الرئيسية / مقالات مختارة / السياسات النفسية

السياسات النفسية

المستقلة – القاهرة – بقلم د.محمد سعيد

لم تتحمل أذناه انخفاض الضغط السريع بعد هبوط الطائرة الفوري نتيجة تحطم إحدى نوافذها، مما أدى إلى اختلال الضغط داخل الطائرة، لتصاب قنواته السمعية بصدمة جعلته يستشعر ألماً مستمراً بأذنيه وطنيناً يعيق سمعه بشكل نقي. ساءت قدرته على السمع تدريجياً، ولم يعد يسمع بالكفاءة نفسها التي كانت قبل هذه الحادثة، كما لم يعد بإمكانه الاستغناء عن سماعات الأذن إلا عند نومه فقط. وفي يوم من الأيام اضطر للخروج مسرعاً ناسياً سماعات أذنه، ولم ينتبه لذلك إلا وهو في الحافلة التي تُقلّه لعمله. حزن حزناً شديداً وأخذ يستعيد ذكريات طفولته ومراهقته حيث كان الجميع يحسده على قوته وعلى حدة حواسه ولاسيما حاسة السمع التي كان يباهي بها أهله وأصدقاءه. تمنى أن تعود هذه الأيام، وتمنى أن تتحول هذه الذكريات إلى شعاع نافذ يسلطه على أذنيه لينقشع الطنين الذي يغمر سمعه. ووسط ركام الذكريات طرقت سمعه أصوات عالية، التفت حوله ليجد أنها أصوات الحافلة وركابها، وأصوات السيارات التي تزمجر في كل مكان، تمخر عباب الطريق، صرخ بشدة “أسمع أسمع.. وانجلى عني الطنين”. إنها ذكريات الماضي التي أكسبته شعوراً قوياً وطاقة نفسية جارفة استعاد معها سمعه لتتغير حياته بعدها تماماً.
إن النفس الإنسانية تستحق بعد كل مرحلة تقطعها في الحياة أن تعيد النظر فيما أصابها من غُنْم أو غُرْم لتستعيد توازنها واعتدالها كلما رجّتها الأزمات وهزتها الحوادث والصدمات. إننا أحوج ما نكون إلى التنقيب في أرجاء النفس وتعهد حياتنا بما يصونها من العلل والآفات. ذلك أن الكيان العاطفي والعقلي للإنسان قلما يبقى متماسك اللبنات مع حدة الاضطرابات وصنوف المحن والملمات. فإذا تُرك الإنسان لعوامل الهدم نالت منه؛ فهي آتية عليه لا محالة، وعندئذ تنفرط المشاعر العاطفية والعقلية كما تنفرط حبات العقد إذا ما انقطع سلكه. والنفس الإنسانية إذا تقطعت أواصرها ولم يربطها نظام ينسق شؤونها ويركز قواها؛ أصبحت مشاعرها وأفكارها كهذه الحبات المنفرطة لا خير فيها ولا قدرة لها.
ما أجمل أن يعيد الإنسان تنظيم نفسه بين الحين والحين، وأن يرسل نظرات ناقدة في جوانبها ليتعرف عيوبها وآفاتها، ومصادر قوتها وبأسها، وما أجدر أن يرسم السياسات النفسية لها ليتخلص من هذه الهنات التي تزري بها. إنه أشبه ما يكون بإعادة ترتيب البيت من الداخل بعد يوم من العمل الشاق، حيث تنطلق الأيادي تجول هنا وهناك لتنظم وتنسق، تجلو غَبَرَه وقتامه، وتستبقي نفيسه وضياءه. إنها خطوات لصحة نفسية راسخة توظف من ذكرى الماضي ما يصلح معترك الحاضر.

اترك تعليقاً