الرئيسية / اخر الاخبار / البعث والفيدرالية ..آمن بها وهو في السلطة ويرفضها خارجها / ظافر العاني

البعث والفيدرالية ..آمن بها وهو في السلطة ويرفضها خارجها / ظافر العاني

انا والفيدرالية ( ٢ )
 
قوتابي ، قوتابخانة ، هل تعرفون معناهما ؟  تلميذ ومدرسة .
بياني باش ، زور سپاس ، أي صباح الخير ، وشكراً جزيلاً  .
هذه الكلمات هي جزء مما حفظته ذاكرتي من مادة اللغة الكوردية التي دَرَستُها وأقراني في الصف السادس الاعدادي وهي جزء من ثمار الفيدرالية في زمن البعث .
ولكن اولاً : ما الفيدرالية ؟ بشكل مبسط وبلا تنظير : انها تنظيم اداري يعكس ارادة سياسية بمنح صلاحيات دستورية أوسع للوحدات الادارية في المجالات ذات الطابع المحلي ولكنها تُبقي للسلطة المركزية اختصاصات حصرية تتفاوت بين نظام وآخر كالدفاع والشؤون المالية والنقدية والخارجية والتعليم . بعض هذه الصلاحيات تتفاوت بين نظام فيدرالي وآخر ، فهي قد تتقلص او تتوسع وتصل الى الحدود التشريعية والقضائية والمالية وغيرها .
أما في العراق فان الدستور الحالي أعطى صلاحيات أوسع بكثير مما هو موجود في كل الفيدراليات في العالم والى حد وجود مكاتب تمثيل خارجي للأقاليم بل والمحافظات ، وسلطات تشريعية تسن قوانين تسمو حتى على قوانين المركز لو تعارضتا . بل وصلاحيات أمنية ودفاعية تكاد تكون مستقلة ، وهذا لأن فيدراليتنا كانت مستقاة من الانفصال الواقعي لكوردستان عن المركز وبرعاية دولية منذ عام 1991، كما وانها نتاج للقلق القومي والفئوي من قسوة السلطة .
من هنا ربما قلق الوحدويين أمثالي من الفيدرالية في العراق ، انها قد بالغت في أضعاف السلطة المركزية الى حد يجعلها غير قادرة على مضاهاة الأطراف او إرغامها على العودة للوطن لو أرادت الانفصال . لذا لا انكر مخاوفي من فكرة الأقاليم وخصوصاً لو كانت طائفية مبنية على فكرة كرهها للمركز الذي يبدو بالنسبة لها فئوياً ظالماً .
ولكن ، هل الفيدرالية فكرة جديدة على النظام السياسي العراقي ؟
الجواب : لا .
لقد دشن البعث اول فيدرالية على مستوى المنطقة ككل، وبشكل غير مسبوق وتجسد ذلك في الحكم الذاتي للأكراد . وهو شكل من أشكال الفيدرالية ، صحيح انه أسماها الحكم الذاتي وحاول ان يظهرها باعتبارها من انماط الادارة اللامركزية بسبب حساسية المصطلح ، لكن مخرجات الحكم الذاتي تشير باعتقادي الى انها تحتوي على كل مقومات الفيدرالية .
وانا هنا لن أعلق على نجاح التجربة من عدمها ، فذلك أمر آخر ، ولكن من حيث المبدأ فان البعث كان من أوائل النظم السياسية التي بشرت بالفيدرالية منذ ان استلم السلطة وطبقها مطلع السبعينات فكانت اتفاقية الحكم الذاتي ١٩٧٠ ومن ثم تشريع قانون الحكم الذاتي عام ١٩٧٤والذي كان يعتبر مناسبة وطنية وعيدا رسمياً يحتفل به العراقيون في الحادي عشر من آذار كل عام ، وتصدح أغنية هربجي كورد وعرب رمز النضال .
ولكي أوثق المقال شاهدت على اليوتيوب حديثاً للرئيس الأسبق صدام حسين وهو يتحدث عن مفاوضاته مع دارا مبعوث الراحل مصطفى البارزاني يقول فيه انه كان يريد ان ينتزع منه كلمة مطلب الادارة الذاتية للأكراد لكي يبني عليها القرار الخاص بألحكم الذاتي ، ولكن دارا يتردد لانه لم يكن يدور في خلده ان نظام البعث سيقبلها ، لكن صدام انتزع الكلمة من دارا وقبلها وشرعها وأصبحت قانوناً، وبات للكورد مجلسان مجلس تنفيذي وآخر تشريعي ، ووزارات تعنى بإقليم كوردستان وحقوق قومية ثقافية وتعليمية وعدد من الحقائب الوزارية في السلطة المركزية . ومجمع علمي كوردي ، وربما هي تجربة مستنسخة او محورة عن أقاليم الحكم الذاتي في الاتحاد السوفياتي السابق التي منحت للجمهوريات والأقاليم ذات الأغلبية المسلمة صلاحيات محلية ، ولكنها في العراق كانت أوسع .
ويومها اغتاظت معظم الدول المجاورة للعراق والتي فيها أقليات كوردية من هذا القرار واعتبرت ذلك سابقة خطيرة على وحدة كياناتها يوم لم يكن للكورد فيها اعتراف بوجودهم كقومية في معظمها ، وبدأ بعضها العمل على إجهاض التجربة الفيدرالية في العراق .
وأذن فالبعث من أوائل النظم التي آمنت بالفيدرالية كوسيلة لإدارة السلطة في العراق ، ولكن البعثيين اليوم يرفضونها ، يرفضونها من خلال بياناتهم وممارساتهم . فلماذا ؟ لا اعرف فهم اولى بالاجابة مني ، ولكني اعتقد بان البعث عندما منح الحكم الذاتي منحه للأكراد فقط ولم تكن لديه نية التوسع في ذلك ، لانه حزب عروبي في نظريته ، في حين ان من ينادون بالاقاليم اليوم يفصلونها على مقاسات طائفية ، كما وانه ربما يعتقد ان السلطة المركزية في عهده كانت لها قبضة حديدية تجاه أي فكرة بالانفصال ، في حين ان الأطراف الآن لاتقل قوة ان لم تفق المركز .
ولعل رفض البعث اليوم للفيدرالية يعكس رغبة انتقامية لرفض أي فكرة جاءت من دستور يتبنى سياسة اجتثاثه ، وبغض النظر عن إيجابية الفكرة ، وبقصد التعويق لا أكثر . المهم وبعد تقلب المواقف فان البعث العراقي المطارد والمجتث اليوم له موقف رافض للفيدرالية  مما يجعله يقترب في رؤاه من العديد من أحزاب السلطة التي تطارده وتجتثه . الا تجدون انها مفارقة .
في نهاية التسعينات كنت أُدَرِّس مادة العلاقات الدولية على طلبة الماجستير ، وقد دخلتُ القاعة فوجدتُ فيها طالب بدين لكنه وسيم وفي منتهى التهذيب ، كان يضع سعفة على كتفيه وهي مما كان يضعها الوزراء في عهد صدام حسين . لكني لم يسبق لي ان شاهدته في التلفزيون . بعد انتهاء المحاضرة إستفسرت من العمادة عن الأمر فقالوا لي انه وزير كوردي في المجلس التنفيذي للحكم الذاتي . لم اصدق ان البعث كان مايزال للآن متمسكاً بالفيدرالية  فيومها كانت كوردستان مستقلة تقريباً بخطوط العرض عن المركز وبحماية دولية وبالذات أمريكية ، ومع ذلك فان البعث مايزال يطبق الحكم الذاتي ولو شكلياً.
ناديت عليه وحادثته بيني وبينه ، وطلبت منه أن عليه في المرة القادمة عندما يحضر محاضرتي ان يخلع رتبة الوزير او يقلبها بحيث لا تظهر السعفات  .
إستفسر مني :  لماذا؟
قلت له : لأنك تضع شيئاً يميزك عن زملاءك وهذا لا يجوز علمياً ، ثم افترض أني أريد ان أحاسبك ، ستكون هذه الشارة حائلاً دوني ، انت هنا في الصف طالب كغيرك ولاتمثل الدولة .
انت هنا طالب حتى لو كنت وزيراً فيدرالياً .

 

تعليق واحد

  1. قاسم الشمخاوي

    استاذي العزيز … الحمد لله صرنا ننظر للفيدراليه ونملا الدنيا بها ضجيجا ولا ننسى ان نرضي ولي النعمه كاكه مسعود بحيث بدا بحثنا اللغه الكرديه .. انا وانت نتفق على ان الفيدراليه مبدا رائع في ادارة الحكم … ولكن ما يثيرني موقفكم من هذا المبدا ؟؟؟؟ بالامس اقنعتمونا بانها وحده من نصائح بايدن و قاسم سليماني .. واليوم اصبحت هي المنقذ الاول والاخر وهذا ما يزيد من مخاوف الاخرين واننا نعتبر هذا مدخلا لفيدرالية الحارات والازقه ولا نستغرب غدا ان نسمع بان ( فيدرالية مله جاسم والتي تضاهي فيدرالية مله عبود مما اقتضى تدخل الامم المتحده لتهدئة الموقف )

اترك تعليقاً