الرئيسية / تنبيهات / الآثار القانونية للعقوبات الامريكية على المسؤولين العراقيين وفق قانون (ماغنيتسكي)

الآثار القانونية للعقوبات الامريكية على المسؤولين العراقيين وفق قانون (ماغنيتسكي)

د.بشار الحطاب

خبير قانوني

   سبق إن قامت وزارة الخزانة الامريكية بإجراءات ضد اربعةمسؤوليين في العراق متورطين في انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان أو فساد، وبشأن بحث هذا الموضوع على عدة محاور نبين ابتداءً إن من مهام وزارة الخزانة الامريكية من خلال “مكتب شؤون الإرهاب والاستخبارات المالية” التي تهدف تنفيذ سياسة الحكومةالأمريكية في قطع خطوط الدعم المالي للإرهابيين الدوليين ومروجي أسلحة الدمار الشامل وتجار المخدرات وغيرهم ممن يشكلون تهديدات على الأمن القومي للولايات المتحدة. وتسعى الوزارة لتحقيق ذلك من خلال هدفين رئيسيين:

الأول – تعزيز الشفافية المالية من خلال تشخيص ومعالجة نقاط الضعف التي تجعل النظام المالي الداخلي والعالمي عرضة لإساءة الاستخدام من قبل الجهات الفاعلة غير الشرعية.

الثاني–  ملاحقة وتفكيك الشبكات المالية (المصارف والشركات) التي تدعم أولئك الذين يهددون الولايات المتحدة والأمن الدولي من خلال استعانت وزارة الخزانة بشركائها من الوكالات المختلفة فضلاً عن شركائها الدوليين لتطبيق استراتيجية شاملة لمكافحة الفساد من أجل تحديد الملكيات غير المشروعة وتوفير الحماية من تدفقات الأصول المالية غير المشروعة والمساعدة في إعادة الأموال المسروقة كما حصل مع الأنظمة العربية بعد ثورات الربيع العربيوكذلك اعتمدت هذه الاستراتيجية على تجارب الوزارة السابقة واستفادت منها في قيادة الجهود العالمية لتعقب وإعادة الأصول العراقية التي سرقها مسؤولي النظام العراقي السابق.

   وبشأن قانون (ماغنيتسكي) الذي تقدمت به لجنة الشؤون الخارجية في الولايات المتحدة وصادقَ عليه الرئيس باراك أوباما في ديسمبر 2012 يعد الاساس الذي يخول الخزانة الامريكية صلاحيات فرض العقوبات على الاجانب، حيث تضمنت مقاصد القانون الرئيسية معاقبة الساسة الروس المسؤولين عن وفاة (سيرغي ماغنيتسكي) من خلال حظر دخولهم إلى الولايات المتحدة ومنعهم من استخدامِ النظام المصرفي باعتبارها المسؤولة عن وفاة محاسب الضرائب (سيرغي ماغنيتسكي) في سجنه في موسكو عام 2009، وسارت عديدة من دولة العالم هذا المنحى واستوحت من هذا القانون مايمكنها من محاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان ومنها بريطانيا واستونيا وليتوانيا ولاتفيا وكندا.

  ويعد القانون واحدٌ من أهم التطورات الجديدة في مجال حماية حقوق الإنسان وأمنه وسلامته الجسدية من الاعتداء عليها، والذي يمنح سلطة للرئيس الأمريكي بمحاسبة المتورطين في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان من تعذيب واختفاء قسري والقتل والاعتداء الجنسي والابتزاز والرشوة، وهو مُفعّل منذ عام 2016 على مستوى كل دول العالم، وبصدد الوقوف على أهم الآثار القانونية المترتبة على معاقبة الاشخاص وفق أحكام القانون نبين مايأتي :

• الآثار الأقليمية لسريان العقوبات:
1- يخولُ الحكومة الأمريكية فرضَ عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم من خلالِ تجميد أصولهم وحظرهم من دخول الولايات المتحدة وقد تمتدُ العقوبات لأمور أخرى.
2- اصدرَ الكونغرس تعديلا على قانون (ماغنيتسكي) تضمن التوسع في نطاق الاشخاص المخاطبين باحكامه ليشمل كافة الاشخاص الاجانب والشركات والهيئات الحكومية والمدنية منالذين يمارسون أعمال من شأنها أن تؤدي إلى انتهاكات في حقوق الإنسان وحرياته على النطاق العالمي. ومثال ذلك منها مافرضته وزارة المالية الأمريكية، من عقوبات جديدة على (14) شركة مرتبطة برجل الأعمال الإسرائيلي دان هرتلر، استناداًإلى قانون ماغنيتسكي”. وذلك بتهم جمع ثروته من خلالصفقات فساد مشبوهة بمقدار مئات الملايين من الدولارات في مجال استخراج النفط والثروات الطبيعية في جمهورية الكونغو الديمقراطية.
• الآثار المالية للعقوبات:
1- يعد القرار الصادر من وزارة الخزانة الامريكية يمهد الشروع باتخاذ الاجراءات تجاه الاسماء الوارد ذكرهم في القرار من خلال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية لإضافتهم ضافتهم للقائمة السوداء حيثُ جُمدت أصولهم لصالحِ المؤسسات المالية الأمريكة كما فُرض عليهم حظر الدخول إلى الولايات المتحدة.
2- الأشخاص المعاقبون وفق قانون (ماغنيتسكي) لايمكنهم فتح أو الاحتفاظ بحسابات مصرفية أو تحويل الأموال أو إجراء معاملات عقارية في كثير من البلدان خارج العراق. خصوصاً أن البنوك التي تعمل في ظل الأنظمة الدولية تستخدم برامجالكترونية تمكنها من تطبيق سياسة الامتثال لوزارة الخزانة الامريكية لضمان عدم تغريمها أو عزلها عن أسواق رأس المال والعملة الأمريكية.
3- يشمل تجميد الاصول المالية للاشخاص المعاقبين بموجب هذا القانون حجز شركاتهم أو مقدار مساهمتهم فيها وكذلك السفن والطائرات والعقارات العائدة لهم والمعدات والمكائن والسلع الاساسية بما فيها المعادن والنفط والسبائك، والاجهزة والاسلحة والعلامات التجارية وحقوق الملكية الفكرية.
4- الأشخاص المعاقبين من قبل وزارة الخزانة الامريكية غير مرغوب بهم في نطاق التعامل مع المستثمرون الأجانب وشركات الاستثمار الأجنبية في مختلف المجالات، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى حرمانهم من المنافسة التجارية وبالتالي انهيار الشركات التي يملكونها.
• الآثار الشخصية للعقوبات:
1- تؤدي العقوبات الأمريكية إلى وضع الاشخاص المشمولين باحكام قانون (ماغنيتسكي) إلى عزلة دبلوماسية عن نطاق التعاملات البروتوكولية الرسمية وإعاقة دوره وتاثيره في الحياة السياسية على الصعيد الوطني
2- الشخص المعاقب لن يتم التعامل معه بصورة مباشرة من أي جهة أمريكية، بما في ذلك المسؤولون الحكوميون والمنظمات غير الحكومية. بالإضافة إلى ذلك، سيمنع المعاقب من الدخول إلى الولايات المتحدة، ومن الصعوبة له الحصول على تأشيرة من قبل بلدان أخرى، بسبب وضع علامة عليه بواسطة أنظمة الفحص الآلي في شركات الطيران.
• آثار العقوبات الامريكية على أموال الشعب العراقي :

قد يتفائل الكثيرين من العراقيين من العقوبات الامريكية على الشخصيات التي كانت تشغل ومازالت مناصب تنفيذية عليا في الدولة خصوصاً مع تلويح الحكومة العراقية بمحاربة رؤوس الفساد والفتح ملفات الاعتداء على المال العام في ظل الحكومات السابقة، لكن يبقى السؤول قائماً هل هناك نتيجة ايجابية من تلك العقوبات الامريكية على المال العام في العراقي وماهي الوسائل الوطنية التي يجب ان تتخذ من قبل الدولة تجاه هذه العقوبات، وبصدد ذلك نوضح مايأتي:

1- العقوبات الأمريكية في لغة المصارف والبنوك تستهدف التجميد الذي يعني عدم قدرة صاحب المال على التصرف بحرية في ماله, الأمر الذي يترتب عليه وضع ذلك المال في حساب يدعى Escrow account) مما يعني بقائه على الورق فقط، ولكنه في الواقع يستفيد منه البنك والمصرف والدولة الذي وجد المال فيه بما ينعكس ايجاباً على اقتصادها، بحيث يتدفق هذا المال كما يقول رجال المصارف Fungible لكي يحل بعضه محل البعض الاخر،فإن البنك يتصرف في تلك الأموال بحرية كاملة إقراضاً واستثمارا, بما يعزز من ربحية البنك ويفيد الاقتصاد وحركة التجارة ويزيد من نمو الدول الموجودة فيها تلك الاموال
2- لأموال الدولة العراقية تاريخ طويل مع الولايات المتحدة بشأن مصادرة الأموال التي كانت تعود للشركات التجارية العراقية الحكومية التي كان لها شأن كبير في عالم المال والأقتصاد في أواخر القرن الماضي، حيث قامت الحكومة الأمريكية من خلال وزارة الخزانة الأمريكية ومكتبها الذييتولى إدارة الأصول والأموال الأجنبية يرمز له اختصاراً بالأوفاك (OFAC) office of foreign assets control، وهذا المكتب يقوم ـــ بمراقبة الأرصدة والأصول الأجنبية وتجميد ما تقرره الحكومة الأمريكية منها, فمثلاً عند فرض الحظر على العراق قام هذا المكتب ممثلاً لوزارة الخزانة بتجميد أرصدة مالية لكثير من الشركات العراقية أو حتى تلك التي يسهم العراق في ملكيتها, واستمر الحجز أكثر من عشرون سنة.
3- وعملياً تقوم الحكومة الأمريكية ممثلة في وزارة الخزانة ـــ كما فعلت مع كثير من الأنظمة العربية والاجنبية ورجال السلطة في الدول التي تشهد نزاعات وحروب مسلحة مثل ماحصل في سوريا من تجميد لأرصدة نقدية واصول كثير من المسؤولين فيها ـــ عن طريق إيجاد حساب (وسيط) Escrow ، بحيث تكون حسابات الأرصدة المالية فيه ثابتة ويحتسب فائدة بسيطة وليس فائدة مركبة, وبذلك لاتستثمرالمبالغ الناتجة عن الفائدة, ولذا فإن رأس المال يتآكل عبرالسنين فعلياً مع ثباته ورقياً.
4- المستفيد الحقيقي من تجميد هذه الأموال البنوك المودع فيها المبلغ المجمد بالتنسيق مع الخزانة الأمريكية، وذلك من خلال استثمار تلك المبالغ وتحتسب له في حسابات الأصول والإقراض والاحتياط مما يعزز من أرباح البنك ويدعم الاقتصاد والنمو في البلاد التي حصل فيها التجميد. 
5- لذلك أقول لمن فرحوا وتفائلوا بهذه العقوبات الأمريكية على شخصيات طالما كانت محل جدل في الساحة الوطنية، وكثير منها محل اتهام أمام القضاء العراقي بالاعتداء على المال العام بطرق ووسائل عديدة والتي كان من الاولى أن تصدر هذه الاجراءات من المؤسسات الوطنية العراقية التي تتنوع مهامها دون أن يكون لها كلمة الفصل في حماية المال العام من السرقة أو الهدر من قبل العابثين وأصحاب المصالح الشخصية أن الدول التي سوف تمتثل للعقوبات سوف تكون مصارفها والبنوك التي فيها الأموال مثلسويسرا وأمريكا وبريطانيا وأخيرا النمسا وإيطاليا وبعض الدول العربية المستفيد الأولخصوصاً أن كثير من الأفراد والشركات تسعى عن طريق بنوك خاصة ومحامين إلى جعل كشف أموالها في الخارج صعباً أو مستحيلاً عبر إنشاء شركات مسجلة في دول أو مناطق تسمح بإبقاء أسماء الملاك سرية وتأسيس شركات داخل شركات وحسابات داخل حسابات وهذه الملاذات ليس فيها ضرائب أو ضرائبها رمزية وتجذب الشركات والبنوك التي بدورها تقدم خدمات للأجانب للتهرب من الضرائب والمراقبة.

    ويبقى السؤال الأهم، ماهو الاجراء القانوني في هذا الشأن على الصعيد التشريعي والقضائي الوطني، إذا كانت هذه العقوبات صادرت من دولة أجنبية ضد مسؤولين عراقيين، لكن إلا تستدعي العقوبات الأمريكية بحق المسؤولين تشكيل لجان قضائية أو نيابية أو تنفيذية وفق القانون للتحقيق حول مصادر هذه الأموال ومدى مشروعية امتلاكها، وأين اماكن تواجدها وكم حجم مبالغها، خصوصاً أن هذه العقوبات تكشف عن حجم الأموال الكبيرة التي استحوذ عليها العديد من المسؤولين العراقيين اثناء ممارستهم مهامهم الرسمية في ظل اجراءات غير شفافة مرت بها مشاريع إعادة الأعمار الوهمية وبرامج الاغاثة والدعم التي أضحت حبراً على ورق في كثير من مناطق العراق التي تعاني من دمار في مقومات الحياة الأساسية. 

 

اترك تعليقاً