الريح في شَعْري للإيرانية معصومة مسيح علي نجاد

د. عثمان بوطسان

 كاتب وباحث مغربي 

 

معصومة مسيح علي نجاد، ليست مجرد كاتبة، بل صوتًا لملايين النساء الإيرانيات المضطهدات. شاركت في تأسيس حركات دولية مدافعة عن المرأة، بالإضافة الى نشاطها ككاتبة، لتصبح واحدة من أشد منتقدي الحكومة الإيرانية. نشأت الكاتبة في قرية جوميكولا الريفية في إيران. كفتاة صغيرة، لم تفهم لماذا لا تستطيع الركض واللعب مثل إخوتها أو لماذا كان عليها أن ترتدي الشادور (عباءة تغطي كامل الجسم). وبدلاً من قبول مصيرها على النحو المنصوص عليه في القانون الإيراني، اختارت مسيح علي نجاد أن تكون مختلفة وأن تتمرد…تقول الكاتبة: “حياتي مليئة بالقصص، وكفتاة صغيرة قيل لي دائمًا أن” قصتك ليست مهمة”. لذلك فأنا أكتب للتغلب على العقبات كامرأة في إيران والقتال من أجل هويتي.”

منذ سن المراهقة، كانت مسيح علي نجاد شوكة في حلق كل الذين يحكمون إيران. لقد اشتكت واحتجت وصوتت وتحدت بصوت عال كل من يدعم ارتداء الحجاب الإجباري. اختارت الكاتبة النضال من أجل حقوق المرأة وأصبحت ناشطة إيرانية معروفة، منذ أن تعرضت للاعتقال في التاسعة من عمرها، على يد الشرطة الأخلاقية، بسبب نشاطها المناهض للحكومة، وتم احتجازها في السجن بدون تهمة، وفي النهاية أخبرها قاضٍ أنه كان لديه أدلة كافية لإعدامها، بعدها تم الإفراج عنها، ولكنها دفعت الثمن غاليًا لجرأتها، حيث إنها غادرت إيران في عام 2009، ومنعت من دخولها، عقب احتجاجات قادتها المعارضة الإصلاحية ضد النظام وتعرضت الناشطة لمضايقات واعتقالات، وهو ما دفعها للهروب من موطنها وحرمانها من عائلتها مدى الحياة.

تشتغل مسيح علي نجاد كمقدمة ومنتجة في صوت أمريكا شبكة الأخبار الفارسية، وهي أيضا مراسلة لإذاعة فاردا، وإحدى المساهمات في تلفزيون مانوتو ومحررة مساهمة في موقع إيرانواير، وقد حازت على عدة جوائز، بما في ذلك جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من مؤتمر قمة جنيف لعام 2015، وجائزة أوميد للصحافة من مؤسسة مهدي سمسار، وجائزة الامتياز الإعلامي رفيع المستوى من آيه آي بي. ألفت مسيح علي نجاد مجموعة من الكتاب ك’’تاج الشوك’’، ’’ أنا حرة ’’ وكتاب آخر عبارة عن مذكرات يحمل عنوان “الريح في شعري” نشرته سنة 2018. تحكي الكاتبة في مذكراتها عن رحلتها من قرية صغيرة في شمال إيران إلى أن تصبح صحفية وتأسس حركة على الإنترنت أثارت الاحتجاجات الوطنية ضد الحجاب الإلزامي.

حتى لو نشأت مسيح علي نجاد في عائلة إيرانية نخبوية ومتعلمة، كانت ستكون امرأة استثنائية بكل تأكيد. لكن حقيقة أنها نشأت في موطن ريفي، في قرية غوميكولا الصغيرة في مازاندران شمال إيران، تجعل منها كاتبة استثنائية للغاية. كان والدها يعمل في الشارع، ووالدتها – التي لا تستطيع القراءة أو الكتابة – قامت بتربية ستة أطفال في منزل يحتوي على غرفة واحدة، كانت مكانا للنوم وتناول الطعام والمعيشة. في كتابها ’’ الريح في شَعْري’’ تصف مسيح علي نجاد ظلام رحلاتها إلى أحد المراحيض في الليل الذي لم يكن أكثر من حفرة في الأرض. أصبحت هذه الرحلات حجر الزاوية في تعليمها. أولاً، لأن شقيقها، الذي بدا جريئًا وشجاعًا في النهار، وحسدته على ذلك، خاف من الظلام، وتوسل لها أن تذهب معه، وهذا علمها شيئًا عن القوة والشجاعة؛ وأيضًا لأن والدتها أعطتها بعض النصائح حول كيفية التعامل مع الظلام. تقول مسيح علي نجاد : “قالت لي أمي إن الظلام لا يستطيع أن يلتهمك إذا تركت خوفك. لذا افتحي عينيك على أوسع نطاق ممكن، وواجهي الظلام. عندما كبرت مسيح علي نجاد، أصبحت استراتيجية التكيف المحلية هذه شعارها. تقول في كتاب مذكراتها: ’’ أدركتُ أن وضع حقوق الإنسان بأكمله في إيران يشبه الفناء الخلفي لطفولتي: إنه مظلم، ويجب على النساء فتح أعينهن على أوسع نطاق ممكن، لأن هذه هي الطريقة لجعل الظلام يختفي.”

كانت تبلغ مسيح علي نجاد من العمر عامين عندما وقع الحدث الذي من شأنه أن يغير مسار حياتها، بل حياة جميع مواطنيها: ثورة 1979، التي تم خلع الشاه بموجبها وعودة آية الله الخميني من المنفى لقيادة إيران كجمهورية إسلامية. تقول مسيح في كتاب مذكراتها: ’’ منذ ذلك الحين، كان كل شيء مختلفًا. بالنظر إلى صور عائلتي قبل الثورة، كنت أرى أمي ترتدي تنورة ووشاحًا، وكان لأبي لحية صغيرة. ولكن بعد عودة الخميني، كان ممنوعًا على أبي أن يحلق حتى أصبحت لحيته ضخمة وكان على والدتي أن تغطى جسدها بالكامل في شادور مظلم. لكن المفارقة هي أن والدي مسيح علي نجاد كانوا من أنصار الثورة المتفانين. لقد كانوا فقراء، وأرادوا وظائف أفضل، وأرادوا أيضا فرصًا أكبر للمساواة، واعتقدوا أن الثورة ستحقق لهم أحلامهم. ولكن قبل الثورة كانت هناك حرية اجتماعية في إيران، كان يُسمح للنساء بالمشاركة على قدم المساواة في كثير من الحياة – يمكنهم ممارسة الرياضة والذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية، وكان هناك نساء في شتى المجالات. الأشخاص الذين دعموا الثورة أرادوا الحرية السياسية، وانتهى بهم الأمر إلى عدم الحصول على ذلك – بالإضافة إلى أنهم فقدوا حريتهم الاجتماعية.

تنتقد مسيح علي نجاد النظام الايراني وتفضح بشكل صريح مخططات الثورة الفاسدة والفاشلة. تتذكر طفولتها باستمرار، ولعل أبرز من تم سرده في كتابها، قصتها عندما كانت طفلة صغيرة، كانت تفكر بحرية وتميل الى إثارة الشغب. تتذكر ظهورها في مسابقة لتلاوة القرآن في المدرسة والقاءها لقصيدة الشاعر الإيراني الحديث أحمد شاملو، بدلاً من الآيات القرآنية، حيث سحبها المعلمون من المسرح. تصف مسيح علي نجاد كيف تم القاء القبض عليها وسُجنت لأسابيع، وعانت من ساعات من الاستجواب المكثف، لانتمائها إلى جماعة سياسية تنتقد الحكومة. في وقت لاحق، تركها زوجها بسبب امرأة أخرى، بالرغم من ذلك منحته المحكمة الحضانة الكاملة لابنهما البالغ من العمر ثلاث سنوات. أخيرًا، تروي مسيح علي نجاد كيف أُجبرت على مغادرة البلاد – لتعيش في المنفى أولاً في لندن (حيث ستجتمع في نهاية المطاف مع ابنها) وبعدها في نيويورك – حيث ستتفرغ لكتابة مقالات تكشف فيها عن الفساد البرلماني والسخرية من أنصار الرئيس محمود أحمدي نجاد.

لا يتعلق الأمر بمجرد ذكريات تعيد مسيح علي نجاد سردها للقارئ، بل هو كتاب يختلط فيه الماضي الأليم بالمعاناة، والسجن بالمنفى والنضال ضد العقليات الظلامية التي حولت المرأة الايرانية الى مجرد جسد. تتمرد الكاتبة وتُفصح عن نواياها ضد النظام الايراني عبر التطرق الى أبرز مراحل حياتها التي لم تخلو أبدا من الاضطهاد والعنف. يقدم الكتاب إذن، لمحة عن تاريخ إيران ما بعد الثورة، يصف تقلب النظام الاجتماعي والسياسي بنوع من السخرية والحسرة في نفس الوقت. وجدير بالذكر أن هذا الكتاب ممنوع في إيران، بل تعمل السلطة الايرانية على سجن كل من يتواصل مع الكاتبة أو يشارك في نشاطاتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

مسيح علي نجاد نموذج للمرأة المثقفة التي لا تلتزم الصمت حينما يتعلق الأمر بجسدها أو حريتها. وهي لا تسرد قصصا من وحي الخيال، بل تكتب عما عاشته في إيران بكثير من الجرأة. تتحول الكتابة إذن الى سلاح للمقاومة والتعبير بدون قيد أو شرط. بالرغم من استقرارها بالولايات المتحدة وحصولها على الجنسية الأمريكية، ما تزال مسيح علي نجاد مستمرة في نشر أفكارها التنويرية والدفاع عن المرأة الإيرانية عبر كل الوسائل المتاحة. وهذا الكتاب دليل حي عن المعاناة والظلم الذي عانت منه المرأة الإيرانية عقب الثورة الاسلامية. هي إذن مذكرات لا تخلو من المأساة والكوابيس والأمل في تغيير الواقع الظلامي الى واقع يتأسس على الحرية والمساواة. واقع لا يُنظر فيه الى المرأة باعتبارها جسدا، أو شيئا يمكن الاستحواذ عليه. واقع يقوم على الفكر التنويري الانساني حيث يتشارك الرجل والمرأة نفس الحقوق والمسؤوليات.

التعليقات مغلقة.