً