الرئيسية / مقالات مختارة / الأساطير .. العالم الافتراضي الاول

الأساطير .. العالم الافتراضي الاول

نزار السامرائي

تبدو الأساطير عالم قائم بذاته ينبني على تصورات الإنسان للكون المحيط به ، ويبدو إن الأساطير اليونانية أكثر التصاقا بالإنسان من غيرها ، فالشخصيات الأسطورية تتفاعل مع البشر كأنها قائمة بينهم فعلا . ورغم إنها مخلوقات علوية لها عالمها الخاص الا إنها تتخذ الصفات البشرية نفسها وبهذا الشأن يرى الكاتب اليوناني كسينوفانيس الكولوفني ان هذه الأفكار والتصورات عن الآلهة هي صنع خيال البشر الذين تصوروا الآلهة على شاكلتهم يخلقون ويولدون ولهم السمات الجسمانية والعقلية نفسها. لذلك هاجم كسينوفانيس هوميروس وهيسيودس الذين صاغا مفاهيم الإغريق بشأن الآلهة والعقيدة اليونانية وأنكر عليهما تلك النظرة المبتذلة حول دين آلهته تسرق وتزني وتخدع.

و”يقول هيرودوتس، المؤرخ اليوناني المتوفى عام 425 ق م، إن هسيود وهوميروس، اللذين عاشا قبله بأربعمائة سنة، هما اللذان رسما للإغريق أساطيرهم وصور آلهتهم” .

ونجد إن كسينوفانيس كان محقا في نظرته بان الشعراء والكتاب افترضوا عالم آلهتهم على ضوء ما هو موجود في مجتمعاتهم ، بمعنى آخر ان مجتمع الآلهة الافتراضي كان صورة عن المجتمع البشري وربما كانت القوى الخارقة التي يمتلكونها والقدرة على صنع الأعاجيب هي جزء من تمنيات الإنسان لما يريد الحصول عليه.فالقدرة على الطيران والعبث مع النساء وإمكانية إغوائهن بشتى السبل والقوة الخارقة كلها أفعال يتمنى الإنسان الحصول عليها ، وهذا ما نراه لاحقا في القصص والأفلام عبر شخصيات مثل سوبرمان وباتمان وغيرهم من الشخصيات التي أخذت مكان الآلهة القديمة في العصر الحديث.

وترى عالمة الانثربولوجيا اديث هاملتون في هذا الجانب ان الإنسان في اليونان وعى ” ذاته وعيا كاملا ”  مستشهدة بان الإغريق تخيلوا آلهتهم على صورتهم هم ، اي إنهم لم يعطوا آلهتهم أشكالا حيوانية هجينة كما فعل المصريون وسكان ما بين الرافدين.

ونفترض ان تميز الأساطير اليونانية في هذا الجانب ، أي بشريتها ، يعود إلى ان من قام بنسج هذه الحكايات الأسطورية وعمل على تدوينها هم الشعراء والكتاب ، في الوقت الذي قام بها كهنة المعابد في بلاد ما بين النهرين ومصر الفرعونية ، ولاشك ان الكهنة كانوا يعملون على توطيد نظام قائم على الخضوع للمعبد والحكام ، في الوقت الذي ينزع الشعراء نحو الحرية وعدم الالتزام بالقيود .

لذلك جاء العالم الافتراضي الذي تخيلوه على شاكلة ما بأذهانهم وما يصبون اليه ، فمجتمع اولمب مجتمع قائم على الأبوية بوجود زيوس على رأس الآلهة فيما لزوجته هيرا الحظوة الكبيرة ، بالضبط كما هو الحال بالنسبة الى العوائل الملكية الحاكمة ، فيما توزع الأبناء ،أولاد وبنات ، على إدارة مختلف جوانب الكون ، كما حظي الأخوة بالسيطرة على الممالك الأخرى ، فاذا كان زيوس يحكم قبضته على الأرض والعالم العلوي ، فان أخويه بوسيدون وهاديس يحكمون بدورهما البحار والعالم السفلي ، ورغم النظام والتوزيع الا ان الأمر لا يخلوا من منافسة وصراع ، كما ان هيرا تمتاز بغيرة المرأة على زوجها ، لاسيما من أبنائه الذين يولدون من نساء فانيات (بشر) لذلك تسعى الى الإيقاع بهم بمختلف الطرق ، واذا كان البعض من الآلهة يوقعون بالبشر أحيانا لسبب او آخر فأن آلهة أخرى تمدّ لهم يد المساعدة ، كما تخبرنا الأساطير في حكاياتها المتعددة ، وما يهمنا هنا ان ما تم تصوره عن مجتمع الآلهة ، هو بداية ظهور المجتمعات الافتراضية ، وإذا كانت المجتمعات الافتراضية القديمة أسطورية ، تمخضت عن شطحات خيالية في أذهان كهنة وشعراء واستغرق تكونها وتشكلها بالشكل الذي وصل لنا العشرات من السنين ، فأن المجتمعات الافتراضية المعاصرة ، هي مجتمعات تضم أشخاصا حقيقيين لهم كيانهم وأفكارهم ورؤاهم ، لكنهم لا يعيشون في مكان واحد ، ويحملون ثقافات متعددة ، ورؤى مختلفة.

وإذا كانت القوى الخفية هي من تسيطر على الكون وتنظم فعالياته ، ومحاولة التعرف الى هذا القوى وتعريفها ربما كان هو الدافع لظهور الأساطير ، فأن المجتمعات الافتراضية في عالمنا المعاصر هي الأخرى تسيطر عليها قوى خفية تنظمها وتدير العمليات والأنشطة التي تجري عبر الفضـــــــاء الافتراضي (الالكتروني) . وربما سنكون عن هذه القوى أساطير معاصرة ، تحل محل الأساطير القديمة.

اترك تعليقاً