الرئيسية / مقالات مختارة / الحرب العالميّة الثّالثة كانت عربيّة

الحرب العالميّة الثّالثة كانت عربيّة

فتحي العكرمي

كاتب تونسي

 

من حرب طروادة إلى داحس والغبراء وصولا
إلى الحربين العالميتين يوجد عدّوان أو أعداء بمصالح متناقضة وبمرجعيات متصارعة: الدين
ضد الوثنية والرِّدّة، النّازية في مقابل مُجمَل العالم، الاشتراكيّة
والرّأسماليّة، الحرب الباردة بين القطبين … دولة تريد السّيطرة على مُقدَّرات
دولة ضعيفة اقتصاديّا وعسكريّا وغير مَسنودة من طرف قويّ وفاعل حقيقي في العالم
وصولا إلى الحروب الافتراضيّة المعاصرة.

 غير أنّ تاريخنا العربي الحديث والمعاصر
جاء بلون جديد من الحرب فأضحى العدُوّان على نفس الأرض وبذات التّاريخ وبنفس
المرجعيّة الدّينيّة أو على الأقلّ اشتراكهما في الإيمان بالله وما يقتضي ذلك من
اعتقاد ثابت في العِقاب الجزاء منه والعذاب ورفض الاستبداد والقتل والتّشريد
والتّجهيل وسرقة قوت الضّعفاء وتثبيت الحاكم بقُدسيّة مطلقة وربط البلاد باسم
القائد وجعل حبّ العَلَم يدلّ على رغبة الشّعب في بقاءه هو وحزبه الأوحد. 

خرج الاستعمار البريطاني والفرنسي من
المُستعمرات التي تقاسمتها الدّول التي كانت تبحث وماتزال عن تقوية اقتصادها
بافتكاك ثروات الآخرين منذ الحرب العالميّة الأولى، غير أنّه ترك موروثا قسّم
الدّول العربيّة على مستوى اللّغة حيث أصبحت لغة الضّاد على هامش الكلام، وغرس
ثقافة دخيلة قتلت كل مكتسبات الحضارة العربيّة التي قام بترجمتها بواسطة
المُستشرقين والاستفادة من إبداعاتها العلميّة والفلسفيّة والأدبيّة والفنّيّة في حين
كان العالَم العربيّ متروكا للتشتّت وللتّجهيل وانعدام البنية التحتية وغياب
المختصّين في كل المجالات الأساسيّة : الصحة، التعليم،الاقتصاد وأساسا القادرين
على إدارة شؤون أوطان تبدأ من نقطة الصّفر . 

وحين رحل الاستعمار بجيوشه ثبّت في
الدّول التي استعمرها الحدود والعروش والتّبعيّة له في الاقتصاد والعلوم والتّقنية
واللّغة. من الحدود إلى المُخيّمات ومن المَلَكيّة إلى الانقلابات بدأت الحرب
العربيّة العربيّة بغزو العراق للكويت وباستعمار الأخير من طرف الدّول الغربيّة
ومن ساندها من العرب، مع الصّراع الإيراني الخليجي والجفاء بين الجزائر والمغرب
وما وقع في تونس أحداث قفصة- حين أراد القذّافي توحيد البلدين وسنوات الجمر في
التسعينيات في الجزائر وما خلّفته من ضحايا ،و الصراع مع الكيان الصهيوني الذي كان
اهتماما عربيّا وأصبح اليوم شأنا فلسطينا خاصّا بعد أن عدّلت بعض الدّول العربيّة
حِساباتها وفقا لمصالحها مع الولايات المتّحدة وأهمّها بقاء عرش الحاكم.

 وفي أثناء هذا تأجّج الصّراع داخل الوطن
الواحد فالحرب اللّبنانبّة بين الطّوائف المتعددة حصدت الكثير من الأرواح وأجّلت
تطوّر هذا البلد وفي الأخير كانت حربا عبثيّة لم تنتج سوى الموت، إضافة إلى
الأقلّيات العِرقيّة التي تبحث عن مشروعيّة وجود مثل الأكراد وما مثّله ذلك من
مشاكل للعراق وتركيا وفي جواره الصراع الخليجي الإيراني الذي تحرّكه دوافع دينيّة (الشيعة/السُّنّة)
وأخرى حضاريّة (الفُرس/العرب). 

وداخل الوطن الواحد يوجد انقسام بين
تيّارات دينيّة مُتعدّد ة- رغم أنّ اللّه واحد – وما صاحب ذلك من صراعات خفيّة
وعلنيّة يُحرّكها هاجس حُكم البلاد بالنّمط العقائدي والاجتماعي والاقتصادي الذي
تراه الوحيد الممكن. هذه الصراعات متداخلة المصالح والمرجعيات والسَّند الذي
يدعمها وفق أجندات متناقضة تُحرّكها الدّول الكبرى : روسيا-الولايات المتحدة-إيران
وقبلهم وبعدهم إسرائيل.

 هذه الأمراض المزمنة ظهرت في هيجان
الشّعوب النّاتج عن تراكم السلبيات وكنتيجة عميقة للانقسام الحاد بين متناقضات
عالمية وإقليمية ووطنية : الحاكم /المواطن، العاصمة/الرّيف، الأغنياء الحاكمون /الفقراء
التّابعون، تضارب المصالح بين البلدان العربيّة، تناقض المرجعيات الدينية (شيعة-سُنّة-الجهادية-
التكفيرية…)، المواجهات العسكريّة المتقطّعة بين حزب اللّه وإسرائيل،

 ما أنتجته الحرب الباردة من شقّين: المسنودون
من روسيا ومن الولايات المتحدة الدّول الغنيّة بثروات طبيعيّة والأخرى الفقيرة،
أمركة العالم بواسطة عولمة حوّلت كلّ شيء إلى بضاعة لها ثمن: الجسد والفكر والوطن
والعقيدة والقِيَم. 

فالدول الكبرى تقيم حروبا بالوكالة
بواسطة تابعيها وتستعمر مباشرة أو بشكل مُؤجل المناطق التي توفّر لها ثروات مختلفة
خاصّة في الوقت الرّاهن الذي بدأ فيه الصّراع على ثروة مائيّة بدأت تنضب وأساسا في
منطقة الشّرق الأوسط ونفطيّة لها عمر معيّن بينما الطّاقات البشريّة فهي ليست
مشكلا فهي موجودة خارج أوطانها طوعا أو كرها. 

في ظلّ هذه الظروف العالميّة والإقليمية
والوطنيّة المتشابكة المصالح والرّهانات ظهر صراع تحوّل إلى حرب داخل الوطن الواحد
ـ كما كشفت عنه الثّورات – بين سلطة حاكمة من جهة وفي المقابل تيّارات من داخل
الوطن ومن خارجه حيث تختلط الأجندات ومن ورائها من يدعمها مع ما يرافقه من بيع
للأسلحة لتدمير الأوطان وزهق الأرواح التي لاتساوي شيئا عند القاتل بينما هي عند
اللّه تساوي النّاس جميعا. 

ما سيجعل الحرب العالميّة عربيّة هو أنّ
كل العالم بشكل مباشر أو خفيّ تدخّل ومازال إلى اليوم وسيظلّ كذلك في ما وقع
مؤخّرا في بعض الدّول العربيّة: النّاتو في ليبيا، إيران وحزب الله وروسيا وفرنسا
والولايات المتحدة وبعض الدول العربية في الأزمة السّوريّة، تزكية الحكّام ما بعد
الثورات من طرف الدّول الكبرى، وذلك يعني أنّ الحرب عربيّة الهويّة بينما محرّكها
عالميّ والمصالح المُنتظرة منها متعددّة: دينيّة وليبراليّة ورأسماليّة وقوميّة
واشتراكيّة …، 

 فلم تعد شِيَمُنا الأخلاق والصِّدق وحماية
الضّعيف الذي صنعناه نحن في بلدان غير عادلة بل أضفنا لها قيمة جديدة كتبها
التّاريخ وهي فنّ إدارة الحرب وإتقان القتل والإفراط في الوحشيّة أو ربّما تحقيق
حلم هتلر في القضاء على العرب ليس بغزو خارجي بل بأيديهم.

 فلا مبرّر لما حدث وما يوجد الآن وما
سيأتي إلا إذا كنّا قد فقدنا إنسانيتنا وعقولنا ومشاعرنا ودفاعنا عن وجودنا
فانجررنا إلى حرب ستنتهي في الأخير إلى ربح للجميع في مقابل خسارة للعرب لا يمكن
تعويضها بعد أن رمانا التّاريخ ُ في مِلفّاته المُخصّصة للشّعوب التي كان وجودها
كعدمه وكانت تغوص في حروب لا توصل إلا إلى فناء العرب ليزداد حسن بقاء بقيّة
الشّعوب أو ربّما هو كرمنا المُتطرّف كميزة جديدة لم تعرفها البشريّة سابقا نصنع
به عَبثيّة وجنونا وسلبيّة مطلقة وكراهيّة مفرطة لوجودنا وانقطاع كامل عن قِيمنا
وعقولنا واللّحظات المضيئة في تاريخنا وحضارتنا . 

فالحرب العالميّة الجديدة تدور في
الأوطان العربية تحصد أرواح المواطنين وتستنزف المكتسبات وتستورد السلاح وتخدم في
النهاية الآخرين المستفيدين منها دون أن يخسروا شيئا بل إن ربحهم منها عظيم لأنّهم
يروّجون سلاحهم ويجرّبونه على أجساد عربيّة تموت لتعيش بقية الشعوب. 

فإذا كان هوبز قد افترض منطقيّا أنّ
الإنسان قبل أن يصنع الدولة كان يعيش حالة الطبيعة التي تتميّز بالفوضى والعنف
والقتل العنيف والافتكاك والغياب الكامل للحق وللحرّيّة وللنّظام، فماذا سيقول
الآن عن وضعنا العربي؟، وإذا كان محمّد الماغوط قد كتب قبل سنوات الفرح ليس مهنتي
فأظنّ أنّه لو كان حيّا لكتب الحرب مهنتنا، ويصبح ديوان غادة السّمان أعلنت
عليك الحرب عوضا عن أعلنت عليك الحبّ.

اترك تعليقاً