الاغتراب في مدونة الولد العاق

ثنائية الموت والحياة

نزار عبد الغفار السامرائي

تثير كتابات سعدون جبار البيضاني الكثير من التساؤلات بشأن الصور التي يرسمها وهو يكتب قصصه سواء القصيرة منها ام القصيرة جدا، ولاسيما وقد اجترح لنفسه أسلوبا مميزا يجعل المرء يتردد امام الكتابة عنه، او الولوج الى العالم القصصي الذي يمزج الواقع بالفانتازيا، والالم بالسخرية، والقص بسرد يبتعد عن الحكي باتجاه الفكرة، حيث يتداخل الزمن والشخصيات والاحداث حتى يحتاج المتلقي الى بعض الجهد ليفك ذلك التداخل ويصل الى البنى التحتية للنص بحثا عن المضمور الذي يقبع تحت سطح النص القصصي.

لا ادري أن كان بالأمكان التعامل مع نصوص مجموعة قصصية كمتوالية سردية يؤدي بعضها الى بعض، ويحل المتأخر منها ما تقدم من قصص، او الرجوع الى المتقدم لفك اسرار المتأخر. غير أنني حاولت أن اقرأ مجموعة سعدون البيضاني الأخيرة (مدونة الولد العاق) بهذا الشكل لعلي افلح بالتوصل الى فك مغاليقها.

البداية من عتبات المجموعة الأولى انطلاقا من الغلاف الذي صممه شاعر وناقد هو حامد عبد الحسين، وهذا يدفعنا الى القول أن التصميم يرتبط بقراءة للنصوص برؤية أدبية فنية فقد جاء اسم الكاتب اعلى صفحة الغلاف بحروف باللون الأسود تم احاطتها بأطار ابيض، وهذا دلالة على أبراز اسم الكاتب كونه من الكتاب المعروفين للقراء.

اسم المجموعة جاء بنمط حروف كبيرة وكتبت كلمة (مدونة) باللون الأسود فيما جاءت حروف (الولد العاق) باللون الأبيض، وهذا يشير الى أننا امام شكلين متناقضين الأول هو المدونة، أي النصوص التي تضمنتها المجموعة، وربما كان الأسود يوحي بسوداوية تكتنف الكتابة او الحكايات التي تتضمنها المجموعة، على العكس من الولد الذي يصف نفسه بالعاق والذي جاءت باللون الأبيض للدلالة على نقاء الروح التي يحملها ذلك الولد، ولكن كيف لمن يحمل روحا نقية أن يكون عاقاً. وهنا نجدنا امام تساؤل اذا كانت هذه النصوص التي بين أيدينا هي المدونة فمن هو الولد العاق؟ الكاتب، ام السارد، ام هو مجموع الشخصيات التي تتضمنها قصص المجموعة؟، رغم أن العنوان هو نفسه عنوانا لاحدى القصص. بمعنى يمكن أن نتكهن ان القصة التي تحمل عنوانها المجموعة هي المفتاح لمغاليق ما يستشكل علينا عند قراءة النصوص اجمعها.

وتم تعريف جنس الكتاب بعبارتين احدهما اسفل الأخرى ( قصص قصيرة – قصص قصيرة جدا) اذا نحن امام نمطين من أنماط الكتابة القصصية يمتاز كل منها باسلوبه سواء من حيث طبيعة السرد او الحجم، وهذا يجعلنا ان نميز عند القراءة بين جنس كل نمط من أنماط النصوص التي تحتويها المجموعة.

وهنا يمكن ان نلاحظ أيضا أن الصفحة الثالثة من المجموعة التي جاءت كغلاف داخلي حملت أيضا اسم المجموعة إضافة الى تجنيسها (قصص قصيرة-قصص قصيرة جدا) كما في الغلاف اللاول الرئيس، ولكن الصفحة الخامسة والتي جاءت كغلاف داخلي ثالث حملت اسم المجموعة إضافة الى عبارة ( فنطازيا/ كوميديا سوداء) وبذلك فأنها تضيف تجنيسا آخر لنصوص المجموعة يبين أسلوب السرد للنصوص بتصنيفها فنطازيا وكوميديا سوداء، في محاولة لتوجيه القاريء لقراءة النصوص وفق هذا الاتجاه.

كما تضمن الغلاف صورة خطية لفتى ذو وجه مسطح تتنافر عيناه على جانبي وجهه وراسه المسطح يحمل آلة كأنها تلك اللعبة التي تدق براس مدبب اذ تبرز تحتها نقطة سوداء للتدليل على مكان سقوط الراس المدبب فوق الراس. ويحمل هذا الشخص الذي يرتدي قميصا اسودا بيده مجرفة صغيرة كأنها تلك التي تستخدم في الحدائق المنزلية.

الغلاف الأخير حمل في ربعه الايمن صورة الغلاف نفسها بشكل جانبي وعلى طول الغلاف، فيما جاء اعلى الجزء الثاني اسم الكاتب باللغة الإنكليزية تحته صورة شخصية صغيرة للكاتب في منتصف الصفحة ،واسفل الصورة جاء نص كالآتي:

فجأة ، وجدت نفسي متدليا في الهواء أمام منزلي، رأسي مائلا الى الجهة اليسرى ولساني امتد أكثر من سبعة أصابع فيما بلغ طول رقبتي ثلاثين بوصة، لا توجد مشنقة حول رقبتي ولا منصة تحتي، الناس مجتمعين حول الدار على شكل طوابير منتظمة بما يشبه اصطفاف تلاميذ المدارس يوم الخميس ، ينظرون إلي باندهاش ويلوحون لي بأيديهم ويصيحون بصو ت واحد وبأعلى أصواتهم .. مبري الذمة ..مبري الذمة.

في صورة لوداع الميت الذي يسرد الموقف بنفسه، وهو ما يمكن ان نكتشفه في اغلب قصص المجموعة، وربما كان اختيار هذا النص موفقا ليكون مدخلا لفهم نصوص المجموعة التي جاءت محملة بثنائية الموت- الحياة. موت لا يعني الغياب الكامل لوعي الانسان الميت، وحياة لا تعني سوى الهامش والغياب وسط المعاناة وانعدام المعنى.

بمعنى آخر أن نصوص المجموعة تتناول الموت ليس بكونه الحالة الفيزيقية التي لابد أن يمر بها الإنسان في نهاية رحلته بالحياة، ولكن ذلك الشعور الذي ينتاب الإنسان وهو على قيد الحياة حيث لايجد نفسه الا كائنا لا حياة حقيقية تدّب في اوصاله اذ انه لا يشعر بوجود حقيقي مؤثر بل كأنه ميت يعيش حياته بين الناس، انه الشعور بالعبث، او بالأحرى الاغتراب الذي يجعل المرء منفصلا عما حوله، عن مجتمعه بالكامل، اذ يجد رؤاه بدأت تجنح بعيدا عن الرؤى الجمعية للمجتمع، وهو ما تناولته قصة “نفايات” حيث يرى السارد ان الأفكار التي انتزعها من دماغه ورمتها زوجته في برميل القمامة ليست الا أفكاره، لكنها بالنسبة لزوجته وجيرانه ليست الا أفكارا متعفنه تؤذيهم!

أن الأغتراب الذي يشعر به السارد هنا هو مزيج من عدم الشعور بالحياة وملذاتها وشهواتها، وعدم التوافق بين ما يسود المجتمع من أفكار وعادات وتقاليد، حيث يصبح كلّ شيء لا معنى له، وتبدأ ملامح الشعور بالوحدة والعزلة عن المجتمع الذي لا يجده متوافقا معه الا بعد لحظة الموت حيث يكون الجميع سواسية.

أن هذا الشعور هو ليس وليد اللحظة، بل تنامى منذ لحظة الولادة التي يرى السارد انها كانت نتيجة فعلا شبقيا بدافع الشهوة أدى الى أن يزرع بذرة الحياة في رحم امه دون ان ترغب في ذلك حسبما تروي له، وحتى دون رغبة أبيه، كما تبين قصة (واقعة الحياة) التي تمثل “تدوين واقعة وجوده على قيد الحياة” وهو ما يكرره بشكل آخر في “مدونة الولد العاق”.

وما يمكن ان يلفت النظر في نصوص المجموعة ان القصص التي تتحدث عن الموت او على لسان رجل ميت تسرد بصيغة الحضور، الأنا، ويكون السارد هو الشخص نفسه، ولكن القصص التي تتحدث عن الأحياء تأتي بصيغة الغائب هو/هم، وهذا ما يدفعنا لتأكيد الشعور بالاغتراب ، وأن الحياة والموت لدى السارد ليس الا فعل لوصف طبيعة العيش فالاحياء هم اموات ولكن لا يشعرون، فيما يدب الشعور بالموت نتيجة البحث عن الوجود الفعلي والذي لا يمكن تحقيقه في الواقع فيذهب باتجاه الخيال للبحث عنه في طياة المجتمع الذي لا يعي حقيقة وجوده، انهم موتى ولكن لا يشعرون.

اذن ثنائية الموت – الحياة في نصوص مدونة الولد العاق تخرج عن دلالة التضاد لتتكون كحالتين متجاورتين تتماهى مع بعضها فالميت ليس الا انسان حي يحاول الشعور بذاته ولكنه لا يصل الى تحقيق ذلك، والحي ليس الا كائنا يعيش حياته ولكن لا يعي وجوده او غير آبه لتحقيق ذاته مكتفيا بمحاولة مواصلة الحياة على ماهي عليه، فحالة التمرد ربما تكون نتيجتها الموت الفعلي بمعناه الفيزيائي، أي الغياب التام عن الوجود.

لقد قدم سعدون البيضاني نصوصا مكتنزنة بالمعاني تترادف فيها المفردات لتمسك القاريء ولا تفلته حتى عند الوصول الى الصفحات الأخيرة التي تطلعنا على سيرة الكاتب الذاتية ومحتويات المجموعة بعناوين متسلسلة حسب صفحات ورودها في المجموعة.

الكتاب : مدونة الولد العاق

الكاتب: سعدون جبار البيضاني

الناشر : اتحاد الادباء والكتاب في ميسان – 2020

التعليقات مغلقة.