الرئيسية / مقالات مختارة / الدولرة والفائدة!اين الحل / مظهر محمد صالح

الدولرة والفائدة!اين الحل / مظهر محمد صالح

تعد الدولرة واحدة من اهم التحديات التي تواجه صناع السياسة النقدية في البلدان النامية عموماً والعراق على وجه الخصوص والتي تعني استخدام دولار الولايات المتحدة او اية عملة اجنبية لها قدرة الاحلال محل العملة الوطنية في المعاملات والعقود المالية الداخلية اوعدها بعبارة اخرى وسيلة مدفوعات محلية موازية للعملة الوطنية ووحدة حساب و مخزن للقيمة في الوقت نفسه .

وعلى الرغم من ان الدولرة المالية ، تتشكل في الغالب من القروض المحلية الممنوحة بالعملة الاجنبية عبر الفترة الطويلة ، والتي تصل نسبتها   في بعض بلدان امريكا اللاتينية الى حوالي 70% من اجمالي القروض الممنوحة محلياً ، الا ان  السلطة النقدية العراقية قد اعتمدت واحدة من مفاهيم المؤسسات المالية الدولية المعدلة ، للتعبير عن ظاهرة الدولرة في العراق . فالمفهوم السائــــد لــــدى صندوق النقد الدولي بخصوص الدولرة الجزئيــــة partial Dollarisation  يعد الاكثر تعبيراً عن واقع ظاهرة الدولرة وسيادتها في اقتصاد ريعي شديد التنقيد . فاذا ما كانت الودائع المصرفية بالعملة الاجنبية الى عرض النقد بالمفهوم الواسع تقارب 30% او اكثر بقليل ،فان البلاد تعيش ،على سبيل المثال ، ظاهرة دولرة جزئية .

ولكن اذا ما اخذنا بالاعتبار تركيب عرض النقد في العراق الذي يغلب عليه طابع العملة في التداول نسبة الى عرض النقد والتي تصل الى حوالي 50-70% مـــن مجموع ذلك العرض، فلا بد من ان نجـــد، ان دولار الولايات المتحدة النقدي ما زال هو الاخر يـــدرك على انه عملـــة موازيــــة للعملة المحلية في التداول خارج الجهـــــاز المصرفي Parallel Currency في تسوية المعاملات والمدفوعات النقدية الداخلية , فضلا عن عده مخزن جيد للقيمة كما اشرنا الى ذلك سلفا، لذا يمكن القول ان ظاهرة الدولرة الجزئية ما زالت سائدة وتتعدى 30% في تسوية حركة التعاملات والمدفوعات النقدية في الاقتصاد الوطني اوربما تصل الى مستوى اعلى بكثيراحيانا .

وعلى الرغم مما تقدم ، فان السياسة النقدية التي أعتمدها البنك المركزي العراقي في اطار ستراتيجيته الرامية الى تحقيق هدف الاستقرار ، قد اظهرت ان النظام المالي المدولر اخذ يتجه نحو الانخفاض التدريجي وان ظاهرة الدولرة الجزئية وتجذرها باتت اليوم اقل من السابق بالرغم من التقلبات الاخيرة الطفيفة في سعر صرف الدينار إزاء الدولار، بسبب حرية التحويل الخارجي واعتماد سياسة نقدية مازالت تعمل على تعزيز القيمة الخارجية للدينار العراقي ، التي ارتفعت معدلات صرف الدينار خلال السنوات  الاخيرة الى ما يزيد على25% ،حيث أخذت التوقعات العقلانية للجمهور، جميعها تصب في الاحتفاظ بالدينار العراقي بسبب التحسن التدريجي في قيمة الدينار العراقي وارتفاع سعر صرفه ازاء الدولار الامريكي .

كما شرعت السياسة النقدية ، على تأسيس اطار عمل فعال يعمل صوب تقوية الثقة بالدينار العراقي . اذ تساعد الثقة بالعملة المحلية على خلق ظروف قوية وعميقة في استقرار النظام المالي .

وعليه فقد اضحت حالة اللادولرة de-dollarisation واحدة من الاهداف الرئيسة للسياسة النقدية في كثير من البلدان التي تعاني من الدولرة الجزئية . حيث يمنح التصدي للدولرة البنوك المركزية القدرة الاكبر على اعادة صياغة سياستها النقدية وعلى وفق الاهداف المحددة في تحقيق الاستقرار في الاسعار وبناء النمو ودفع عملية التشغيل في الاقتصاد الكلي , كما تقوي في الوقت نفسه الرابطة بين معدلات الفائدة المحلية وتغيير الانفاق الكلي او الطلب المحلي ، ويدعم من فاعلية تحركات معدلات الصرف ، لتصب جميعها في تحسين ميكانيكية الانتقال النقدي ، اي نقل تأثير الاهداف التشغيلية للسياسة النقدية اي السيطرة على مناسيب السيولة المحلية الى تحقيق الاهداف الآنية للسياسة نفسها في فرض الاستقرار والحد من التوقعات التضخمية.وان قوة التصدي للدولرة ، تعد مقياساً على فاعلية السياسة النقدية في توفير اشارة مؤثرة تجعل الدينار العراقي اكثر جاذبية والذي عادة ما يتجسد باستقرار دالة الطلب النقدي او انخفاض سرعة تداول النقود واستقرارها اي بفعل تأثير اشارتي سعرالصرف والفائدة كمتغيرات موجبة فاعلة في استقرار الطلب النقدي وتقوية ميكانيكية الانتقال النقدي في الوقت نفسه . ولايفوتنا ، ان سياسة اللادولرة ، تعد واحدة من مصادر الايراد القوية المولدة لرسوم الاصدار النقدي Seignorage الناجمة عن تزايد الطلب على العملة المحلية والتي تنعكس بصورة ايجابية على كشف الدخل ضمن القوائم المالية السنوية للبنوك المركزية وتقوي مركز الثروة الصافية للميزانية العمومية في تلك البنوك او المصارف المركزي

وعلى الرغم من ذلك ، نود ان نوضح ستراتيجية السياسة النقدية في بناء مسار الاستقرار في تلك المرحلة الانتقالية والصعبة التي مر بها العراق وهو يسعى في توفير مناخ مستقر جاذب للنمو ولاسيما قطاعه النقدي الذي يغدو اليوم قويا وراسخاً وتؤكده سياسة التدخل في سوق النقد وعلى النحو الاتي:

اولا :  تعد نافذة العملة الاجنبية للبنك المركزي من وسائل السياسة النقدية غير المباشرة المؤثرة في الاساس النقدي للبلاد بغية التحكم بالطلب الكلي ومواجهة الضغوط التضخمية . اذ تؤدي تلك النافذة ،التي كانت تسمى مزادا، اهداف ثلاثة هي:

1 – اداة تدخل لتحقيق الاستقرار في قيمة الدينار العراقي عن طريق الدفاع عن سعر صرف توازني مما ينعكس ايجابياً على المستوى العام للاسعار ولاسيما السلع المستوردة النهائية ومدخلات الانتاج ويقوي قاعدة التصدير .

2 –    كونها وسيلة لتطبيق الادوات غير المباشرة للسياسات النقدية في ادارة سيولة الاقتصاد والسيطرة على مناسيبها ، وتعبر النافذة عن حالة من حالات تطبيق عمليات السوق المفتوحة المطلوبة بصورة مستمرة في تحقيق التوازن في السوق النقدية وتقوية فرص الاستقرار المالي .

3   انها مصدر اساسي في تمويل تجارة القطاع الخاص للسلع والخدمات التي تحتاجها السوق العراقية وتكاد النافذة تنفرد لوحدها بكونها ممولاً اساسياً لتجارة القطاع الخاص الخارجية .

  ثانيا: سارت السياسة النقدية المعتمدة في توجهاتها كافة نحو توفير فرص الاستقرار و النجاح للاقتصاد الوطني . وهي السياسة الوحيدة التي تنفرد ايضا بمثل هذا الهدف الكلي  في التصدي للتضخم وخفض معدلات الزيادة السنوية في المستوى العام للاسعار وتقوية الاستقرار في النظام المالي في آن واحد،اذ  تعد السياسة النقدية  بنفسها منتجة لسلعة عامة فريدة في اهميتها وهي سلعة الحفاظ على استقرار القوة الشرائية للعملة الوطنية ، ولاسيما بعد ان ارتبطت تلك السياسة باجراءت اصلاحية اساسية تزامن فيها هدف تقوية اواصر السوق النقدية وعمليات الوساطة مع ضرورات  استقرارسوق التحويل الخارجي ومؤازرة استقرار القيمة الخارجية للدينارالعراقي ، اذ أدى توازنهما الى تحقيق اشارتين  سعريتين قويتين من اشارات السوق التي تبنتهما السياسة النقدية لبلوغ اهدافها المنوه عنها  وهما اشارة سعر الفائدة على الدينار العراقي و اشارة سعر صرف الدينار العراقي ازاء العملة الاجنبية .

فالتحرر المالي الذي شهدته اسواق العراق عبر السنوات الثمان الماضية،  جسدته فعلياً السوق المالية المحلية عبر حرية الجهاز المصرفي واطلاق قدرته في تحديد معدلات الفائدة الدائنة والمدينة لديه , والتي عدت ركنا اساسيا من اركان تقوية الوساطة المالية التي هي جوهر الاستقرار المالي ولاسيما بعد ان تم التخلِ عن الاجراءت القسرية التي كانت السياسات النقدية والرقابية السابقة تعتمدها  عبر وسائلها المباشرة ، واللجوء الى السياسات غير المباشرة التي تعتمد قوى السوق لتفادي ظاهرة الكبح المالي ورقابة الامتثال و المتمثلة بوضع سقوف على الائتمان المصرفي الممنوح او تحديد جهة الائتمان او فرض معدلات فائده اداريه تقع خارج قوى السوق وتوازناته  . حيث قاد الكبح المالي في السياسات السابقة خلال العقدين الماضيين الى انحراف السوق المالية واضعاف مناخ الوساطة فيها، فضلاً عن اعتماد سياسة النقد الرخيص لاغراض اقراض الموازنة العامة ، مما عطل التنمية الاقتصادية لعقود طويلة وادخل البلاد في موجة عارمة من التضخم الجامح والمستمر و حلت المضاربة السعرية على السلع والخدمات محل الاستثمار المنتج وتدنى الادخار الكلي  مما اغرقت البلاد في ركود طويل قاد الى تدهور معدلات التنمية الأقتصادية والاجتماعية فيها ،واصولها الى مستوى الاقتصادات الرثة، وهي الظاهرة التي مازلنا نعيش بعض اثارها السالبة حتى اللحظة.

 ان التقدم الذي احرزته السياسة النقدية الراهنة في مواجهة التضخم الجامح للبلاد واستخدامها اشارة سعر فائدة السياسة النقدية  policy rateفي اطار تعاملاتها مع الجهاز المصرفي, كان لها الاثر الاكبر المرحلي في مواجهة حالة التوقعات التضخمية المستمرة والمتصاعدة التي كانت تعصف في اسقرارالبلاد وتسحق قرارات الاستثمار الحقيقي فيه ولمصلحة قطاعات المضاربة . وبهذا فقد أكسبت إشارة سعر الفائدة  الاسمية  على الدينار العراقي  للمرة الاولى مع اشارة سعر الصرف الاسمي زخماً استقرارياً قوياً ، انعكس بدورهِ على استقرار المعاملات في الاقتصاد الوطني وساعد في الحفاظ  على معدلات فائدة حقيقية غير سالبة للمرة الاولى في تاريخ البلاد (وبعد اكثر من ثلاثة عقود )تفوق فيها سعر الفائدة الاسمي على معدلات التضخم مما عزز من قدرة النظام المالي على الاستمرار ومنح السوق النقدية فرصة الاستقرار والديمومة في اشد الظروف الاستثنائيه التي مرت بها بلادنا خلال الاعوام الاخيرة التي تلت العام 2003.

ومع هبوط التضخم الاساس من نسبة 34% سنويا قبل خمسة اعوام الى مابين 3% الى6% سنويا بالوقت الحاضر والدخول في عصر المرتبة العشرية الواحدة للتضخم , فان اشارة سعر الفائدة التي اعتمدها البنك المركزي قد هبطت هي الاخرى مع هبوط التضخم من 20% سنوياً الى6% حاليا ، بعد ان حققت  اشارة معدل فائدة السياسة النقدية هدفها في تحقيق عوائد قوية على الدينار العراقي وتحويله الى عملة جاذبه ومصدة قوية في مواجهة التوقعات التضخمية التي عانت منها البلاد عبر الحقب الزمنية الماضية وهزت اركان استقراره . منوها بهذه المناسبة الى ضرورة تثميني الشخصي لكل الاقلام التي عارضت الاجراء الاستثنائي في رفع معدلات الفائدة لفترة ليست طويلة  في حينه ولكن لابد من القول من ان  تجذر التوقعات التضخمية الموروثة من عهود التدهور الاقتصادي السابقة التي افرزتها مراحل الحروب وتعاقب الصراعات على البلاد، اقتضت إجراءً جراحيا حادا للظاهرة التضخمية، ذلك عبر التشدد في رفع اشارة فائدة السياسة النقدية بصورة مؤقتة والتي جاءت باتفاق مع صندوق النقد الدولي املتها اتفاقية نادي باريس بغية ستكمال شطب نسبة80%من مديونية العراق الخارجية والمتراكمة لغاية 6اب1990 وما ولدته من تبعات مالية شائكة ومريرة كانت جاثمة على اقتصاد بلادنا.

وعلى الرغم من تحرر السوق المالي واخضاع السياسة النقدية للعمل وفق آليات السوق , فضلاً عن منح النظام المالي بشكل عام والنظام المصرفي بشكل خاص حرية تحديد اسعار الفائدة بنفسهما دون تدخل مباشر من سلطة البنك المركزي العراقي ( بأستثناء اطلاق إشارة فائدة السياسة النقدية ) الا ان البنك المركزي قد لاحظ وللاسف الشديد ان قطاع المصارف قد ظل متمسكا باشارات فائدة عالية على القروض الممنوحة للجمهور وبمعدلات  مازالت تفوق معدلات التضخم بشكل واسع وهو امر يعرض تمويل التنمية في هذه الحقبة  المستقرة التي يشهدها الاقتصاد الكلي الى مخاطر الركود الاقتصادي وتعطيل الموارد المادية والبشرية لدى القطاع الأهلي  وعموم السوق الوطنية .

اذ ما زالت القروض التي تمنحها الكثير من المصارف تقارب في متوسطاتها السنوية حوالي 13% بل قد تصل الفائدة المستوفاة على القروض الممنوحة الى الجمهور في البعض منها الى ما بين17%- 20% سنويا وهو امر غير مقبول اطلاقا مهما كانت الذرائع التي تتذرع بها المصارف الوطنية وتحت غطاء المبالغة بمخاطر السوق!!

 ان ممارسة النفوذ او الاقناع الادبي مع مجموعة المصارف الوطنية وحثها على خفض الفائدة المستوفاة على القروض الممنوحة وتشجيعها على منح الائتمان بفائدة ميسرةغير تعسفية امر يخدم النشاط الاقتصادي التنموي في البلاد، وهو اجراء ضروري ربما يٌلجأ السلطة النقدية الى تشجيع اعتماد اجراءات اضافية  تحفيزية ، مثل السعي الى تكوين قرض مصرفي تجميعي ما بين المصارف لاغراض الاستثمار الحقيقي او حتى العمل بالوسائل القانونية المتاحة بما يمكن السياسة النقدية من تقليص نقاط الانتشار بين الفائدة المصرفية الدائنه والفائدة المصرفية المدينة( اذ مازالت معدلات الفائدة و للاسف عند بعض الكيانات المصرفية هي اقل مايمكن على الودائع الادخارية واعلى مايمكن على الائتمان الممنوح الى الجمهور) ذلك بجعل نقاط الانتشار عند مستوياتها الطبيعية التي لا تزيد على 3 نقاط وعلى وفق المارسات المصرفية التقليدية والطبيعية، بدلا من وضعها الحالي البالغ 7-10 نقاط اواكثر  وهو امر يتقاطع مع اهداف الاستقرار المالي الذي تؤشره مبادىْ ومعايير الرقابة المصرفية  المعاصرة التي تقوم على اسناد اي توجه يفضي الى توفير مناخ الاستقرار في السوق المصرفية .

ختاما :تاْتي اهمية الترويج لفكرة انشاء قرض تجميعي تقدمه المصارف كافة و بكلفة فائدة توازنية وتقوده  بالاْنابة ،عن مجموعة المصارف، واحدة من المصارف الوطنية ، بغية تمويل مشاريع مهمة وحيوية تخدم الجمهور بصورة مباشرة و تنسجم فكرته و توليد اجواء قوية وسليمة في تعميق الوساطة المالية وتفعيل وسائلها,  في وقت تتجه فيه السياسة الاقتصادية للبلاد كلها نحو تشجيع الاستثمار الحقيقي وتقوية فرص التنمية الواعدة والمستدامة في القطاع الخاص عبر حاضنة الاستقرار، والعمل ببرنامج التنمية ذي الدفعة القوية، الذي يتطلب اقامة شبكة متماسكة من المشاريع الاستثمارية التي يعتمد بعضها البعض في حركتي مدخلاتها ومخرجاتها وتقوية نماذج التنمية المتوازنة الاخرى عن طريق اقامة المجمعات الصناعية ذات النشاط المعتمد على بعضه البعض كما نوهنا او اقامة مشاريع التكامل الزراعية الصناعية وغيرهما من النشاطات العنقودية او التكاملية ذات الاثر المباشر في تقوية فرص الاستخدام الواسع للعمل واستثمار المهارات البشرية المختلفة وتقوية الفرص التكنولوجية والراسمالية في اطار حركة بناء العراق  المنتقل او المتحول الى اقتصاد السوق وبرؤى معاصرة ضمن خيار الشراكة بين السوق والدولة الانتقالية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً