الرئيسية / مقالات مختارة / الثابت والمتغير في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة

الثابت والمتغير في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة


الدكتور مؤيد الونداوي
 

 المركز العراقي للدراسات الستراتيجية

تأتي هذه المقالة الاولى في اطار سلسلة مقالات تتعرض للانتخابات المقبلة

يوم الخامس والعشرين من تشرين الثاني 2012 انتهت المهلة التي حددت لتسجيل الكيانات السياسية التي تنوي المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات المزمع تنفيذها في نيسان 2013 ، وكما هو معلن حتى الان من قبل مجلس مفوضية الانتخابات العراقية المعين حديثا، والذي وبعد اسابيع طويلة من تسميته من قبل البرلمان العراقي، بعد ان تقاسمت كتله الكبري مقاعدها بدلا من اتباع حقائق المنطق والعقل في ان يكون مجلس المفوضية مختارا من اشخاص محايدين تماما، نجد ان مجلس المفوضية هذا عاجزا  حتى الان عن تسمية رئيس له.

قيادة المفوضية الحالية ستعمل في اجواء جديدة بخلاف تلك التي سبقتها والتي كانت خاضعة ومتابعة عن قرب تماما وبنفوذ واسع من قبل فريق الدعم الانتخابي التابع لبعثة الامم المتحدة العاملة في العراق (يونامي)، وهو فريق تعرض لاكثر من انتقاد من قبل بعض الفرقاء السياسيين، ولكننا نجده لا يزال مصرا اليوم على تقديم مثل هذا الدعم وان بدرجة لن تصل إلى ما كان بوسعه تقديمه فيما مضى، كما ان قيادة المفوضية ستكون مكشوفة تماما بعد ان غادرت القوات الامريكية البلاد، التي كان لها دورها في اداء المفوضية سابقا بما في ذلك تجميع ونقل وحماية الصناديق الانتخابية، واخيرا  فان توقيت تنفيذ الانتخابات سيأتي في وقت بالغ الاهمية خصوصا وان الملف السوري وتداعياته المحتملة ومنها رحيل نظام الاسد، والمتوقع ان يزداد حدة وسخونة مطلع العام القادم، سيكون له هو الاخر تاثيره على الشأن العراقي، ولهذه وغيرها من الاسباب الاخرى ستكون الانتخابات المقبلة امتحانا صعبا للمفوضية في مجال بيان قدراتها وحياديتها في العمل خصوصا قدرتها على منع وقوع حالات تزوير ومثلما جرى من قبل.

المؤشرات الاولى لعمل مجلس المفوضية الجديد وتحديدا فيما تقدمه من بيانات عما يتم انجازه يوميا في مجال تسجيل الكيانات السياسية، يبدو واضحا انها لم تبتعد كثيرا عن تلك التي سبقتها، وهكذا مرة أخرى يجد المتتبعون والمتخصصون انهم امام مأزق كبير في متابعة الانتخابات المقبلة بالاستناد على ما تقدمه المفوضية من بيانات عبر موقعها الالكتروني يستفاد منها من قبل هؤلاء في تقديم رؤى متقدمة وتوقعات وتحليلات لما يمكن ان تكون عليه نتائج الانتخابات المقبلة. على سبيل المثال ولغاية يوم 21 تشرين الثاني لم يعرض موقع المفوضية اسماء الكيانات ال 23 التي تمت المصادقة على تسجيلها وفي الوقت ذاته ينقل الموقع خبرا اخر يفيد ان هنالك 75 كيانا سياسيا قد صادق على تسجيلها، وبالتالي ليس من تبرير لهذا المنهج المكرر في اداء وعمل المفوضية، ويفهم منه وجود قصد واضح في حرمان المتخصصين والمهتمين بهذه الانتخابات من المعلومات.

كما ان المجلس الحالي سيجد نفسه امام معضلة جديدة وهي القرارات الاخيرة التي اصدرتها المحكمة الاتحادية ذات الصلة وطريقة احتساب ما ستفرزه العملية الانتخابية من نتائج وتوزيع المقاعد على الكيانات الفائزة والخاسرة، وهو موضوع لم تتدخل فيه المحكمة وقتها على الرغم من مطالبة الكثير من الكيانات السياسية عند وبعد اجراء الانتخابات الماضية بضرورة ان لا يتم اهمال اصوات الكتل التي حققت نتائج كبيرة ولكنها لم تتمكن من تحقيق ما يعرف بالعتبة الانتخابية والاصوات المطلوبة لتحقيق هذه العتبة. توقيت صدور قرار المحكمة الاتحادية الجديد له مغزى سياسي وهو رسالة اطمئنان بعثتها التماسيح السياسية الكبيرة للاسماك الصغيرة لتضمن مبكرا سكوتها ولكي تتهيأ وترتب شكل تحالفتها مع الاخرين. ومن المستغرب أيضا ان المحكمة الاتحادية لم تلتفت تماما لمخالفة دستورية واضحة ارتكبتها القوى السياسية المهيمنة داخل البرلمان عندما تعمدت تماما عدم تنفيذ انتخابات مجالس الاقضية والنواحي، وهي انتخابات ذات اهمية وطبيعة خاصة بوصفها القاعدة الحقيقية والمرتكز الاساسي والنسغ الصاعد المعبر عن حقيقة رؤية المكونات الاجتماعية الصغير المتوزعة في جميع ارجاء البلاد لمن يستحق ان يمثلها في الحكومات المحلية والبرلمان، وكان الاجدى بالمحكمة الاتحادية ان تعترض على تنفيذ جولة جديدة من انتخابات مجالس المحافظات بينما يستمر حرمان المواطن العراقي في اختيار وانتخاب ممثليه في الاقضية والنواحي واستمرار اخضاعهم لادارات تتحكم بها الحكومة والاحزاب المهيمنة على صنع القرار في هذه المحافظة او تلك. وعلى اية حال فان قرار المحكمة الاتحادية هذا وقرار مجلس المفوضين بمنح المكون التركماني في بغداد مقعدا مضاف لعدد المكونات الاخرى (مسيح – صابئة) لن يغير كثيرا مما هو قائم اصلا بموجب القانون الانتخابي النافذ الذي يضمن للتماسيح الكبيرة الفوز ما دام المواطن ليس امامه خيارات كثيرة في التعبير عمن يجب ان يمثله، وهو مجبر بالتصويت اما لشخص أو قائمة او كليهما معا فيما يخص الائتلافات او ان يعزف عن المشاركة.

وفيما يتعلق بتنفيذ قانون المساءلة والعدالة بحق المرشحين لخوض الانتخابات المقبلة نجد ان مجلس المفوضية اتخذ مبكرا قرارا بمنع مشاركة الكيانات السياسية التي تم حرمانها في الانتخابات السابقة مع علم المجلس الحالي ان قرارات هيئة المساءلة والعدالة كانت تعمل فيما مضى بطريقة وفي اجواء سياسية خضعت لتدخل قوى سياسية معروفة في عملها واتضح ذلك بشكل جلي عندما تم حرمان صالح المطلك وجمال الكربولي وغيرهم من خوض الانتخابات العامة، ولكن فيما بعد تم تسمية المطلك لمنصب نائب رئيس الوزراء بموجب توافقات سياسية، وعاد الكربولي لممارسة دوره السياسي عبر تعطيل قرار ملاحقته قانونا عن قضايا متهم بها. ولهذا كان من الاجدر ان تسمح المفوضية بقبول وثائق الكيانات السياسية ابتداء ومن ثم تعمل بالتنسيق مع هيئة المسائلة والعدالة لتحديد من يبقى ومن يخرج من هذه الكيانات، وبالتالي فان الرسالة المقصودة هي ان يتجنب مجلس المفوضية الحالي ومن خلفه القوى السياسية التي انتجته إثارة موضوع الاجتثاث من جديد.

ولاجل ان نتعرف مبكرا على الكيانات السياسية (افراد – احزاب – ائتلافات) التي ستخوض الانتخابات المقبلة وما يمكن ان تحققه من نتائج محتملة لا بد ان نراجع اولا الانتخابات الماضية وما حققته هذه الكيانات من نتائج سواء على المستوى الوطني او على مستوى كل محافظة لكي يمكن وفي ضل المعطيات السياسية القائمة والمحتملة ان نقدم تصورات مبكرة لما يمكن ان تحققه الكيانات السياسية التي تم الاعلان عن تسجيلها حتى الان وهي بعدد نهائي اقل بكثير من عدد الكيانات التي تنافست بالانتخابات الماضية التي بلغ عددها 503  كيانات، ولكنها في ذات الوقت معظمها كيانات سبق لها وان كانت طرفا في الانتخابات السابقة.

انتخابات مجالس المحافظات التي تمت في  13 كانون الثاني عام 2009  شملت جميع المحافظات عدا المحافظات الثلاث التي يتالف منها اقليم كردستان وكذلك محافظة كركوك التي لا يزال هنالك عدم اتفاق بشأنها بسبب اصرار حكومة كردستان على انها محافظة متنازع عليها. ولقد جرت الانتخابات بموجب قانون صدر باسم قانون انتخاب مجالس المحافظات والأقضية والنواحي والذي تم تشريعه بتاريخ 25 أيلول 2008  والذي اعتمد نظام القائمة المفتوحة ونظام القائمة المغلقة في آن واحد كما سمح القانون للكيانات السياسية المسجلة (أفراد أو جماعات) حق تكوين ائتلافات فيما بينها، وبذلك كان بوسع الناخب اما أن يختار مرشح واحد أو أن يمنح صوته لحزب معين أو إلى قائمة ائتلافية. ولقد سجل ابتداء (503 ) أحزاب وكيان سياسي اتفقت فيما بينها وشكلت ائتلافات.

وعلى الرغم مما أثير وقتها بحصول عيوب اثناء تنفيذ العملية الانتخابية سببتها المفوضية أو حصول تدخلات من هذا الطرف السياسي أو ذاك فإن النتيجة النهائية أوضحتها بعثة الأمم المتحدة العاملة في العراق بأن الانتخابات جرت بطريقة سليمة ووفق المقاييس المتعارف عليها دوليا وقد شارك فيها 7.5 مليون ناخب يشكلون  ما نسبته 51% من أصوات الناخبين المؤهلين مما دل عن وجود عزوف مهم وقتها عند الناخب العراقي وهو عزوف هنالك مؤشرات كثيرة تدل على انه سيتكرر بشكل اوسع واكبر مرة اخرى.

 الطبيعة السياسية للنتائج النهاية لانتخابات 2009  لم تشكل مفاجئة للمراقب الحصيف وقتها ومن الواضح ان الانتخابات المقبلة ستشهد متغيرات ولكنها لن تكون متغيرات حادة ولن تغير كثيرا من شكل المشهد السياسي القائم حالياعدا خروج اعداد مهمة من الاعضاء الحاليين ودخول اعضاء جدد، وهو امر كان واضحا في انتخابات البرلمان العراقي إذ عاد حوالي 60 عضوا من بين ال 225 وهو عدد اعضاء البرلمان في دورته السابقة وقبل ان يصبح العدد 325 عضوا في دورته الحالية. ولهذا نجد ان عدد من اعضاء المجالس الحاليين بادر واسس حزبه الخاص به وتعد الخطوة التي أقدم عليها محافظ الانبار خطوة بهذا الاتجاه.

في انتخابات 2009 ثمان قوى سياسية حصدت معظم المقاعد البالغ مجموعها الإجمالي (440 ) مقعدا. فقد أحرز الائتلاف الكبير الذي شكله رئيس الوزراء نوري المالكي وهو ائتلاف دولة القانون اكبر عدد من الأصوات ومن ثم المقاعد إذ حصل على (126) مقعدا أي ما نسبته 28.6 % . قائمة شهيد المحراب والقوى المستقلة التي يتزعمها عبد العزيز الحكيم فقد حصلت على ( 53) مقعدا  وبذلك سجلت تراجعا كبيرا قياسا لما حققته في الانتخابات السابقة. يلي في النتيجة الصدريون، الذين عانوا ظروفا سياسية وتنظيمية صعبة بسبب العمليات الأمنية التي طالتهم منذ شهر آذار عام 2008  وقد قرروا عدم المشاركة باسمهم ولكنهم قرروا  منح تأيدهم لقائمة تيار الأحرار المستقل وقد حصلت  على (41) مقعدا بنسبة 9.3 % ، ثم الحزب الإسلامي سواء باسمه أو من خلال الائتلافات التي شكلها مع أخريين مثل التوافق الذي تزعمه الدكتور عدنان الدليمي إذ حصل على (32) مقعدا. العلمانيون ومنهم الائتلاف الذي شكله الدكتور صالح المطلك باسم تجمع المشروع العراقي الوطني وهو ائتلاف كبير فقد حصل على (19) مقعدا بنسبة 4.3 %، في حين حصل حزب الدكتور أياد علاوي القائمة العراقية الوطنية الذي قرر خوض الانتخابات منفردا على (28) مقعدا . الدكتور إبراهيم الجعفري وحزبه الجديد تيار الإصلاح الوطني فقد حصل على ( 23 ) مقعدا بنسبة 5.2 %. أما الأكراد وتحالفاتهم فقد حصلوا وعبر أكثر من ائتلاف على ( 20 ) مقعدا.

كيانات سياسية أخرى حققت نتائج مهمة على مستوى عموم القطر او على مستوى محافظة منها قائمة الحدباء التي تزعمها أثيل النجيفي فقد حصلت على (19 ) مقعدا بنسبة 4 %. في حين حصل كيان أمل الرافدين في كربلاء على (9) مقاعد، وتحالف صحوة العراق في الانبار على (8) مقاعد، وتحالف المثقفين والعشائر في الانبار على (6) مقاعد، والوفاء للنجف على (4) مقاعد. بقية الأحزاب التي حققت نتائج هي الأخرى فقد تراوحت نتائجها ما بين 2-3 مقاعد. كيان سياسي ممثل بشخص واحد حقق لنفسه فوزا كاسحا في محافظة كربلاء هو السيد يوسف الحبوبي في حين لم يتمكن أي كيان سياسي على مستوى فرد من تحقيق الفوز.

وفيما يلي صور توضيحية للنتائج على مستوى القطر وأيضا لكل محافظة لاجل الاستذكار خصوصا وسوف تقدم فيما بعد نتائج الانتخابات المقبلة ومن ثم مقارنة للمتغيرات الجارية وتقديم توضيحات بشأنها.

مما تقدم بوسعنا وفي مقالتنا القادمة وفور توفر المعلومات الرسمية التي ستعلنها مفوضة الانتخابات عن الكيانات التي تم تسجيلها، وعلى ضوء ما هو متوافر من معلومات لدينا حول سلوك الكيانات والائتلافات الكبيرة القائمة والتحالفات الجديدة المحتملة سوف نقدم في مقالتنا القادمة بيانات تفصيلة جديدة مع تحليلات لما هو متوقع ان تحققه هذه الكيانات السياسية في الانتخابات القادمة.

اترك تعليقاً