الرئيسية / مقالات مختارة / الدبلوماسية الوالدية

الدبلوماسية الوالدية

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد

كانت تستشعر أزمة في التعامل مع ابنها الذي بلغ سن المراهقة؛ فقد كانت سلوكياته تتغير نحو الجموح بغير نظام أو ضبط، وكانت مشاعر الإحباط وخيبة الأمل تطاردها على نحو متسارع، فقد كانت تعرف أن ابنها بحاجة إلى مزيد من الضبط السلوكي حتى يستطيعالتعامل والتكيف بشكل فاعل مع الآخرين ومع الكبار على نحو خاص، وكانت تجد نفسها قاسية معه أحياناً، لينة مدللة له أحياناً أخرى؛ تمنعه عن أمر ما ثم تمنحه إياه. ولأن الابن لم يحصل على توجيهات ثابتة في أثناء تربيته؛ فقد بدأ بالتصرف على نحو سلبي أكثر جموحاً وجنوحاً.

لاشك أن التربية من أصعب المهمات في عصرنا الذي نعيش فيه؛ حيث تشاركنا فيها أطراف قد تكون أكثر جذباً من الآباء والأمهات، مما يشكل صراعاً بين الوالدين والأبناء، وفي كثير من الأحيان يحسم الصراع لهذه الأطراف الأخرى، والتي يُشك في نواياها التربوية إلى حد كبير. وهذا يستلزم وعياً من الأسر للتحلي بالدبلوماسية الوالدية للتعامل الناجح مع الأبناء. وأعني بها اكتسابعدد من السمات الشخصية للتحلي بمهارات التفاوض والإقناع، والقراءة المستمرة في تغيرات النمو التي تختلف عبر المراحل العمرية المتتابعة.

كما ينبغي للوالدين أن يوفّقا بين أجزاء الصراع النفسي بين التدليل المفرط والصرامة غير المبررة، والثبات على معايير ضبط سلوكي واحدة، لأن التقلب بين التدليل والصرامة دون حدود واضحة يقود إلى ازدواجية المعايير وتخبط السلوك وتشوه الرؤية لدى الأبناء. كما ينبغي أن يكون للوالدين ثبات انفعالي بين المسموحات والممنوعات، وبين الثواب والعقاب، والإعطاء والمنع، والأخذ والعطاء. كل ذلك يؤدي إلى تكوين شخصية سوية تستشعر قوة ذاتية وترغب في استقلال سليم بالذات يؤسس قدرة للوقوف برسوخ عند التعامل مع الآخرين.

ومن مهارات الدبلوماسية الوالدية النظر إلى بعض القضايا التي تخص الأبناء بمنظورهم هم وليس بمنظورنا نحن كأفراد كبار، فهذا قد يمكننا من تبرير بعض سلوكياتهم، وتقدير وجهات نظرهم، وقد يمتد الأمر للاقتناع بأفكارهم وآرائهم. ولنعلم أننا نختلف عبر مراحل حياتنا؛ فلو تأملنا أنفسنا لوجدنا حياتنا سلسلة من حالات وجدانية وعقلية، ولكل حلقة من هذه السلسلة ما يميزها من بقية الحلقات؛ فليس ما نشعر به الآن من ضيق أو سعادة هو نفسه الضيق والسعادة التي استشعرناها في مراحل حياتنا السابقة ولاسيما عندما كنا صغاراً.

إن الدبلوماسية الوالدية تقتضي فهم أبنائنا والتعامل معهم وفق منظورهم وتعديل سلوكياتهم بناء على وعي بطبيعة التغيرات العاطفية والعقلية التي يمرون بها، مما يمكننا من أن اصطفاء أبنائنا وفق ما نريد.

اترك تعليقاً