السياسي الأصيل والرؤية الفجائعية في رواية أمجد توفيق(الظلال الطويلة)

رنا صباح خليل

يفتتح الروائي (أمجد توفيق) روايته الظلال الطويلة بلوحة فنية مخصصة للبوح والافصاح عما يختلج الذهن من ثوابت ربما تأخذنا في بدايتها الى عوالم المدرسة التعبيرية، الا إنها سرعان ما تأخذ شكلا سورياليا لتداعيات مفاهيم الارتباط بالارض والوطن الأم …تموت الأشجار اذا نقلت من ارض لأرض..

وتموت الطيور إذا غادرت بيئتها .. وتموت الحيوانات ..

إنها تدفع ثمن صدقها، والصدق عندما يكون نقيا أصيلا، فإنه يصبح وجها آخر للموت، فالموت يحفظ للصدق نقاءه .. إنه يقتله ..

عندما تمعنّا في هذه الاسطر القليلة  وجدنا ان الروائي قصدها لكي يجسد منذ مفتتح الروي كل طموحات الشخصية الروائية  في اثبات قناعات المبدع نفسه لتقريب النص من وعي المتلقي، واعتقد ان ذلك من بين الدوافع التي مهدت الروائي لصب كل ما يريد قوله داخل تضاعيف محورية النص أو فكرة النص الروائي، إذ إن بطل الرواية من السياسيين الوطنيين الذين تعرضوا لفرية ودسائس اجبرتهم على الرحيل من الوطن للإنضمام الى اسراب المعارضة خارج بلده العراق، وكان ذلك قبل الاحتلال الامريكي وسقوط الدولة والنظام فيه ومن هنا تبدأ الرؤية الفجائعية حين يحتدم الصراع ما بين الرجوع للوطن بعد تغير الاحوال السياسية وما بين القبول بالحياة البديلة في باريس بمغرياتها وممكنات العيش فيها، وكانت طريقة الروائي الى ذلك هي التركيز على تداخل الأزمنة عبر تداخل الزمن الماضي بالمستوى الاخباري مع زمن ماضي الماضي عبر صفحات نجحت في اعطاء الملامح الحياتية لذلك السياسي المغترب بكامل قيافتها التي تفرض ضمنا انه خبر ما يجري في بلده من خلال رفضه لرغبة زوجته الرجوع الى العراق، إذ انه لم يُضع خيط التواصل بين خطابه الشخصي ووجع قلبه على وطنه وبين خطاب الاغتراب الذي يدعو الى التغاضي عن كل تفاصيل ارتباطه وانتمائه والبقاء بعيدا عن بلاده بعدما اوعدته المخابرات الامريكية بمكانة مهمة في باريس .

ان الراوي في هذه الرواية يتناوبه عالمان وفي اشتغالي هذا لم اشأ البدء بالعالم الأساسي في الرواية وهو الوضع المأساوي للعراق ما بعد الاحتلال إنما ارتأيت تتبع شغوف الحكي لدى الروائي فهو يحكي دون توقف اي إنه لا يتوقف لكي يصف، بل انه يلاحق جمله ليرصفها على سطور الصفحات رغم ما تتضمنه الرواية من حوارات وتنقلات وكأنه على عجالة من يروم الإطاحة بمعاناة حقيقية وسؤال مضنٍ حول الهاجس الوطني وحول الحقيقة الانسانية والسؤال عن قيمة الانسان ومكانته في ادلجة البرامج والمخططات السياسية وصراعات المصلحة للمحتل على حساب المصلحة لابن البلد الاصيل، وفي محاولة من لدن الروائي غايتها الترميم والمحافظة على الشخصية من التلاشي والضياع والتلف رَطّب اجواء رويه بذلك الحب الذي نشأ بين الشخصية المركزية في الرواية وهو السياسي المغترب بشار وبين الرسامة إيزابيلِ ليكشف لنا ذلك الميل العاطفي مدى تحقق الذات وسموها فعليا لا انفعاليا بتأثرها بالوضع المربك الذي يتناهضه الحنين الى الوطن، انما جاءت ممكنات الروي لتؤطر علاقة هي مبدأ الخطاب ومنتهاه ذلك ان وعي الذات معبر ملكي لا يتحقق لأي انسان  حين يتوجه الحب اليه بمثل هذا الرقي، وهذا ما يثبته رجوع بشار الى ايزابيل بعد خذلانه في بلده حين يقرر العودة اليه  فيلقى ما يلقى من عذابات فيه .

قرار العودة وتمخضاته الفجائعية

على ضوء ما تقدم أجد إن الروائي قدم روايته وهي تطرح نفسها كنص يحمل اوجها دلالية متعددة كما انها في طياتها غايات بنائية ووظيفية وجمالية تطول مناحي مهمة من حياة الانسان وجدلية وجوده؛ فما من انسان يستطيع العيش بلا حلم أو وهم فتلك طريقته للتنفس وممارسة الحياة، والذات المبدعة تعي حلمها وتميزه من وهمها وهذا ما فعله الراوي من خلال لغة سرده التي تنبع من طقوس الرواية وآلية محاكاتها للواقع فهي رواية واقعية تتبع أسس التجريب في مشغلها ومثل هكذا طرح يتطلب لغة عالية الحساسية، ملتهبة الوقع والتأثير، ولها جرسها الذي يجرف القارئ الى متابعة سايكولوجية تجعله يتفهم قرار بشار في عودته لبلده بعد سرقة لوحة ايزابيل وبعد محادثات عميقة بينه وبين صديقه خالد المغترب السياسي ايضا بما يقود تراتبية مقصودة لاعطاء دليل قادم لدال رسمه في الغربة يؤهله للايمان بصحة موقفه في العودة على الرغم من تحذير اخيه  الذي كان رافضا لرجوعه الى العراق الا ان بشار وهو يواجه محنة الشر الامريكية لم يكن له خيارا يدله على الصواب .

الخطاب السردي في هذه الرواية قائم على تبني الراوي العليم اتون الروي وهذا الراوي له انتقالاته السردية التي من خلالها يصنع عالما يوثق تاريخا لا يقبل الشك خاصة حين يتم الحديث عن الوضع الذي نشأ في العراق بعد احتلالة ليظهر لنا على السطح الشخصيات التي تتزعم المشهد السياسي والاجتماعي متمثلا بانتصار خاتون المومس وحملة شهادات السجون المحيطين بها، اي بزوغ القاع واضمحلال شخصيات القمة في المجتمع العراقي، وهنا تبدأ ازمة تشكل حالة فراغ تبشر بفجائعية اندحار القيم و عسر في فهم مايحدث واختلاط الموازين بين كفة هابطة تتسيد حل الازمات وكفة المواطن الشريف النبيل الذي يروح ضحية عدم كمالية الرؤى التي تشوبها ظروف غامضة لخصها السرد بحادثة اختطاف الطفلة أمل ابنة بشار وحيثيات خلاصها وما جابهه والدها من متاعب وفواجع تمثلت باعتقاله ومرضه وظلمه من قبل الامريكان التي لا تنتهي الا بمعية تلقي المساعدة عن طريق انتصار حين تتوسط له عندهم .

وبذلك يمكننا تخيل مجالات بروز الفعل الفجائعي في الرواية متمثلة بـ :

1ـ صراع القيم وتبدلها .

2ـ الشعور بالمنفى داخل الوطن.

3ـ اضطهاد الماضي وتحكمه بوقائع الحاضر وتنبئه بسوداوية المستقبل.

4ـ تعقب زمن الرذيلة ونتائجه الآنية.

إن الإحساس الفاجع لدى السرد ادى الى بزوغ تنبؤات تشاؤمية كانت تحيط المشهد عندما تقيم انتصار خاتون حفلة بمناسبة اطلاق سراح بشار ويحضرها الجنود الامريكان فتحتفي معهم بفرحها، وهذا يؤسس بشكل أو بآخر الدخول في مرحلة اخرى من الانتظارات؛ انتظار الفرج والتخلص من الفضل المصطنع الذي يكبل الشخصيات وانتظار التماهي مع عقدة الماضي المجيد سياسيا وفكريا واقتصاديا وانتظار الرضوخ للحياة المعاصرة بزيفها، وجميع هذه الانتظارات كانت عصية ان تتحقق مع شخصية  بشار لا بل قد تسقطه في حالات من الشعور بالاحباط وباليأس وهذا ما قطع حبل الاستمرار ليقرر الرجوع الى باريس.

التعليقات مغلقة.