الباكستانية الأفغانية فاطمة بوتو: الخيانة كسبيل للبقاء   

د. عثمان بوطسان

 كاتب وباحث مغربي

 

فاطمة بوتو، كاتبة أفغانية الأصل، باكستانية الجنسية ولبنانية النشأة. تحمل القارئ من كابول إلى دمشق، فتخدعه ليجد نفسه فجأة في كراتشي دون أن يعرف أي نوع من العلاقة السحرية التي تجمع بين هذه المدن الثلاث الغامضة. من المنفى الخارجي العابر للحدود إلى المنفى الداخلي المتجذر في الشخصيات، من الأحياء والمطاعم في دمشق إلى الخراب والحرب في كراتشي، مرورا على كابل، تتوقف فاطمة بوتو عند كل اللحظات التي عاشتها لتعيد صياغتها بتفصيل ممل…فهي لا تقتصر على ذكر الأماكن التي زارتها، بل تُسمِّي كل طبقٍ تناولته…ثلاث دول، وثلاث حروب، ومصير استثنائي يمنح الانطباع بأننا أمام تجربة كاتبة فريدة من نوعها.

تحاول فاطمة بوتو من خلال كتاباتها أن تكشف ما لم تذكره عن بلدها باكستان عندما كانت تشتغل كصحافية. فهي تنتمي الى سلالة بوتو الشهيرة ووريثة العائلة الأكثر شهرة في باكستان، والمعروفة باسم “كنيدي باكستان”. عاشت أسرتها مأساة الموت عدة مرات. فجدها ذو الفقار علي بوتو الذي كان رئيسا لباكستان، أعدم في عام 1979، قبل ولادتها بثلاث سنوات. قتل والدها مرتضى بوتو بالرصاص خارج منزلهما في كراتشي عندما كانت فاطمة في الرابعة عشرة من عمرها. بعد العديد من الكتب ومقالات السيرة الذاتية التي ألفتها، كتبت فاطمة بوتو هذه الرواية المستمدة من الخيال والواقع والتي تخطف الأنفاس وتتوغل في سرد أحداث مأساوية عبر الطرق المسدودة لباكستان المعاصرة.

بطلات الروايات المأساوية دائما ما يتصفن بالجمال، على الأقل نحب أن نتخيلهم هكذا. يجب أن تكون أنتيجون جميلة، وأندروماك، زوجة هيكتور، جميلة أيضًا. يجب أن يعوضنا الجمال قليلاً عن سوء الحظ، وإلا فإنه أمر مروع للغاية. لسوء الحظ، تلقت فاطمة بوتو جرعة كبيرة من هذا الحظ التعيس وفي وقت مبكر جدا من حياتها. كتبت روايتها ’’ أقمار مير علي’’ بأسلوب بسيط، قوي، كثيف ويميل أحيانا الى الهشاشة والمأساوية. تنقلنا هذه الرواية إلى المناطق القبلية في باكستان، والتي تحلق فوقها طائرات أمريكية بدون طيار. مناطق نسفتها هجمات الاستقلال، لكن يستمر فيها تعذيب الدولة للمواطنين. تدور القصة حول ثلاثة إخوة، وفي يوم واحد فقط: أول عيد، العيد الإسلامي العظيم الذي يصادف نهاية شهر رمضان. يوم الابتهاج والوضع السياسي المتوتر حيث يتفقد الجيش المدينة ويواصل المتمردون ترتيب خططهم. يُعامَل السكان في كراتشي كمواطنين من الدرجة الثانية من قبل هؤلاء الفاتحين الذين يخطفون وينتزعون الحياة من أساتذة الفلسفة، ويسمحون للطائرات بدون طيار أن تزرع الموت تحت الغيوم. يقرر الإخوة الثلاثة الذهاب للصلاة في ثلاثة مساجد مختلفة، حتى لا يموتوا في نفس الوقت في حالة وقوع هجوم. ثلاثة إخوة وثلاثة مصائر مختلفة. يستأنف المتوسط (حياة) نضال الأب المسلح من أجل الاستقلال، بينما يختار الأصغر (إسكندر) الحياد من خلال أن يصبح طبيبا، أما الأخ الأكبر فيختار التعاون مع الجيش مقابل الحصول على تأشيرة للولايات المتحدة. هي رواية عن البقاء والخيانة وتطرح مجموعة من الأسئلة من قبيل: هل من الضروري للغاية أن أخون من أجل البقاء؟ وإلى أي مدى؟” إلى جانب الإخوة الثلاثة، تدور الرواية أيضا حول مصير امرأتان جميلتان: ’’ سمارا’’ المحاربة و ’’ مينا’’ المجنونة، التي تطارد كل مراسم الحداد لتتقاسم الحزن مع أهل الميت منذ مقتل ابنها. مما لا شك فيه أن أجمل صفحات الرواية مليئة بالرماد والدموع. تحاول فاطمة بوتو بكلماتها الناعمة إقناع القارئ على أن “السعادة هي شعور موحد إلى حد ما، لكن الحزن يغير الأشخاص بعمق.”

إن منطقة ’’ مير علي’’ موجودة بالفعل. لكن لم تزرها الروائية على الإطلاق قبل كتابة هذه الرواية، لكنها تعرف الكثير عن هذه المقاطعة من شمال البلاد، والتي كانت ولا تزال تثير إعجاب الكثير من الناس أو الكتاب أو السياسيين أو المغامرين. تقول فاطمة بوتو متحدثة عن هذه البلدة: “أردت أن أكتب عن هذه المنطقة الشمالية حيث سافرت كثيرا قبل ألا أتمكن من الذهاب إلى هناك لأنها خطيرة للغاية. لا أحد يفكر في كل هؤلاء الناس الذين يعيشون في هذه المقاطعة من وزيرستان”. لذلك فهذه الرواية هي قصة خيانة في عالم معدني حيث يسود الجيش بيد إلهية تقريبًا. كما أن ’’ مير علي’’ هو اسم شقيقها بالتبني، والذي قالت عنه بوتو في أعمدة صحيفة إنجليزية عام 2010، إنها معجبة به. هناك نوع من الذاكرة الانتقائية، حيث تلعب الروائية بالواقع كيفما تريد.

لذا، فإن ’’ مير علي’’ ليس مجرد مكان أو اسم أول، بل هو جزء ضمني من تاريخ أسرة الروائية: أب محبوب وأخ معقد حيث ينتهي الجميع بالخيانة. مات الجد والأب والعم والعمة. الخيانة متجذرة في قلب هذه الأسرة الباكستانية. تحرص فاطمة بوتو على عدم الشعور بالملل في هذه المنطقة عندما تشرح القوى الدافعة وراء هذا الكتاب، والذي من الواضح أنه ذو بعد سياسي. تعكس العلاقة المتميزة التي تحافظ عليها شخصية سمارا مع والدها العلاقة التي كانت بين فاطمة ومير مورتازا. كان الاثنان لا ينفصلان. كان الأب يأخذ ابنته إلى دروس الرقص أو السباحة، أو إلى اجتماعاته. هناك تشابه تام ومطلق، بين فاطمة بوتو الكاتبة وشخصيتها سمارا.

إذا كان الإخوة الثلاثة يشكلون العمود الفقري للرواية، يدرك القارئ أن للمرأة اليد العليا. هستيريا مينا ليست سوى وسيلة للتواصل مع محيطها بعد وفاة ابنها. كما أن غضب سمارا هو فقط نتيجة سنوات من خيبة الأمل. كلاهما يتمتع بنقاء الصرامة. تعكس شخصيات الرواية الواقع بإيديولوجياته وسياساته ومشاكله الاجتماعية والدينية. قد تكون المغادرة هي الخيار الذي يتخذه معظم الشباب في باكستان كما سيفعل الأخ الأكبر (أمان ايروم)، لإنه إما أن تبقى وتقاتل، أو أن تبقى وتغسل يديك بما يدور حولك. إن الإخوة الثلاثة صورة حية للخوف الذي عاشه الباكستانيون الشباب. يكشفون للقارئ عن خوفهم العميق وشعورهم بالاختناق بالرغم من شجاعتهم. فالأخ الثاني (حياة) يمثل الشخص المثالي، وهو أكثر تقبلا لقصص والده عن المقاومة. وأخيرًا، الأخ الصغير (إسكندر) الذي يعمل في المستشفى ومتزوج من مينا. ثلاث شخصيات شكسبيرية تواجه مصيرها، تواجه نفس الخيانة التي واجهتها الروائية، ولكن مع مرور الوقت، فإن خياراتهم وأخطائهم وتضحياتهم ستجمعهم أو تفصلهم بشكل دائم. تتوقف الرواية إذن على المسارات المختلفة للإخوة الثلاثة. فمع سرد الأحداث، يستمر التوتر ويدخل القارئ تدريجياً في مصيرهم. من خلال التطرق الى الأعمال الدرامية والمخاوف والنضالات التي يعاني منها الشباب الباكستاني، تعيد فاطمة بوتو كتابة تاريخ عائلتها بأسلوب رقيق وعنيف في نفس الوقت.

كشف ’’ أمان ايروم’’  الأخ الأكبر عن رغبته اليائسة في مغادرة باكستان، بغض النظر عن الثمن الذي كان يجب عليه أن يدفعه. سيغادر البلدة ويذهب إلى سفارة الولايات المتحدة في العاصمة إسلام آباد للحصول على تأشيرة الدخول. سيمحو لهجته ويرتدي لباسا على الطراز الغربي. سيفعل كل شيء ليختلط مع أمريكا الأسطورية وينكر أصوله الباكستانية التي يخجل منها. تروي فاطمة بوتو بطريقة ساخرة انتظاره المهين خارج السفارة، حيث كان يرتجف في ملابس رقيقة للغاية. بعدما حصل على تأشيرته وقضى بضع سنوات في الولايات المتحدة، يعود ’’ أمان ايروم’’ إلى ’’ مير علي’’ بعدما خان مدينته، شقيقه، وحبيبته التي تركها ليركض خلف حلمه الأمريكي. تصرف كخائن مثل شقيقه الأصغر ’’ حياة’’ المقاوم الذي خانه أيضا. تصور لنا الرواية إذن، كيف خان الإخوة الثلاثة بعضهم البعض من أجل البقاء في هذا البلد الذي أرهقهم بالحرب والفساد والعنف.

من وجهة نظر أدبية بحتة، ففاطمة بوتو كاتبة موهوبة لا جدال فيها. فهي تغمر القارئ وتزرع فيه الفضول لاكتشاف أجواء وتقلبات هذه البلدة الصغيرة في شمال غرب باكستان، على الحدود الأفغانية. بلون العنف والخراب تصور لنا الروائية الإرهاب والحرب الأهلية. ففي ’’ مير علي’’، هناك ثلاث صراعات متداخلة: القتال ضد طالبان في أفغانستان المجاورة، معركة تشارك فيها الطائرات الأمريكية بدون طيار، الصراع بين الشيعة والسنة والمقاومة القديمة للمناطق الجبلية ضد الحكومة المركزية الباكستانية.

إن أبرز ما يتميز كتابة فاطمة بوتو، هو تكرار تيمة الخوف والمصير المجهول في جل رواياتها. ففي رواية ’’ كالأسود’’ على سبيل المثال، تروي لنا قصة ثلاث شخصيات أيضا: أنيتا، مونتي وصني. ثلاثة مراهقين لم يكن من المفترض أن يلتقوا أبداً سيواجهون بعضهم البعض ويواجهون خيارات الحياة الرهيبة. تعيش أنيتا في أكبر حي فقير في كراتشي، لكن بفضل جارها الرجل مسن والذي يعيش في بيت مملوء برفوف الكتب، ستكتشف طريقة للهروب من حياتها اليومية الكئيبة. على الجانب الآخر من المدينة يعيش مونتي، نجل أب استبدادي وثري يملك نصف المدينة. لكن مونتي، الذي سيشعر بالانزعاج من وصول فتاة متمردة إلى مدرسته، ينحرف عن الطريق الذي تم رسمه له. أما صني فقد ولد في إنجلترا حيث هاجر والده على أمل حياة أفضل. ومع ذلك، فإنه لا يندمج في الحياة الغربية وبإغواء كاريزما ابن عمه الذي عاد من سوريا، سيعتقد صني أنه وجد مجتمعه أخيرًا. وتصور فاطمة بوتو في هذه الرواية كما فعلت في رواية ’’ أقمار مير علي’’ إلى أي مدى ستكون الشخصيات مستعدة للهروب من مصيرها.

التعليقات مغلقة.