اتفاق صربيا وكوسوفو لا يرقى إلى مستوى إنهاء الصراع بينهما

 

الون بن مائير

لم يرق الإتفاق الأخير بين كوسوفو وصربيا ، بوساطة أمريكية ، لتطبيع العلاقات الإقتصادية بين البلدين إلى مستوى عملية المصالحة اللازمة التي من شأنها أن تؤدي إلى اعتراف صربيا الكامل باستقلال كوسوفو. بعض عناصر اتفاقية التطبيع الإقتصادي إيجابية ، بما في ذلك تفعيل طريق السلام السريع وخط السكك الحديدية بين بريشتينا وميردار وتقاسم بحيرة غازيفود / أوجماني واستكشاف استخدامها كمصدر يعتمد عليه للمياه والطاقة ، وتلقي الدعم المالي من مؤسسة التمويل الأمريكية للتنمية الدولية وبنك الولايات المتحدة للتصدير والإستيراد (EXIM) لتمويل ما سبق. ستخلق هذه المشاريع وغيرها فرص عمل لعدة آلاف من سكان كوسوفو وتخفيف بعض الصعوبات الإقتصادية في البلاد.

للأسف ، ستثبت الإتفاقية أنها سطحية ليس فقط لأنها لا تتطلب من صربيا الإعتراف بكوسوفو في وقت ما في المستقبل ، ولكنها لا تلزم حتى صربيا بالتخلي ، بشكل نهائي ، عن حملتها غير المشروعة لشطب الإعتراف بكوسوفو . وحقيقة أن صربيا وافقت على “الإمتناع رسميًا أو بشكل غير رسمي عن مطالبة أي دولة أو منظمة دولية بعدم الإعتراف بكوسوفو [بريشتينا] كدولة مستقلة” لا تعدو أن تكون مجرد كلام. بلغراد تعلم أن روسيا ستستخدم حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار لمجلس الأمن يعترف بكوسوفو ، وهي الهيئة الدولية الأكثر أهمية.

الأمر المقلق أيضًا هو أن هناك عددًا من العروض الجانبية في الإتفاقية المصممة لتعزيز مكانة ترامب في كفاحه من أجل إعادة انتخابه ، والتي لا علاقة لها بصراع صربيا وكوسوفو أو لا علاقة لها بأي شيء. ويشمل ذلك الإعتراف المتبادل بين إسرائيل وكوسوفو ، الأمر الذي يتطلب من بريشتينا فتح سفارتها في القدس ، وهو ما يعارضه الإتحاد الأوروبي بشدة ، والموافقة على تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية. علاوة على ذلك ، وبصرف النظر عن هذه العوائق الجانبية ، لا يوجد أي شيء في الإتفاقية لم يكن موجودًا تحت الإجراء أو لم يتم الإتفاق عليه بالكامل قبل تدخل الولايات المتحدة. وأخيرًا ، الإتفاقية ليست معاهدة ويمكن لأي من البلدين التخلّي عنها دون أي عقوبة.

يركز ترامب عادة على التنمية الإقتصادية كما لو كانت دواءً سحريًا يمكنه حل جميع النزاعات ، بغض النظر عن التاريخ ، والبعد النفسي (الذي لا يزال يطارد كوسوفو على وجه الخصوص) ، والبيئة السياسية العدائية السائدة التي كانوا يعيشون فيها وما زالوا يحتضنوها. ويقدم الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني أحد الأمثلة. ففي قمة اقتصادية عُقدت في البحرين ، تم الإتفاق على تزويد الفلسطينيين برزمة اقتصادية ضخمة كجزء من عملية تؤدي إلى السلام. ومع ذلك ، فقد فشلت فشلا ً ذريعا ً لأنها تجاهلت العلاقات الإقتصادية السابقة والحالية بين الجانبين ، ولم تفعل شيئًا لحل نزاعهما.

إن الصراع بين صربيا وكوسوفو متأصل بعمق في نفسيهما ، وطالما غابت المصالحة التاريخية ، فلن يخفف أي قدر من التطبيع الإقتصادي من عدم الثقة المتأصل في الجذور ومطالبهما الأساسية. ولإنهاء الصراع يجب أن تكون هناك بالفعل عملية مصالحة ، والتطبيع الإقتصادي ليس سوى واحد من عدة شروط مسبقة لنجاح مثل هذه العملية.

ومع ذلك ، يجب أن ترتكز عملية المصالحة على نبذ صربيا الدائم لحملة عدم الإعتراف بكوسوفو. إن مجرد تعليق مثل هذه الحملة لمدة عام ، كما هو منصوص عليه في الإتفاقية ، يدل على عدم التزام صربيا بالإعتراف بكوسوفو، الآن أو في أي وقت في المستقبل.

لقد ارتكب رئيس وزراء كوسوفو هوتي خطأً فادحًا بعدم جعل هذا المطلب شرطًا أساسيًا لأي اتفاق مع صربيا. في الواقع ، ما الفائدة من تطوير العلاقات الإقتصادية عندما تتمكن صربيا بعد عام واحد من استئناف حملتها لإزالة الإعتراف بكوسوفو؟ فشل هوتي في الإصرار على أن هذا المطلب يسخر من الإتفاقية بأكملها ، والتي تفيد صربيا اقتصاديًا دون مطالبتها بالإلتزام (وهو شرط أساسي للمصالحة وبناء الثقة) لإنهاء حملتها الشريرة. يجب التعامل مع التطبيع الإقتصادي فقط كخطوة أولى في عملية المصالحة ، والتي يجب أن تقوم على ما يلي لتؤدي إلى الإعتراف المتبادل:

أولاً: يجب السماح للأشخاص والبضائع بالتحرك بحرية عبر الحدود في كلا الإتجاهين لزيادة التواصل بين الأفراد ، الأمر الذي سيساعد تدريجياً في التئام الجروح وتعزيز الثقة المتبادلة. يحتاج الصرب الذين اعتادوا النظر باستخفاف لألبان كوسوفو إلى إعادة توجيه أنفسهم إلى الواقع الجديد، حيث تعتبر المعاملة المتساوية لجيرانهم أمرًا أساسيًا للمصالحة ، خاصة وأن صربيا أكبر وأكثر ثراءً وتفوقًا على كوسوفو عسكريًا. لا يمكن لكوسوفو أن تتفاوض من موقف ضعف وأن تقدم أي تنازلات مهمة دون إحداث غضب شعبي.

ثانياً: اتفاقية التجارة الحرة أمر حيوي ليس فقط لتوسيع وتحسين العلاقات التي يمكن للطرفين الاستفادة منها بشكل كبير ، ولكن لزيادة الكفاءة وإنتاج العناصر المصممة بشكل فريد للتصدير للطرف الآخر. علاوة على ذلك ، بدون تعريفات جمركية على جميع السلع المستوردة ، ستصبح ميسورة التكلفة وتتلقى طلبًا أكبر. إن فرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المائة على السلع الصربية المستوردة إلى كوسوفو ، والتي تم رفعها منذ ذلك الحين ، يقدم تجربة مذلّة ينبغي على البلدين أن يستخلصا منها درسًا مفيدًا.

ثالثًا: يجب أن تقر صربيا وتقبل مسؤوليتها عن جرائم الحرب التي ارتكبتها ضد كوسوفو خلال حرب عام 1999. فبدون هذا الإعتراف ، لا يمكن استمرار أي تطبيع اقتصادي أو أي تواصل آخر على أي مستويات اجتماعية وسياسية. إن الفظائع الصربية والرعب الذي عاناه ألبان كوسوفو خلال الحرب لن يتلاشى ببساطة بسبب التطبيع الإقتصادي. يجب على صربيا أن تحذو حذو ألمانيا. لو لم تعترف ألمانيا بالجرائم التي ارتكبتها ضد الإنسانية خلال الحرب العالمية الثانية ، لما تمكنت أبدًا من تجاوز وصمة عار تاريخية مرعبة ، ناهيك عن الإندماج في المجتمع الأوروبي وتصبح واحدة من كبار قادة الإتحاد الأوروبي.

رابعًا: يجب أن يشارك مراقبو الإتحاد الأوروبي في عملية “تحديد مواقع رفات المفقودين والتعرف عليهم … وتحديد وتنفيذ حلول دائمة طويلة الأجل للاجئين والمشردين داخليًا” على النحو المنصوص عليه في الإتفاقية وذلك لضمان معالجة هذه المخلفات المؤلمة العالقة من الحرب ، وهو أمر ضروري للمصالحة. كانت صربيا متحفظة في هذا الصدد في الماضي ، خشية أن يكون الكشف عن المقابر الجماعية بمثابة دليل إضافي على أنها ارتكبت بالفعل جرائم حرب على نطاق واسع. الإشراف ضروري لضمان الكشف عن الماضي ويمكن أن تبدأ الجروح في التئامها.

خامساً: بعد هذه العملية ، يجب على صربيا أن تلتزم بالإعتراف بكوسوفو كدولة مستقلة في غضون ثلاث إلى أربع سنوات ، حيث ينبغي خلالها حلّ العديد من القضايا المتضاربة من خلال المفاوضات المباشرة. وفي حالة الوصول إلى طريق مسدود ، سيتوسط الإتحاد الأوروبي في أي خلاف ، خاصة لأن كلا البلدين يريد الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي. إن إنهاء صراعهما مع مدخلات الإتحاد الأوروبي من شأنه أن يساعد في تسهيل التوصل إلى اتفاق ، وهو شرط مسبق للإنضمام.

وفي التحليل النهائي ، يجب على صربيا أن تقبل الواقع الذي لا رجعة فيه لكوسوفو كدولة مستقلة وأنه لا يوجد شيء يمكنها القيام به لتغيير هذا الواقع. أكثر من 110 دولة اعترفت بكوسوفو ، بما في ذلك الولايات المتحدة وأغلبية الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي. لقد حان الوقت لأن تتوقف بلغراد عن الحلم بكوسوفو كما لو كانت لا تزال أو يمكن استعادتها كإحدى مقاطعاتها.

صربيا ، مثل كوسوفو ، تعلم جيدًا أن أمنها وازدهارها في المستقبل يقع على عاتق الإتحاد الأوروبي. إن الدخول في مفاوضات بحسن نية لتسوية نزاعاتهما بهدف الوصول إلى اعتراف متبادل سيفتح أفقًا جديدًا لكلا البلدين ، حيث يمكنهما النمو والإزدهار وإعطاء الجيل الجديد مستقبلًا مليئًا بالأمل بدلاً من أن يظل مستعبدًا للماضي.

التعليقات مغلقة.