الرئيسية / مقالات مختارة / التآمل الذاتي

التآمل الذاتي

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد

جاء في كتاب قصة الحضارة للكاتب “ول ديورانت” حديث عن مذهب اليوجا والذي يعكس بعض فلسفات الهند الشائعة إلى الآن، حيث يُرى بعض التابعين لهذه الفلسفة في الغابات وعلى جنبات الطرق لا يتحركون،ويستغرقون في تفكيرهم، منهم الكهول ومنهم الشباب، منهم من يلبس خرقة بالية ومنهم من لا يستره إلا التراب الرماد ينثره على جسده، تراهم جالسين القرفصاء ولقد لفوا ساقاً على ساق، لا يتحركون ويركزون أبصارهم في أنوفهم، بعضهم يحدق في الشمس ساعات متواليات بل أياماً متعاقبات، فيفقد بصره، وبعضهم يحيط نفسهبألسنة اللهب في قيظ النهار، وبعضهم يمشي حافياً على جمرات النار، أو يصبها على رأسه، وبعضهم يرقد عارياًمدى خمسة وثلاثين عاماً على أسرّة من حراب الحديد، وبعضهم يصفد جسده بالأغلال في جذوع الشجر، أو يزج بنفسه في أقفاص مغلقة حتى يأتيه الموت، وبعضهم يدفن نفسه في الأرض حتى عنقه ويظل على هذا النحو أعواماً طوالاً. وكل هذه العذابات تستوقف الانتباه للبحث وراء كنهها والتي قيل أنها تكفير عن الخطايا التي اقترفها الإنسان، ولكنها تجسيد لعداوة النفس أكثر من كونها شيئاً آخر.

ولا أظننا سنجد مشقة في التعرف على هؤلاء الذين اتخذوا من أنفسهم عدواً، يتناولونهابالنقد والتجريح، ويصغرون ما تأتي به من أعمال، ويحقرون ما يصدر عنها من آراء، وينظرون إليها نظرة ذلة وصَغَار. وشعور الإنسان بضآلة نفسه وضعتها سم قاتل، لا ينجح معه عمل، ولا يرجى من صاحبه خير. وخير من عداوة النفس أن تقف منها موقف الصديق، تشجعه إذا أحسن، وتعتب عليه في رفق إذا أساء.

وبدلاً من تقريع النفس وتعذيبها أن نلجأ إلى التأمل الذاتي، وهو فن يحتاج إلى مران طويل، ومنهج يشق على المخاصمين لأنفسهم. في أول الممارسة يشعر الإنسان بالضيق، ويحاول الهرب منها إلى شيء آخر، ثم لا يرى في العالم شيئاً يصلح للتأمل ولا معنى يحتاج إلى بحث، وسرعان ما يتشتت ذهنه ويفقد القدرة على التأمل والتفكير العميق، ولكن بصبر الفرد على نفسه وتكرار التجربة يتجلى له العالم، وإذا به يناجيه ويوحي إليه بمعان جديدة، إذ ذاك يجد لذة في كل تفكير، وعمقاً في كل معنى، وإذ ذاك يعرف نفسه، فتتجرد من غرورها وكبريائها، ويتبين لها ضعفها، وإذ ذاك أيضاً لا تشغلها ضوضاء العالم ولا يزيغ بصرها عن مشاهد الإبداع فيما حولها، فيظهر الحق ناصعاً في جلاء. وكل هذا يحتاج إلى إرادة حازمة؛ مَن وافقها حملته سالماً في تيارها، ومن فارقها لم ينل شيئاً من خيرها.    

اترك تعليقاً