الرئيسية / مقالات مختارة / الحرب تحرق الطفولة في سورية وتنسف قواعد التعايش

الحرب تحرق الطفولة في سورية وتنسف قواعد التعايش

 عباس سرحان

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات

 في آذار الماضي نشر مسلحون مقطع فيديو يظهر طفلا سوريا يقوم بمساعدة وتوجيه من قبل بعض المسلحين بقطع رأس أحد الأشخاص المربوطين، ويفلح في النهاية في إنجاز المهمة ويُقابل بترحيب المسلحين الذين تواجدوا في المكان. ولم يكن هذا المقطع المروع الوحيد الذي يظهر بشاعة الجماعات المسلحة في قتل براءة الطفولة السورية وترسيخ قيم العنف بين الأطفال.

ففي كانون الأول أظهر مقطع مصور آخر مسلحا وسط جمع من تلاميذ المدارس لم تتجاوز أعمارهم 15 سنة، وهو يتلو بينهم قيم ومبادئ تنظيم القاعدة التي تبيح دم الآخر ولا تؤمن بالتسامح بين البشر، وبدا مقدار الصدمة التي ظهر عليها الصغار واضحا وهم يستمعون، وربما للمرة الأولى إلى تلك المبادئ العنيفة التي تدعوهم إلى قتل أصدقائهم وجيرانهم من الطوائف الأخرى لا لشيء سوى أنهم يختلفون معهم في التصنيفات الدينية أو العرقية.

معلوم أن الصغار في مثل تلك الأعمار لم يعرفوا بعد معنى أن يكون المرء مسلما أو مسيحيا، سنيا أو شيعيا، فهذه المسميات لا تعني لهم الكثير بقدر ما يعني لهم اكتشاف الحياة من حولهم والتعرف على أصدقاء ورفاق جدد وقضاء وقت سعيد بمرح وعفوية.

دين الصغار هو اللهو والحب وعقيدتهم تبادل المحبة مع أقرانهم، لذلك كان الأمر صادما بالنسبة لهم وهم يسمعون دعوات الذبح والقتل، ويعد ذلك أسوأ منهجية حياتية يمكن أن تقدم للصغار من قبل تنظيمات متطرفة.

وقد استخدم الأطفال في الحرب السورية على نطاق واسع من قبل الجماعات المسلحة، كما دفعوا ثمنا باهظا للبراميل المتفجرة التي تلقيها طائرات النظام على المناطق خارج سيطرتها دون تمييز بين المسلحين والأهالي وهو ما يُعد انتهاكا صارخا للأعراف والمواثيق الدولية التي تمنع إشراك الأطفال في الحروب.

 فقد نص البروتوكول الأول والثاني الملحق باتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 على أن سن الطفل حتى 15 سنة، وحثا “الدول الأطراف في الاتفاقية اتخاذ كل التدابير اللازمة لضمان أن لا يُشارك من هم دون 18 سنة من أفراد قواتها المسلحة بأعمال عسكرية بشكل مباشر “.

لكن الجماعات المسلحة في سورية استخدمت الأطفال دون الخامسة عشر في أعمال حربية بلا مراعاة للضوابط والمعايير الدولية وهي تتحرك بناء على منهجية العنف الذي تؤمن به ما يجعلها الأكثر خطرا على السلم والأمن الدوليين، خصوصا في ظل افتقارها لقيادات ناضجة واضحة.

الأطفال ولعنة المخيمات

لم يكن التحدي الأكبر الذي يواجه أطفال سورية حكرا على من وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع تنظيمات متطرفة لا تؤمن بالتعايش، ولا على الآخرين منهم ممن اضطروا إلى العيش تحت أزيز الرصاص وانفجارات الصواريخ والقذائف التي تتبادلها الأطراف المتحاربة منذ نحو ثلاثة أعوام.

فالأطفال السوريون ممن تركوا منازلهم عنوة ولجأوا مع أسرهم إلى مخيمات اللجوء في البلدان المجاورة يعانون من ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وقدّرت منظمة اليونيسيف عدد الأطفال السوريين ممن عانوا من برد الشتاء الأخير بنحو 5,5 مليون طفل، فيما أعربت الأمم المتحدة عن فشلها في إيصال المساعدات إلى اللاجئين داخل سوريا وبينهم عدد كبير من الأطفال بسبب حدة القتال ومحاصرة المناطق السكنية من قبل قوات النظام ومن قبل قوات المعارضة والجماعات المسلحة.

ويواجه الأطفال السوريون في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة ظروفا معيشية واجتماعية بالغة السوء في ظل انعدام الظروف الصحية والبيئية المناسبة ولاسيما خلال فصل الشتاء، حيث تنتشر الثلوج والمستنقعات حول مخيماتهم التي لا تقوى على الصمود طويلا، ما دعا منظمة اليونيسف إلى توجيه نداء دولي عاجل أعربت فيه عن حاجتها إلى المزيد من الأموال لمساعدة الأطفال السوريين وتوفير الغذاء والدفء لهم مقدرة حاجتها من الأموال بنحو 13 مليون دولار.

وفيما توفي عدد من الصغار دون الخامسة داخل سورية وفي مخيمات اللجوء بسبب انخفاض درجات الحرارة في الأشهر الماضية تزداد المخاوف من تفشي الأمراض بين 500 ألف طفل دون سن الخامسة يعيشون في دول الجوار السوري.

ومع أن المنظمات الإنسانية اتخذت احتياطات سريعة فوزعت ملابس وبطانيات على الأسر المهجرة. لكن الافتقار إلى الدفء كان التحدي الأكبر في ظل انعدام مساكن مؤهلة تحمي اللاجئين من البرد والثلوج ومن الأمطار.

التعليم المفقود

ولم يكن التحدي المعيشي والأمني هو الوحيد الذي يواجه الأطفال السوريين في سورية وخارجها، بل هناك تحديات أخرى تتمثل في انعدام التعليم في عديد من مناطق البلاد التي تشهد نزاعا عنيفا، وتراجعه بحدة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الجماعات المسلحة بعد تدخل هذه الجماعات بمناهج التعليم.

وقد ألحق النزاع أضرارا بالغة بالبنى التحتية لقطاع التربية والتعليم، فهدمت عشرات المدارس، وتضررت أخرى كما اضطر النازحون من مناطق الصراع إلى السكن في الأبنية المدرسية وهو ما تسبب بتعطيل الدوام فيها، أما في الدول المجاورة فانعدمت فرص التعليم بالنسبة للأطفال اللاجئين.

ويقدر عدد من حرموا من الدراسة بسبب الحرب بنحو ثلاثة ملايين طفل، ما يعني ان هؤلاء يواجهون مستقبلا مجهولا يفقدهم الفرصة بظروف معيشية جيدة، ويعد هذا التراجع نكسة كبيرة بالنسبة لبلد مثل سورية كانت نسبة الإقبال على المدرسة بين أبنائه تبلغ نحو 97% قبل أن يشهد الحرب الأهلية.

وتشير بعض الدراسات التي أعدتها الأمم المتحدة حول الأوضاع في سورية إلى أن النزاع المسلح تسبب بمقتل وهجرة العشرات من المعلمين وانهيار عشرات المدارس، فيما بينت الدراسة أن ما بين 500 و600 ألف طفل سوري قد لجأوا إلى خارج البلاد بصحبة أسرهم ولم يتمكنوا من مواصلة تعليمهم.

وعدّت الدراسة المناطق الأكثر تضرراً في سورية من ناحية التعليم هي تلك التي تشهد أشد أعمال العنف، ومنها الرقة وإدلب وحلب ودير الزور وحماة ودرعا وريف دمشق، وفي بعض هذه المناطق انخفضت معدلات الحضور في المدارس إلى 6 في المائة.

وتشكل اللغة واللهجة بالإضافة إلى اختلاف المناهج الدراسية عوائق أساسية أمام اندماج الأطفال اللاجئين في مدارس بلدان اللجوء، في حال سُمح لهم بالدراسة، كما يعتبر الظرف القاسي ومشاعر الغربة واكتظاظ المدارس في الدول المضيفة أسباب أخرى لعدم رغبة اللاجئين السوريين في السماح لأبنائهم بالذهاب إلى تلك المدارس.

وتبرز الحاجة ماسة لتحرك دولي لإنقاذ الأطفال السوريين وإعادتهم إلى المدرسة، سواء في داخل بلدهم أو في الدول المجاورة من خلال الاتفاق مع الدول المضيفة على قبولهم في مدارسها أو تخصيص مدارس مدعومة من منظمات دولية في مخيمات اللجوء.

مسؤولية المجتمع الدولي

المسؤولية الأخلاقية تحتم على المجتمع الدولي العمل على وصف الأطراف التي تجبر الأطفال على الانخراط في الصراعات الداخلية والحروب الدولية على أنهم مجرمو حرب ويُرتب على هذا الوصف عقوبات رادعة، ولا يكتفي فقط بالدعوة إلى احترام حقوق الطفولة.

 ومن المؤكد أن الأمم المتحدة تملك من الأدوات ما يجعلها قادرة على الذهاب بعيدا في هذا الاتجاه لمنع استخدام الأطفال في النزاعات.

هذا إلى جانب العمل على وضع إستراتيجية شاملة توضّح معالم التعاطي مع التحديات التي تواجه الأطفال في النزاعات بإيجابية وعدم الاكتفاء بردات الفعل، فيمكن للأمم المتحدة مثلا صياغة اتفاقية تكون ملزمة للأطراف الموقعة عليها تفرض على تلك الأطراف احتضان الأطفال اللاجئين في مدارسها بمساعدة الأمم المتحدة.

بالإضافة إلى مساعدة الأطفال المنكوبين من الصراعات على تجاوز أزماتهم المعيشية والنفسية من خلال افتتاح مراكز تأهيل فعالة قريبا من مخيماتهم وأماكن تواجدهم.

اترك تعليقاً