الرئيسية / مقالات مختارة / الاتجاه الصحيح

الاتجاه الصحيح

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد

للبوصلة الجغرافية جهات أساسية هي الشمال والجنوب والشرق والغرب، وإن التزام جهة معينة من هذه الجهات التي تشير إليها البوصلة يقود إلى نتائج محددة، وذلك اعتماداً على المكان وتوقيته. وإن اختيار الاتجاه الصحيح هو أمر مهم للغاية، وكذلك السير فيه في الوقت المناسب وبالإيقاع الملائم والتوازن الفاعل أمر مهم أيضاً. والتطور الذاتي يستلزم كل ما سبق من حيث الاتجاه والوقت والإيقاع والتوازن لنتخذ في ضوئه القرار المناسب في الحياة.

ولعل المتأمل لكل اتجاه من اتجاهات البوصلة سيلحظ أنه منفصل عن الآخر؛ فيبدو الجانب المهني وما يستدعيه من إثبات للذات وقوة ونفوذ يختلف عن الجانب النفسي وما يعكسه من حالة مزاجية وصحية وعلاقات اجتماعية، وفي واقع الأمر أن الجانبين يرتبطان بشكل كبير، وكل جانب يؤثر في الآخر بشكل يعكس العلاقة التبادلية لاتجاهات البوصلة؛ فالتركيز على الجانب المهني العملي فقط يؤثر على الجانب النفسي والصحي والاجتماعي، وإهمال الجانب النفسي والصحي يؤثر بلا شك على الجانب المهني والعملي في الحياة. إن مفهوم التكامل بين اتجاهات البوصلة يقضي بألا نسعى في اتجاه معين على حساب الاتجاهات الأخرى، فمن الضروري أن نحقق التوازن بين كل الاتجاهات وننتبه لتأثير كل اتجاه في الآخر.

وعلى عكس ما يشاع عن القادة والزعماء عبر التاريخ أن هؤلاء صرفوا حياتهم في اتجاه واحد وهو اتجاه القيادة والسيطرة والتوسع، ولم يهتموا بحياتهم الشخصية وعلاقاتهم الاجتماعية؛ فكلها مبالغات غير حقيقية، فمن المؤكد أن هؤلاء يملكون الجينات نفسها التي نملكها، والفرق أنهم عملوا على اتجاهات بوصلة حياتهم بشكل جاد فأحدثوا التغيير الذي سجله التاريخ لهم.

ولابد أن نؤكد هنا أن النظريات النفسية الحديثة تتشككفيما كان يشيع قديماً من أن كل إنسان مُقدر له سلفاً ما ستؤول إليه حياته، والثابت الآن أن كل فرد يملك القدرة على الاختيار، فلم يعد الإنسان صفحة بيضاء تُخط فيها تلقائياً سلوكيات الإنسان، ولم تعد للجينات التأثير الأوحد في تحديد الشخصية ورسم ملامحها الثابتة، بل إن الفرصة متاحة الآن لانتقاء الصورة التي نود أن نصبح عليها، والاختيار متاح للجميع ليرسم منهج حياته، وتحديد البوصلة الشخصية المناسبة.

والسؤال الآن هل نحن بحاجة إلى هذه البوصلة في حياتنا؟ والإجابة هي أن التخطيط للحياة أمر مهم للغاية، والتخطيط الذاتي لها هو الأهم؛ بمعنى أن الذي لا يضع خطة لذاته؛ فهذا يعني أن شخصاً آخر سيبادر بوضعها له، وهذا يعني أن الأمر يستحق العناء والجهد لتحديد البوصلة الحياتية الذاتية التي تهدينا في دروب الحياةوفجاجها المختلفة.  

اترك تعليقاً