الرئيسية / مقالات مختارة / الإرادة الطيبة

الإرادة الطيبة

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد

قرأت قصة بطل أمريكي في رياضة التزلج الأولمبي، استطاع أن يتزلج على منحدر ثلجي بسرعة 100 كيلومتر في الساعة، كما سجل اسمه على لوائح لاعبي المصارعة، وقد حاز عدة ميداليات ذهبية في السباحة، والمدهش في الأمر أنه استطاع تسديد ضربة غولف من بعد 15 متراً دون أن يراها! ولكن ما الدهشة في ذلك؟ تكمن الدهشة في أن هذا البطل قد فقد بصره في سن السنتين من عمره، ولكنه أصر بقوة إيمان عجيبة أن يتابع دورة حياته، موقناً أن فقدان البصر ليس إعاقة، وإنما هي حالة تتضاءل أمام الإرداة.

جاهد كريغ ماكفرين كي لا يكون عالة على هذه الحياة، وكلما تسربت إلى نفسه ظلال يأس؛ سارع بأن ينفض عنها كل محبط، وقرر أن يتخذ الرياضة سبيلاً إلى القمة، وعزم عزماً أكيداً على أن يكون شيئاً مهماً من خلالها، وأعلن عن نيته أن يصبح لاعب هوكي، وقد حاول بعض أفراد عائلته إقناعه بالعدول عن هذه الفكرة؛ ولكن الفتى ظل يحلم ويحلم حتى حقق إحدى عشرة بطولة كندية، وست بطولات عالمية في المصارعة والسباحة والركض، ورمي القرص والرمح.وانتهى به المطاف واحداً من مستشاري المجلس الرئاسي الأمريكي للياقة البدنية والرياضة.

يذكرنا هذا بعميد الأدب العربي طه حسين الذي قهر الظلام بقوة الإرداة، مدركاً أنه موجود لغاية في هذه الحياة، فحذف من قاموسه اللغوي والحياتي كلمة “لا أستطيع”، معززاً معتقده بقيمة ذاته، وكلما قسا عليه حاقد أو احتال له كاره، أو فاجأته كبوة؛ نهض مستنفراً متمثلاً قول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: “العظمة ليست في ألا تسقط؛ بل في أن تسقط ثم تنهض من جديد”.

وقد هضم الشاعر الهندي طاغور هذه المعاني فكان يردد: “يا رب إذا جردتني من المال؛ فاترك لي الأمل، وإذا جردتني من النجاح؛ فاترك لي قوة الصبر حتى أتغلب على الفشل، وإذا جردتني من نعمة الصحة؛ فاترك لي نعمة الإيمان”

ولاشك أن كل متسلح بالإيمان يَعْمر قلبه تلك الطاقة الروحية التي توفر للمرء الأمان التام، وتجعل حياته تسير بشكل أفضل، يعيش الهناء الوجودي، يقبل على الأشياء الكبيرة، والقيم السامية الرفيعة، مولياً عنايته للمهم حتىيصبح لوجوده أهمية.

وفي هذا السياق علينا كمربين أن ندرك ذوات أبنائنا، مؤمنين بما يفعلون، مقدرين إنجازاتهم حتى وإن بدت لنا صغيرة، ولنغرس في نفوسهم أن الحياة هبة مقدسة، يجب أن نكرسها بأعمال مشرفة، وأن مقياس النجاح فيها لا يقف عند حد معين، والحياة تفقد معناها إذا خلت من الطموح، وإذا فقدت طاقة الإيمان.

اترك تعليقاً