التجهيل .. في زمن الكورونا ..

غازي المشعل
مع تسيّد فيروس كورونا وتداعياته الاخبار في كل أنحاء العالم ، ومع الحجر الإجباري في المنازل لأغلبية البشر ، فقد اطلق ملايين المدونين العنان للتعليق او التحليل او المتابعة .. فيما اطلق مئات اخرون بالونات وفقاعات الكذب والتدليس واختلاق القصص المفبركة مستغلين الحالة النفسية المتدنية ، ووقت الفراغ الطويل لغالبية الناس .
وقد تصدرت وسائل التواصل الاجتماعي بكل أنواعها : فيس بوك وتويتر وماسنجر وواتس اب وفايبر وغيرها ، تصدرت وبجدارة أماكن بث هذه القصص الكاذبة والمفبركة دون وازع من رقيب او ضمير ، بل ان بعض المواقع الإخبارية الاليكترونية والصحف والقنوات الفضائية قد انساقت الى ما تبثه هذه الوسائل ، واترك شخصياً لعلماء النفس والمتخصصين فيه ، ولو بعد حين تحليل وتفسير هذه الظاهرة التي أصبحت عامة وتلقي بظلالها على عموم الناس سلباً بفعل الجهل المطبق الذي يغلف ادمغة البعض .. ونتيجة لتسارع وانتشار الاخبار عن هذا الوباء انتشار النار في الهشيم .. ووجود الارضيّة الخصبة لزراعة ( التجهيل ) في عقول بعض بني البشر..
اجزم ان ذوي العقول النيرة يعانون كثيراً من هذه الظاهرة ، واعتقد ان الاسف والحزن يصبحان اكبر حينما تنطلق مثل هذه الأكاذيب من اناس يدّعون الفهم او الثقافة او سعة الاطلاع ، بل ان القضية تصبح اكثر تعقيداً حينما ينجرّ اليها الإعلاميون او الكتاب او مقدمو البرامج .. والأمثلة كثيرة ، ولات ساعة اعتذار لا يجدي نفعاً بعد ان يسقطون من اعين الناس .
احيانا اشعر بالأسى حين ارى بعض اصحاب الشهادات العليا وذوي الاختصاص والمعرفة ينساقون وراء هذه الأكاذيب ، وأقول في نفسي : لماذا لا يتأكد هذا البعض من صدقية هذه الاخبار قبل ان ينقروا على خيار تعميمها للغير ، او الإعجاب بها او التعليق عليها ؟ اليس هذا ابسط مصاديق الشهادة التي يحملونها والعلم والمعرفة التي يفترض انهم يحملون ؟
مثال واحد فقط من مئات الأمثلة أسوقه اليوم بما يتسع له المجال ..
فقد ارسل لي العشرات ، نعم العشرات عبر مواقع التواصل ، نقلاً عن منشور عبر الفيس بوك مؤخراً عن اعتقال السلطات الامريكية للعالم الامريكي تشارلس ليبر بعد ان ضبطته بالجرم المشهود ببيعه فيروس ( كورونا كوفند ١٩ ) الى السلطات الصينية !!!
مصادفة كنت قد قرات وتابعت عبر وسائل الاعلام الامريكية خبراً عن اعتقال العالم المذكور قبل حوالي اربعة اشهر من الان .. وببحث بسيط استرجعت شريط الخبر وهو يعود الى الثامن والعشرين من كانون الثاني / يناير من العام الحالي حيث أُلقي القبض على ليبر، وهو رئيس قسم الكيمياء والبيولوجيا الكيميائية بجامعة هارڤرد، واتهامه جنائياً بتقديم بيانات كاذبة وهمية ومزورة إلى وزارة الدفاع الامريكية حول علاقته ببرنامج الحكومة الصينية لتجنيد العلماء والباحثين الأجانب ، وكان من بين الإتهامات الموجهة له تأسيس معمل لأبحاث تقنيات النانو بدون إعلام جامعة هارڤرد. وهو كما نرى موضوع لاعلاقة له ببيع كورونا او غيرها الى الصين .. وقد تناسى هؤلاء الجهلة ان كورونا ليس سلعة مادية او براءة اختراع لكي تباع ، وان عيون المخابرات الدولية ( وما أكثرها ) وأذرعها متواجدة حتى في غرف نوم الساسة وحمّاماتهم ، وجلساتهم العلنية والسرية ، والأقمار الصناعية ولاقطات وميكروفونات الصوت السرية تسجل على مدار الثانية والدقيقة كل همسة وكلمة وتحللها وتتأكد من مصدرها وفي جميع أنحاء العالم .. واعوذ لأوكد ان هذه القصة هي مجرد مثال لا اكثر .. وبإمكانكم ان تجدوا عشرات الأمثلة من هذه الاخبار المزيفة والمختلقة تزخر بها مواقع التواصل هذه الايام !!.
ارتقوا في التفكير ايها الناس ، ولا تروجوا ماهو غير عقلاني ، استخدموا وسائل التواصل من اجل إيصال الحقيقة والمتعة والعلم والصدق وبث الامل في النفوس .. ولا تتاجروا بمشاعر الناس .. ولا تتلاعبوا بعقولهم التي نخرتها كورونا ، وأفقدتها صوابها !! .

التعليقات مغلقة.