الرئيسية / مقالات مختارة / الرّقم و الوَقت .. أين نحن منهما…!!

الرّقم و الوَقت .. أين نحن منهما…!!

هيـثم
القيـّم

 

(1)

عنصرين حاسميين يلعبان الدور الأهم في مجال التنمية بكل أنواعها ومستوياتها
و فروعها ، والدول التي سبقتنا في مضمار التخطيط والدراسات الأستراتيجية جعلت منهما
محور لنجاح وفعالية جميع خطط التنمية ومشتقاتها .. والحال اليوم لا يوجد أي نشاط أو
تخطيط في كل مجالات الحياة .. مالم يستند الى هاتين الأيقونـَـتين الرقم .. والوقت.

الــرقــَم :

 تدخل الأرقام في حياتنا الشخصية بكل
تفاصيلها .. خصوصاً بعد ثورتي الأتصالات و التكنولوجيا .. فمن تاريخ الولادة الى تاريخ
التسجيل بالمدرسة الى سنة التخرّج الى أرقام الهواتف الى أيام الأسبوع والسنة الى المصروف
اليومي أو الأسبوعي أوالراتب الشهري الى التسوّق والأسعار الى جدول الضرب الى أرقام
السيارات الى عدد ( الأوراق ) التي يدفعها الباحثون عن التعييـّن .. الى عدد ( الدفاتر
) التي يقبضها الفاسدين …!! الى الكاميرا الرقمية و التلفزيون الرقمي الى الأقراص
الرقمية ( DVD ) و الهواتف النقالة الرقمية .. الى عيد ميلاد زوجاتنا
الرقمي الذي ننساه بعد ثلاث سنوات من الزواج ..!! والى ما لاينتهي من المفردات الحياتية
.. كلها أرقام في أرقام في أرقام ..! حياتنا الجديدة كلها أصبحت أرقام ..! ولكننا لا
نريد أن نستغرق في أهمية ودور الأرقام في حياتنا الشخصية ، أذ ليس هو هدف الموضوع
.. ولكن لكي نقول أذا كان الرقم له هذه الأهمية في الحياة اليومية للفرد .. فمن باب
أولى أن تكون له أهمية أكبر في حياة الدولة والمجتمع ..! والرقم في هذه الحالة ليس
مجرداً .. بل ترتبط به جملة معطيات وعوامل تجعل منه العنصر الأساسي في نشاط وحركة الدولة
وما تـُصدرهُ من قوانين وما تضعه من برامج وخطط ودراسات وبحوث .. و يــُطلق على الرقم
المقصود هنا بـ                ( الرقم الأحصائي
) ..!

هناك علاقــة تناسب طردية بين الرقم الأحصائي الدقيق
وبين التحليل والدراسة وما يــُبنى عليهما من تخطيط  ناجح .. فالأرقام الأحصائية الدقيقة تــُهيـّأ لنا
قواعد بيانات ومعلومات دقيقة ( Data Base ) .. وقواعد البيانات الدقيقة توّفر
لنا مؤشر ومقياس للأداء السابق والحالي والمستقبلي ..وقواعد البيانات و المعلومات تستقي
مادّتها من عدة ينابيع أهمها الأحصاء العام ثم المسح الميداني والأستبيانات القطاعية
أو المتخصصة وعلم المقارنة والتجارب العملية …الخ  مثلاً جميع الدول تحتاج للأحصاء السـُكاني العام
وما يتضمنه من معلومات شاملة .. وهي كلها أرقام ..! من أجل التحليل ومن ثم التخطيط
.. التخطيط السكاني والأقتصادي والصحي والتعليمي والخدمــي والأنتاجي والثقافي والأجتماعي
.. جميع هذه المجالات الحيوية تحتاج الى أرقام أحصائية دقيقة .. تـُعطي صاحب القرار
الأساس الذي يبني عليه قراراً أو مشروعاً أو برنامجاً سليماً وناجحاً .. فعلى مــدى
صحة ودقة الرقم يتوقف نجاح أو فشل الخطط والبرامج .. ومـُـقتـَل أية خطة أو برنامج
يكون في اعتماد أرقام غير دقيقة أو في وضع أرقام بعيدة عن الواقع .. كأن يـُقال مـَثلاً
أن العراق سيقوم بتصدير الكهرباء في عام 2013
..! هـذه الخطة بـُنيت على أرقام غير دقيقة بالتأكيد .. لأن تجهيزنا بالكهرباء الآن
لا يتجاوز 6 ساعات باليوم … ألاّ أذا كان المقصود
تصدير الكهرباء من نوع   ( DC )..!

أذن يمكننا القول أن القيمة الحقيقية العلمية للرقم الأحصائي هي
قدرته على الوصف الدقيق للظواهر الأقتصادية والسكانية والأجتماعية …الخ اعتماداً
على البيانات العلمية وتفسيرها وتحليلها
والتنبؤ بالمستقبل على أسس علمية و مناهج علمية وطرائق رياضية .

الإحصاء الرقمي  بمعنى العدّ
والحصر، فكرة قديمة يرجع منشؤها إلى عهد بعيد في تاريخ المدنية الإنسانية، فالحاجة إلى الحصول على
معلومات رقمية أو وصفية عن المجتمعات وظروفها المادية وشروط وجودها كانت حاجة مـُلحّة
منذ أن وجدت المجتمعات البشرية المـُنظـّمة، وهنالك إحصاءات عند قدماء
المصريين والعراقيين والصينيين والإغريق تخص مجتمعاتهم من حيث عدد السكان
ومقدار الثروة الزراعية والمعدنية جُمعت للاهتداء بها في تصريف أمور الدولة ورسم سياستها.

ولقد كان العرب المسلمون من أوائل من استعان بلغة الأرقام في إحصاء
مواردهم وحصر غنائمهم وجـُندهم وأعطياتهم وأسلحتهم، ومعرفة الثروات لغرض تحصيل الزكاة
عنها ، كما كان للعرب في الإحصاء الاجتماعي أيضاً أثرٌ يجدر ذكره، وهو أن المفكر العربي ابن
خلدون ربما كان أول من عالج قضايا السكان معالجة علمية، فبحث في عمران الدول
واتساعها وتأخرها، وربط كل ذلك بنمو عدد السكان ونقصانهم .

 عَرف القرن السابع عشر
الميلادي مدرستين للإحصاء، أولاهما المدرسة الألمانية الوصفية، وكان على رأسهاH. Conring    (1606-1681)   ألذي بدأ بتدريس علم جديد سماه علم شؤون
الحكومات (  Staatkunde)  يتناول دراسة الدولة وما يتعلق
بها من أمور
كثيرة كالأرض والسكان والثروة وغيرها ، ولكن هذا العلم  كان وصفياً لا يُعنى كثيراً
بالتعبير الرقمي ، ثمّ تبع  Corning   في هذا العلم 
 G. Achenwall   1719-1773)) ، وأطلق عليه  تسمية
جديدة هي الإحصاء
Statistic، وهذه التسمية هي
التي انتقلت من الألمانية إلى كثير من اللغات الأخرى. وقد نشر  Achenwall  عام 1749
كتاباً حول مبادئ الإحصاء في الدول الأوربية.أما المدرسة الثانية التي عـُرفت باسم « مدرسةِ الَحـَسَبة
السياسيين الإنكليزية » فقد كان على رأسها 
J. Grount    ألذي نشر سنة 1666
كتاباً درس فيه سجلات نفوس لندن وحسَب منها نسب الوفيات، ثم، أتى بعده W. Petty  الذي ألف
عام 1683 كتاباً
استخدم فيه الطرائق الكمية وسماه «الحساب السياسي»، ومن هذا الاسم أخذت المدرسة الثانية
اسمها.

وفي بداية القرن التاسع عشر الميلادي دخل الإحصاء مرحلة من مراحل
تطوره على يد Laplac (1749-1827) الذي يجب أن يوضع في مقدمة الذين جعلوا من حساب الاحتمالات الأداة
الأساسية لدراسة التحليل الإحصائي كما جاء في  كتابه « النظرية التحليلية للاحتمالات » عام 1812 . بعد ذلك انعقد في بروكسل عام 1853
المؤتمر الدولي الأول للإحصاء الذي بشر بولادة « المعهد الدولي للإحصاء » الذي تأسس في لندن عام 1855.

أشهر عمل أحصائي في العالم جرى في الهند عام 2011 .. لأحصاء سكان الهند .. تــَطلـّب العمل  أحد عشر شهراً من الجهد المستمر بواسطة مليونين
ونصف مليون موظف وأحد عشر مليون طن من الأوراق وستين مليار روبية هندية ( مليار
ومئتين وخمسين مليون دولار) .. وقد زوّد الموظفون بخرائط ألكترونية تـُغطي كل قرى
ونواحي وأكواخ الهند .. ولم يتجاوز هامش الخطأ أكثر من 0.3 % لعدد سكان يتجاوز المليار ومائة
مليون نسمة ..!!

نخلـُص من كل ذلك الى أن أي خطة أو برنامج أو مشروع تقوم به أية جهة سواءاً
كانت حكومية أو ضمن القطاع الخاص لن يـُكتب لها النجاح مالم تعتمد على رقم أحصائي
صحيح ودقيق .. من ناحية أخــرى فأن توفـّر الرقم الأحصائي الدقيق بدون أستخدامه
واعتماده عند وضع الخطط والبرامج ليس له قــيمة و لا يعني شيئاً بل مجرّد معلومات
مركـــونة على جنب ..!

هل نعتمد نحن في العراق على الرقم الأحصائي في دراسة وتحليل واقعنا
الأقتصادي والخدمي والأجتماعي وغيره ..؟ ومن ثـمّ نرسم خططنا وبرامجنا بناءاً عليه
..؟ هل نستخدم قواعد بيانات رصينة عندما نــُصدر قانون أو خطة معيـّنة …؟ هل
نمتلك قاعدة معلومات دقيقة تـُلقي لنا الضوء على المستقبل لكي نحسب حساب ما سنصل اليه
بعد كذا سنة وما يتوجب فعله لتجنب مشكلة أو أختناق قادم في أي مفصل من مفاصل
الدولة والمجتمع ..؟ هل حـَـسبنا مثلاً كم متقاعد سيكون لدينا بعد 25 سنة  أذا ما علمنا أن هناك
من يحصل على راتب تقاعدي أزاء خدمة لا تتجاوز 4
سنوات ..وهم كـُثرُ ..!

 

هل أحصينا كم سيكون لدينا من أعداد الخريجين من الجامعات العراقية عموماً
مقابل كم فرصة عمل سنستطيع توفيرها خلال العشرين سنة القادمة سواءاً في القطاع
العام أم الخاص .. وماذا أعددنا لمعالجة المشكلة ..؟  هل لدينا أحصائية مضبوطة لعدد أفراد حمايات
السادة المسؤولين ..من السيد رئيس الجمهورية الى السيد رئيس بلدية الجبايش ..
وبالتالي نعرف كم مجموع المبالغ التي يتقاضاها هؤلاء لنعرف بالتالي كم تـكلـّف قصة
الحمايات ميزانية البلد ..؟ هل لدينا أحصائية دقيقة عن عدد المتسوّلين في شوارعنا
..

 

 وهل أعددنا دراسة وخطة لدعمهم
وأعادة تأهيلهم ..؟ هل نعلم كم نستهلك من لترات البانزين هــدراً بلا طائل أثناء
الوقوف في طوابير الأزدحامات والسيطرات مضروب في عدد السيارات مضروب في عدد
الساعات في اليوم ثم في الشهر ثم في السنة ، وكم حجم الخسارة الأقتصادية جراء ذلك
..؟ هل تعلم الجهات الحكومية الرقم الحقيقي للأيتام في العراق .. وهل وضعنا برامج
وتخصيصات لرعايتهم وتأهيلهم للمستقبل .. ؟ هل لدينا أرقام دقيقة عن عدد رؤوس
المواشي والأغنام في البلد لكي نحسب كم نحتاج من العلف والأدوية البيطرية وعدد
المراكز الصحية وتوزيعها حسب الكثافة الحيوانية ..؟

 

هل نمتلك أحصائية دقيقة عن عدد التصريحات واللقاءات التلفزيونية لكل
برلماني شهرياً لكي نحسب كم أستهلك من أدوات الحلاقة والمــُعطرات والبدلات
والأربطة .. وبالتالي نعرف كم بالضبط يجب أن 
يـكون مبلغ  تحسين الحال الممنوح
لهم …؟ هل نعرف أحصائياً عدد العراقيين في الخارج وحسب الدولة التي يتواجدون
فيها ..

 

 لكي نحسب عدد كادر السفارة المطلوب
لخدمتهم حسب أعدادهم .. وهل حسبنا ما هو المطلوب تهيئته من مستلزمات العيش الكريم
كالرواتب والسكن والوظائف والأمان عندما نناشدهم بالعودة لخدمة بلدهم الحبيب ..؟
هل نعرف كمية الحشيش والعقاقير المـُخدّرة و التي تـُباع علناً في بسطيات الباب
الشرقي وباقي بسطيات المحافظات ..

 

 لكي نعرف بدقة عدد الحشاشين في
العراق .. وبالتالي نستطيع أن نعرف كم مقهى تحشيش يحتاج البلد ..؟ هل هناك أحصائية
دقيقة عن عدد حوادث السيارات وأنواعها وأسبابها وعدد ضحاياها .. لكي نعرف ثم
نـُخطط لكيفية تفادى الحوادث المرورية وما تسببه من خسائر بشرية واقتصادية ..
؟ 

 

هل نعرف عدد الذين يتعاطون الكحول ومستوياتهم الثقافية والمعيشية .. وهل
نعرف عدد الذين يموتون بسبب الكحول .. لكي يدرس المختصين هذه الحالة وأسبابها ..
وبالتالي تـُعالج وفق خطط علمية ..؟ هل لدينا قاعدة بيانات صحيحة عن الأجهزة
الكهربائية التي ملئت البيوت وبالتالي نستطيع أن نعرف كم نحتاج من الطاقة
الكهربائية وكم نحتاج من المواد الأحتياطية لصيانة هذه الأجهزة ..؟ وهل لدينا
أحصائيات عن حجم المبالغ التي تسرقها شركات الهاتف النقال من المواطنين عن طريق
قضم الرصيد ومن ثم تــُصدّرها للخارج خلســة ..لكي نعرف حجم العملة الأجنبية
المتداولة والمـُهرّبة ..؟

 

هل لدينا احصائيات عن عدد ساعات العمل التي يهدرها الموظفين بدون أي
أنتاجية .. وبالتالي نضع ضوابط وتعليمات وحوافز صارمة لتفعيل الأداء الوظيفي وفق
معايير علمية وعملية ..؟ وهل نمتلك أحصائية مضبوطة عن عدد الحـفـّاي الذين أصبحوا
مليونيرية بالدولار في العراق  ..

 لكي نعرف بالضبط أين ذهبت ثروة
الشعب …؟ ومن ثمّ نسألهم ببراءة وحـُسن نيـّة : منيلكم هالفلوس ..!

واخيراً وليس آخراً هل نحن قادرين على أجراء أحصاء سكاني عام دقيق ومضبوط
لمحافظة واحدة فقط تكون نسبة الخطأ فيه لا تتجاوز 0.3 % على غرار ما حصل في الهند .. لكي يكون نموذجاً
وتجربة ميدانية حيـّة يـُستفاد من سلبياتها ومعوقاتها لغرض تلافيها في أحصاء باقي
المحافظات ..؟

للموضوع بــقيـّة …

     haitham52@aol.com

اترك تعليقاً