الرئيسية / تنبيهات / اشتباك ..المجتمع حين يتصارع مع نفسه

اشتباك ..المجتمع حين يتصارع مع نفسه

نزار عبد الغفار السامرائي

الاحداث الكبيرة التي تمرّ بها المجتمعات غالبا ما تكون موضوعات محببة لكتاب الافلام الذين يحاولون ايصال خطاب ما عبر افلاهم الى الجمهور،بشكل سلس، حيث ان الصورة اصبحت الوسيط الافضل لايصال الرسائل المطلوب ايصالها الى الجمهور المتعلق بسحر الصورة وجاذبيتها وقدرتها على التوصيل لجميع طبقات المجتمع. كما ان الصورة كما يرى ريجيس دوبريه تمثل خاصية كونها قابلة للتأويل، فهي تنفتح على جميع الاعين التي تنظر فيها اليها اذ تمنحنا إمكانية الحديث عنها ، وتقدم تأويلات متعددة ومختلفة حولها.

ومن الاحداث التي مرّت بها مصر التظاهرات التي اعقبت سقوط حكم الاخوان المسلمين وخلع الرئيس محمد مرسي عن الحكم ، الامر الذي ادى الى مواجهة بين التنظيم الاسلامي والسلطات اعسكرية التي تولت الحكم من جهة، وبينهم وبين الجمهور المصري الرافض لهيمنة الاخوان على الحكم والمجتمع.

تظاهرات باتجاهين مختلفين، وشباب متحمس بمواجهة تنظيم عقائدي، والسلطات الامنية بينهما. هذا ما جسده فيلم النصري محمد دياب (اشتباك) الذي تناول الأحداث التي اعقبت 30 حزيران/يونيو 2013 ، من زاوية تضارب وجهات النظر بين انصار الاخوان والمعارضين لهم بشكل جميل وملفت بعد ان يجد متظاهرون من الطرفين انفسهم محشورين معا في سيارة اعتقال تابعة للقوات الامنية بعد القبض عليهم عند مشاركتهم في التظاهرات والاصطدام مع رجال الشرطة.

الجميل في الامر ان سيناريو الفيلم لم ينحز بشكل واضح نحو اي من الاطراف الثلاثة ( مناصري الاخوان،مضاديهم، القوات الامنية) فراح يقدم عبر مشاهد وحوارات الحال التي وصل اليه المجتمع المصري من انقسام وتضارب في التوجهات عبر الاشخاص الذين تم اعتقالهم وحشرهم في السيارة وكلّ منهم يمثل توجها معينا سواء كان من الاخوان،الاكثر تنظيما، او المناوئين لهم الذين ينتمون الى فئات مختلفة من المجتمع، اضافة الى القوات الامنية التي يتعرضون للضرب والقتل في الوقت الذين يحاولون السيطرة على الشارع والاشتباكات التي اندلعت بين الطرفين.

لقد حمل الفيلم مشاهد انسانية حقيقية، وجمع اشخاص مختلفين في السن والتوجهات وطبقات المجتمع،ما يجعله حوارية متميزة بين مختلف الاتجاهات وبشكل معبر يغوص في داخل النفس البشرية محاولا التعبير عن الدوافع التي جعلت هؤلاء الاشخاص المختلفين يجتمعون في عربة السجن،او يجمعهم توجه فكري ما رغم اختلاف توجهاتهم في الحياة. فيجمع الفيلم الصحفي الأمريكي من اصل مصري ،والمصور الذي يرافقه ، كما يجمع الممرضة ،وزوجها ،وإبنها  الذين يؤيدون الجيش مع مجموعة من الشباب ومشجعي الكرة والبلطجي، اضافة الى مؤيدي الإخوان وإبن الحي الراقي في التجمع الخامس والشاب ساكن الشارع بلا مأوي ويعمل سايس ، والشيخ السلفي وإبنته الشابة الصغيرة ،وصاحب محل الموبايل والعامل عنده، فيما يكون هناك ضابط الداخلية ومجند الشرطة القبطي البسيط وأبناء عرب مطروح. وهي تنويعة مجتمعية تمثل مختلف الاطياف ما يجعل من وجودهم في مكان ضيق فرصة لاكتشاف حقيقة كل منهم وتوجهاتهم.

ان قراءة متأنية للخطاب الذي ينطلق منه الفيلم ، يمكن ان تشعرنا انه يريد ان يوصل الى هدف ما ملخصه ان ابناء الشعب سواسية من اي اتجاه كانوا وان ما يثير الخوف فعلا على المجتمع وابناء البلد هو التعصب في الراي والتوجه نحو العنف للتعبير عن المواقف الامر الذي يمكن ان يؤدي بالجميع الى الهاوية كما اودى الامر بجميع من في عربة “الترحيلات” بمختلف توجهاتهم، بعد ان فشلوا في ايصال الحقيقة الى اولئك المتظاهرين الغاضبين الذين لا يعرفون حقيقة توجهات من موجود داخل العربة فيعدونهم من الاعداء جميعا ، ما يؤدي الى تعرضهم للقتل جميعا في مشهد ختامي مفتوح على تأويلات المشاهدين، والذي ارى فيه واحدا من اكثر المشاهد تعبيرا عن واقع الحال ليس في مصر وحدها بل في جميع البلدان العربية التي تتعرض للتشرذم والانقسام والاقتتال من اجل أهداف “فئوية” ادت الى وصول المجتمعات الى حافة الهاوية التي تسقط فيها في وقت يتشبث كلّ بما يراه دون محاولة الوصول الى رؤية شمولية لحقيقة ان الجميع ابناء شعب واحد ومن حق الجميع العيش بكرامة وحرية واعتناق ما يعتقدونه من افكار، فالصراع الايديولوجي ليس الا صراع الكبار على السلطة في الوقت الذي يكون ابناء المجتمع الذين يتقاتلون فيما بينهم ضحيته.

وفي مراجعة لردود الافعال كما تشير صفحة الفيلم على موسوعة ويكيبيديا نقرأ ان الناقد أليكس ريتمان في موقع هوليوود ريبورتر وصف الفيلم قائلًا: “الفيلم يهدف إلى إحداث صدمة للجمهور من خلال تعاطفه في لحظة ما مع كل شخصيات العمل على اختلاف توجهاتهم”. بينما ذكر الناقد جاي ويسبيرج من مجلة فارايتي أن فيلم اشتباك “من الأفلام القليلة الناجحة، التي تم تصويرها في مساحة محدودة للغاية”، وقد أشاد ويسبيرج بإدارة دياب لفيلمه ضمن هذه المساحة، واصفًا الأمر بالإنجاز الملحوظ.

وكانت مجلة سكرين إنترناشيونال قد اختارت اشتباك ليكون واحداً من أكثر الأفلام الجذابة لمديري المهرجانات السينمائية في عام 2016، حيث ضمت القائمة 54 فيلماً من أنحاء العالم.

يذكر ان اشتباك هو انتاج مشترك بين فرنسا ومصر وألمانيا والإمارات العربية المتحدة،وعرض الفيلم للمرة الاولى في مهرجان كان السينمائي الدولي بتاريخ 12  مايس/مايو 2016  فيما عرض بمصر في 27 تموز/يوليو 2016 .

الفيلم من   ﺇﺧﺮاﺝ: محمد دياب (مخرج) كريم الشناوي (مخرج منفذ)     ﺗﺄﻟﻴﻒ: محمد دياب ،و خالد دياب (سيناريو) وبطولة نيللي كريم وطارق عبد العزيز وهاني عادل وأحمد مالك.

 

 

اترك تعليقاً