الأفغانية حُميرا قادري: الكاتبة من رحم الأم الملطخ بالدماء  

د. عثمان بوطسان

 باحث في الأدب الأفغاني المعاصر

 

يسعى مُعظم الكتابِ والمثقفينَ والناشطينَ الأفغان رجالا ونساءً الى النشر والتعريف بالفنون والأدب والثقافة الأفغانية. يشكلون حركة تنويرٍ حقيقيةٍ، تؤمن بالتنمية المتوازنة للبلاد وتحاول الكشف عن حقيقة الحرمان والمعاناة والألم الذي مزق أحشاء أفغانستان منذ عقود من الزمن. يبحثون عن العدالة الإنسانية عبر الكتابة والتعبير الحر بألسُنٍ مُتعددةٍ، كاشفينَ عن الجرح الكبير الذي خَلَّفتهُ الحرب والانقلابات الداخلية وكل الظلمِ الذي ألحقته وسائل الإعلام الدولية بهذا البلد. ولعل من أبرز هؤلاء نذكر: صديق برماك، ديفيد مسرور، عتيق رحيمي، خالد حسيني، راهنفارد زرياب، سبونجماي زرياب، شبنام زرياب، شعاع نادر، إبراهيم أميني، شهباز ايراج، واصف بختري، إدريس جويا، محسن حسين، جواد خفاري، قاسم راميشجار، مرتضى رحيمي، محمد كاظم كاظمي، زهرة كريمي، ابوطالب مظفري، محمد إسحاق فايز، سيد سكندر حسيني، أحمد شاه سلطان، محمد زمان خان، علي مدد رضواني، حُميرا قادري وغيرهم. سنحاول التطرق لكل هذه الأسماء في المقالات القادمة محاولين ابراز الدور الكبير الذي لعبه المثقف الأفغاني في مناهضة العنف والطغيان والدعوة الى احترام القانون والحريات العامة.  تظل حُميرا قادري من أبرز هؤلاء، نظرا لمسارها المذهل ككاتبة وكناشطة حقوقية والمعاناة التي عاشتها بسبب التطرف الطالباني في كل من أفغانستان وإيران.

ولدت حُميرا قادري سنة 1980 في كابول بأفغانستان خلال الاحتلال الروسي. عاشت طفولتها بين الحماية السوفييتية، الحرب الأهلية وخلال فترة الحكم الطالباني. في الوقت الذي استولت فيه طالبان على هرات، مُنعت حُميرا من الذهاب إلى المدرسة. عندما كانت مراهقة شابة، وجدت العديد من الطرق لمقاومة فتاوى طالبان الصارمة ضد الفتيات والنساء. من هذه البدايات المبكرة، أصبحت مدافعة صريحة عن حقوق المرأة الأفغانية وسيادة القانون، حيث تلقت وسام ملالاي لشجاعتها الاستثنائية من الرئيس الأفغاني، أشرف غني. كانت حُميرا قادري في الثالثة عشرة من عمرها عندما أُخرجت من المدرسة وتم إخبارها بأنها لن تستطيع العودة اليها أبداً. والسبب راجع الى سيطرة طالبان على أفغانستان، والتي ستعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية بطريقة عمياء ومتعصبة. بالنسبة للنساء – حتى الفتيات اللاتي في عمر حُميرا قادري سيفقدن الكثير من الحريات. كان من غير القانوني للمرأة الأفغانية أن تمشي في الأماكن العامة دون وجود فرد ذكر من أسرتها، كان يُمنع عليها ركوب الحافلات المختلطة أو تلقي التعليم. كانت حميرا قادري مولعة بالدراسة والأدب، سيدفعها هذا الشغف للتوسل الى والدها قصد تعليمها والذي كان يشتغل كمُدرس للأدب الفارسي في المدرسة الثانوية. بعد الحاحها، سيوافق والدها على طلبها، علما أنه في هذه الفترة بالتحديد، عندما كانت تسيطر طالبان على أفغانستان، كان يمكن أن تكون العواقب قاتلة لكليهما، إذا تم القبض عليهما. بعد العمل كل يوم، كان يأخذها والدها الى غرفة توجد تحد الأرض خشية اكتشافهما متلبسين، حيث ساعدها على تطوير مهاراتها الأدبية، لتصبح فيما بعد واحدة من رموز الأدب الأفغاني المعاصر وأهم المدافعات عن القضايا الإنسانية والاجتماعية بأفغانستان.

في ظل حكم طالبان، أصبحت الحياة فوق الأرض صراعًا يوميًا بالنسبة لحُميرا قادري، التي ستحاول التمسك بالحقوق الأساسية التي كانت تتمتع بها كفتاة صغيرة. في سن السابعة عشر، تغيرت حياتها مرة أخرى. سيتم تزويجها في زواج مرتب – وهي ممارسة شائعة في أفغانستان. ستتقدم بعدها بطلب لجامعة طهران في إيران وسيتم قبولها. ستبدأ هكذا حياتها في بلد جديد مع زوج جديد وكانت متفائلة بشأن إعادة التمتع بالحريات التي فقدتها بسبب طالبان.

كانت قادري تكتب بشكل خاص منذ أيامها كمراهقة في أفغانستان، لكن التعليم والعيش في إيران جعلها تكتسب الثقة مما سمح لموهبتها بالازدهار. بصفتها باحثة في الأدب الإقليمي (الأدب الفراسي) الذي تجاهل حياة النساء اللواتي يعشن تحت حكم طالبان، كتبت قادري في الغالب قصصا مستوحاة من تجربتها الخاصة ومن حياة النساء الأفغانيات. أثناء سعيها للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة طهران، بدأت بعض الأعمال التي نشرتها قادري تزعج طالبان. على الرغم من أنها شعرت بأن ما كتبته من القصص والروايات لم يغير شيئا بسبب تراجع تأثيرها، إلا أن كتابة الأدب الذي ينتقد طالبان ستثبت لها بأن قرارها كان مكلفا جدا. سيتم طردها خارج البلاد بسبب علاقات طالبان مع إيران، ولن تكون قادرة على إكمال شهادتها في الأدب الفارسي هناك.

لم تتراجع حميرا قادري عن هدفها في اكمال دراستها. فبعد طردها من إيران ستقرر اللجوء الى الهند. ستحصل حُميرا قادري على درجة الدكتوراه في الأدب الفارسي من جامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي بالهند، وتعود للتدريس في جامعة كابول. كما أنها عملت بعد ذلك كمستشارة أولى لوزير العمل والشؤون الاجتماعية. ألَّفَت ستة كتب، بما في ذلك مجموعة من القصص القصيرة وروايتها المشهورة على نطاق واسع الموسومة بــــ “فضة؛ ابنة بحر كابول”. نُشرت هذه الرواية في إيران عام 2009 وعرفت إشادة واسعة النطاق من طرف النقاد. كما حازت  علی جائزة كتاب الفصل الإيرانية في دورتها السادسة. اختيرت مجموعتها القصصية “اقراط انيس” التي اصدرتها دار نشر “روزكار” كالمجموعة المختارة الأولى لجائزة “صادق هدايت” الأدبية. نشرت قادري أيضا رواية “رسم صيد الغزال” علی أساس عمل تقليدي في افغانستان تحت اسم “خون بس” (کفایة لإراقة الدماء) وكتاب أكاديمي تحت عنوان “مراجعة سير كتابة‌ الرواية في افغانستان”.

تتمحور كتابات حميرا قادري حول تيمة “المرأة” باعتبارها الموضوع الجوهري الذي يشغل تفكيرها وتحاول جاهدة وصف معاناة المرأة الأفغانية وما تعرضت له من الظلم والحيف والتهميش والعذاب في ظل حكم طالبان المتعصب. ففي كتاب ’’ الرقص في المسجد’’ تروي لنا حميرا قادري سيرتها الذاتية وقدرها الدموي. في اليوم الذي كانت ستَلِد فيه ابنها سياوش، تم تحصين الطريق إلى المستشفى في كابول بسبب انفجار انتحاري. ومع وجود المدينة والجيش على حافة الهاوية، صوب جندي مسلح بندقيته على بطنها المنتفخ بسبب الحمل، خوفا من أنها كانت تخفي قنبلة. زرعت فيها هذه الحادثة خوفا عميقا وزاد ألمها. اضطرت إلى قطع مسافة طويلة سيرا على الأقدام، عبرت حميرا عبر الدم والحطام للوصول إلى أبواب المستشفى، مدفوعة بالحب الذي حملته لطفلها الذي سيولد قريبا. لكن فرحة ولادة ابنها الجميل سرعان ما طغت عليها مخاطر أخرى هددت حياتها.

رفضت حميرا، وهي امرأة أفغانية متمردة، الخضوع للقيود بموجب نظام اجتماعي متعصب يكُرِّه النساء، وتحدَّت القانون مُخاطرة بحريتها في تعليم الأطفال القراءة والكتابة. سعت للحصول على حقوق المرأة في مجتمعها الثيوقراطي والأبوي. بعد ولادة سياوش بوقت قصير، بينما كانت تستعد للمغادرة إلى الولايات المتحدة للمشاركة في برنامج الكتابة الدولي في جامعة ايوا، طلَّقها زوجها، مما سمح لها بمغادرة أفغانستان – ولكن من دون ابنها المحبوب. واجهت حميرا خيارًا مفجعًا سيطاردها إلى الأبد. ’’الرقص في المسجد’’ هي رسالة أليمة كتبت من رحم المعاناة لابنٍ أُجبرت على تركه. في هذه السيرة الذاتية – وهي في الأصل قصة واقعية لكل امرأة أفغانية، تتحدى حميرا قادري كل شيء، لتجعل القارئ يعيد النظر في معنى الأمومة والتضحية والبقاء. تدعونا قصتها الى التفكير في المسافات والتضحيات التي علينا أن نقطعها لحماية أنفسنا وعائلاتنا وكرامتنا. كيف تنمو الفتاة لتصبح امرأة في مجتمع يغلق كل فرصة في وجهها؟ كيف تختار الأم بين طفلها ومستقبلها، وليس مستقبلها فحسب، بل مستقبل نساء أفغانستان؟ تجيب حميرا قادري على هذه الأسئلة المستحيلة في مذكراتها المذهلة.

’’ الرقص في المسجد’’ هي واحدة من أكثر رسائل الحب المؤثرة في الحياة نفسها التي ستقرأها على الإطلاق. ” تقول ميج وايت كلايتون ، مؤلفة كتاب ’’ آخر قطار الى لندن’’.

 

 

 

 

التعليقات مغلقة.