افرغ كوبك

المستقلة – القاهرة – بقلم دكتور محمد سعيد

كانت تعلوه كآبة لا تفارقه، حتى تركت بصمتها على ملامح وجهه، كأنها خطوط حادة تأخذ أشكالاً ثابتة لا تتغير، فضاق بنفسه وضاق به من حوله من أهله وأصدقائه، مما دفعهم جميعاً إلى نصيحته بالبحث عن علاج يُنهي كآبته، وبعد جهد مرير عرف أن هناك حكيماً يعيش في بلاد بعيدة، يمنح السعادة للآخرين، فسافر إليه من فوره، وتحمل وعثاء السفر ومشقته طمعاً في علاج يصرف عنه هذه الكآبة التي تمكنت منه. وبعد أن بلغ منزل الحكيم، طلب لقاءه وألح في الطلب، ولكن الحكيم تباطأ في اللقاء، وأمر من يخدمه بصب بعض أعشاب الشاي لصاحبنا، وبعدها خرج الحكيم يستقبل ضيفه، وكان يحمل في يديه وعاء الشاي، وقبل أن يسمع شكوى صاحبنا أشار إليه أن يصب له بعض الشاي في كوبه الذي لاحظ أنه اقترب من نهايته، أخذ الحكيم يصب الشاب في كوب صاحبنا حتى امتلأ عن آخره، بل وفاض على ملابس ضيفه، ضاق صاحبنا بذلك، وتعجب من تصرف الحكيم الذي لم يعبأ به ولا بملابسه، وأشار إليه بالتوقف. فابتسم الحكيم وقال له: هنا يكمن العلاج، فعقلك وقلبك يعجان بأفكار ومشاعر سلبية، ولا يتسعان لسعادة تجلبها المشاعر الإيجابية، يا بني.. أفرغ كوبك وعد إلي حتى نصب فيه ما تصبو إليه.  

لم يعد من المشقة الآن أن نرى كثيراً من المحيطين بنا وقد انغمسوا في كآبات فرضتها ظروف الحياة عليهم، أو فرضوها هم على أنفسهم، وكأنهم قد وضعوا سياجاً حديدياً حول قلوبهم وعقولهم فلا يرون السعادة إلا قليلاً ولا يجدون من الهناءة إلا نزراً يسيراً، والأشق من ذلك أن هؤلاء الذين أُشربوا الكآبة في نفوسهم يبثونها فيمن حولهم، ولا يتركون أحداً ممن جاورهم ينعم بمشاعر إيجابية ولا يهنأ بأفكار تتهلل بها أرواحهم، وإنما يسارعون ببث أشعة الاكتئاب حتى تفيض فيغرقون فيها جميعاً.

ولن يرى هؤلاء المحبَطُون المحبِطُون نجاة من أمواج الكآبة المتدافعة إلا بإفراغ أكوابهم من المثبطات التي يصبها السوداويون، والعجيب أنهم يتبرعون بذلك، ويجدون متعة في ذلك، والمتعة الأكبر يصيبونها إذا نجحت مقاصدهم وبلغوا مرادهم، وتمكّن الاكتئاب ممن حولهم. ولن يجد المحبَطُون المحبِطُون فكاكاً من كآبات الحياةإلا بإتراع أكوابهم بمسببات السعادة من أفكار وخواطر إيجابية يمسكون بأهدابها لا يفرطون، ويتتبعون أسبابها لا يملون، ويصرون عليها لا يتهاونون. إن إفراغ أكواب الكآبة وإشباعها بمسببات السعادة عمل ليس سهلاً ولا ميسراً، ولكنها محاولة تستحق العناء، وتجربة تستأهل التجريب؛ فثمرة التخلص من الكآبة ما ذاقها من الناس إلا المجربون.

اترك تعليقاً