الرئيسية / مقالات مختارة / التواصلية الابداعيه وأثرها في تطوير الفن الحديث

التواصلية الابداعيه وأثرها في تطوير الفن الحديث

محمود نائل

لو كان الفن وسيلة للرفاهية والبذخ كما يقال احياناً،لمات هذا الفن وما عاد وسيلة للتحدي ونمط من الرؤيا يمنح الانسان قوى جديدة لمواجهة اغترابه وهزائمه غير المحدودة واللامنتهية.
أن اهم مايميز النشاط الانساني في الفن هو التواصل والتطوير والتحديث من خلال تلاقح الخبرات الفنية عن طريق العمل والمشاهدة والنقد والمطالعة والتذوق الفني .

لقد أتخذ فنانو الحداثة من خلال التقصي والبحث والعمل والتجريب الكثير من الفائدة التي جعلتهم حديث الحاضر والمستقبل،وهذا ما جعل للرسم الحديث مكانته المرموقه اجتماعيا وفكريا،

وقد كانت الاعمال الابداعية تشكل حضوراً مميزاً في الحياة الانسانية ،ورغم ذلك لم يقف رسامو الحداثة عن التجديد والابتكار ،واننا نؤكد من خلال هذه الدراسة ان الكثير منهم قد أسس لأكثر من مدرسة فنية وإتجاه فكري من خلال رؤيته للواقع وتأويلها وصياغة فرضيات جديدة وحلول اصيلة ترقى الى الابداع ،

و كانت هناك صعوبة في تصنيف أعمال الفنانين على مذهبها أو انتماءها الى مدارس فنية محددة ،فتفرد “شاغال”المثير،وطابعه المميز الذي نشاهده من خلال رؤيتنا لأعماله يجعلنا حيارى إزآءها فقد نقول انها سريالية للوهلة الاولى ،ثم نعود لنجد فيها ما يؤيد تجريديتها مرة أخرى،وقد نلمح في ثناياها منجزات تكعيبيه أو إنطباعية أو ما بعد الانطباعية أو واقعية أو ما فوق الواقعي،

إن هذا العمق الفكري في أعمال الفنان العبقري ماهو الا دليل على تواصله مع الفن ليمزجه مع الحياة ،ليخرج جديد وفكر أصيل يضيف للفن الحديث ما يجعله خالد ،ودليلاً على إن التجربة والتواصل هما من يصلان بالفنان الى الأصاله الفنية،التي تؤثر في الفكر الانساني وتؤثريه،

كذلك حال الرسام العالمي الكبير”فان كوخ”فقد لعب “كوخ” دوراً مهماً للتمهيد لعدة حركات ونزعات فنية في الفن الحديث ،كالتعبيرية التي ساد إسلوبها أكثر المسالك الفنية فيما بعد،والتي مهدت ل”أوسكار كوشكا” وغيره ،

كذلك أثرت في الشاعرية التي إنطلقت في أعمال الفنان “راؤول دوفي” وللمعمارية التي أسهمت الى حد بعيد في تحقيق التكعيبية والبنائية ،

ان نتاجات “كوخ”الفنية الاثر الاكبر الذي اسهم في إثراء الرسم الحديث فهو يعد بحق من أهم الفنانين الذين أثروا مدارس الفن الحديث من خلال رؤاءه وأفكاره،ولوحاته الفنية التي تركها لأقرانه من الرسامين الذين حققوا العالمية فيما بعد ،

لقد كان “كوخ” صادقاً بإحساسه وانفعالاته وتوثيقها باللوحات الفنية ،وكثرة التجارب التي كان يقوم بها في فن الرسم ،كان يرسم الحقول الخضراء تارة وأخرى يرسم السماء ،ومرة يرسم الفلاحين الكادحين ،وأخرى يرسم فيها أحذية الفلاحين الممزقة،إن هذا التنويع لا يدل إلا على عمق المأساة التي عاشها والتحولات التي تحدث في حياته وما يعانيه من مرارة وألم وغربة،وهذه التجارب كان لها الاثر الفاعل في صقل مواهبه الفنية وذلك من خلال ترحاله بين موطنه هولندا وبلجيكا ولندن وباريس،وكذلك تأثره بالفن الياباني،اي انه كان متواصل مع الحركات الفنية المعاصرة والسابقة التي جعلت منه واحد من أهم رسامي العالم يذكره التاريخ ،فقد قال ذات يوم في رسالة بعث بها الى أخيه “ثيو” قائلا:ان الخيار المتاح أمامي ان أكون رساماً جيداً،أو ان أكون رساماً سيئاً نوقد إخترت الخيار الاول .
إن الاختيار الصعب الذي كان يعتقد به كوخ بأن يكون رساما جيد ،جعله يخسر أهله وأقاربه وأحبته من أجل أن يكون رساماً جيداً متواصلاً مع الحركة التشكيلية،وبعد كثرة تجاربه التي خاضها في الفن حيث يعتبر”كوخ”شخصية فريدة في تاريخ فن الرسم الحديث،لتفرده وإحساسه العالي باللون والشكل وجراءة فرشاته وتفاصيله الدقيقة التي يرسمها في اللوحة ،والتي تعد مثأر إهتمام كل فناني عصره،فقد كان الفنان الفرنسي “بول سيزان”من المتأثرين به بلوحاته ويعد “سيزان” رافداً مهما لإتجاهات الفن الحديث ومدارسه مثل “التكعيبيه” و “التجريدية”وذلك من خلال توظيفاته للأشكال الهندسية في رسوماته ذات المرجعيات الإفلاطونية ،إذ تعد أشكال المثلث والمربع ..نماذج أستطيقية “جماليه” تم توظيفها لدى الحركات الفنية التي جاءت بعد “سيزان” ،وإن المدرسة التكعيبية التي يعتبر مؤسسها ورائدها الفنان “جورج براك” قد إستلهم وإقتبس فكرتها الاولى من خلال تحليله لأعمال “سيزان” ذات الاشكال الهندسية ،إن التواصل بالمعنى الذي نراه ما هو الا إنجاز إبداعي يحمل في جزئياته ومكوناته ما يصلح للإكتشاف والخلق الفني ،لذلك نعتبر أن “سيزان” مُلهماً للتكعيبين ومصدرها الاول لفكرتها، وهذا لا يعني أن رجل المدرسة التكعيبية الأشهر “بابلو بيكاسو” انه ناقل أو متأثر غير أصيل على العكس من ذلك تماماً،لذلك نرى ان “بيكاسو”مرة تعبيري وأخرى تكعيبي وثانية رمزي ،بل على العكس من ذلك فقد تمرحل بعدة مراحل تندر ان مر بها احد الفنانين العالميين ،فالمرحلة الزرقاء التي بدأت في رسوماته عام 1901 وانتهت 1904،ثم تحول الى المرحلة الوردية التي إمتدت من عام 1905 الى عام 1910،ثم انتقل الى الفن البدائي والنحت ،وكل هذه التحولات ما هي الا دليل على ان “يتواصل “بيكاسو”مع روح العصر الفنية التي منحته الخلود في حياته قبل مماته،ان الحد الذي وصل اليه “بيكاسو”في الفن التشكيلي لم يسبقه اليه أحد من معاصرية أو اسلافه .
إن حياة بيكاسو كغيره من المبدعين تميزت بعشقهم لفنهم وإتقانهم لعملهم وإخلاصاً لأحاسيسهم، وعدم الرضا والاقتناع بما ينجزه، بل جعله يفكر الف مرة في تقديم الجديد والمبتكر في عالم الفن التشكيلي الذي يمثل نهضة الامم وتاريخها وتراثها .
ان الفنانين في العصر الحديث كانوا يتواصلون فنياً على الرغم من بعضهم لم يرى الآخر قط ، لكن التواصل الفني قد تم من خلال مشاهدة الاعمال الفنية وتحليلها ونقدها ،واقتباس آثارها ،لان هذه اللوحات تعد في بعض جزئياته ألغازاً بحاجة الى اكتشافها وحلها ،لما يمكن في حل هذه الالغاز في إنجاز الجديد و المبتكر والاصيل مثلما إبتكر التكعيبيون مدرستهم من خلال مراجعتهم وقراءتهم لأعمال الفنان “بول سيزان” للرقي بحركة الفن ، لذلك نرى ان من يسمون أنفسهم بالحداثيون وهم الوحشيون والتكعيبيون والسرياليون والتجريديون ، كل ما فعلوه انهم طوروا هذه الحركات وأكدوها، فكل شيء مرتبط ببعضه البعض،فالانطباعية جعلت الوحشية أمرا ممكنا وقد ولدت التكعيبية من خلال الحاجة ردة فعل تجاه الانطباعية والوحشية

اترك تعليقاً