إيران واحتمالات المواجهة المفتوحة مع أعدائها “تحليل ستراتيجي”

منقذ داغر..

في تموز 2018 أشرت إلى ملامح ستراتيجية أمريكية جديدة في مواجهة إيران

.أساس هذه الستراتيجية هي التحول من الاحتواء إلى المواجهة. لقد أثبتت أحداث السنتين الأخيرتين أن أمريكا (مع حليفتها اسرائيل) نفذوا تلك الاستراتيجية معتمدين على مقاربتين مهمتين هما :

التحول من الإحتواء إلى المواجهة …التحول من الأطراف إلى المركز

جاءت سلسة التفجيرات الأخيرة التي حصلت في طهران كآخر حلقة في المقاربة الثانية اذ يبدو أن هناك اتفاقاً ضمنياً بين أمريكا واسرائيل (وبمباركة بعض الأطراف الخليجية )لتطبيقها. فبعد أن بدأت اسرائيل (وأمريكا إلى حد ما) حملة تجريد واسعة تستهدف مراكز قوة الميليشيات المرتبطة بإيران سواء في سوريا أو العراق ، فإن المرحلة الجديدة قد أنتقلت الى التركيز على رأس النظام الايراني ومصادر قوته وردعه الستراتيجي ( السلاح النووي الموعود ومراكز الحرس الثوري والصناعة العسكرية) . إن مراجعة بسيطة لدليل عمل الاستخبارات الأمريكية Intelligence hand book تؤشر بوضوح إلى أن سلسة الانفجارات الأخيرة في طهران هي تطبيق عملي لما ورد في ذلك الدليل بحسب تقرير مركز الأتلانتك للبحوث. فالتفجيرات الأخيرة تلبي ليس فقط شروط إثارة البلبلة في ايران بل والخوف والشك في اكثر من جماعة قد تكون مسؤولة عن هذه التفجيرات. واضح ان هذه الاثار الموصوفة وبشكل دقيق في ذلك الكتيب الارشادي يشير ضمناً إلى وجود تعاون أمريكي اسرائيلي في هذا الخصوص.

لقد أعلنت مصادر اسرائيلية وعبر أكثر من منصة اعلامية عن مسؤوليتها عن قسم من هذه التفجيرات بل أنها كانت تستبق كل الإعلام العالمي في الإعلان عنها. بذلك فإن الاستنتاج بوجود تعاون اسرائيلي أمريكي لا يحتاج لمزيد من الذكاء . لكن السؤال الأهم الذي أود الإجابة عليه هنا هو سر توقيت سلسة التفجيرات هذه.

يبدو أن هناك عدد من الاستنتاجات الستراتيجية التي قادت (إسرائيل) إلى حملة التجريد المكثف للقوة الإيرانية داخل إيران نفسها.

هذه الاستنتاجات مبنية على تحليل التهديدات والفرص المتاحة حالياً.

قدرة إيران على الرد (مستوى التهديد) :

عندما أراد الأمريكان استهداف قائد الحرس الثوري السابق (الجنرال سليماني) كانت هناك بعض الأصوات المعارضة داخل فريق العمل ودائرة القرار والتي كانت تخشى من رد فعل إيراني قوي بخاصة ضد المصالح الأمريكية في العراق والمنطقة. لكن مديرة المخابرات المركزية كانت تؤكد أن تحليل وكالتها يقول أن الرد الايراني سيكون محدوداً. وهذا ما حصل فعلاً إذ لم يتجاوز الرد الايراني ضرب قاعدة عين الأسد في العراق بعشرات من الصواريخ مع حملة إعلامية مكثفة تصور ما حصل بأنه نصر ورد أيراني مزلزل . واضح أن ذاك الرد لم يكن المقصود منه أمريكا بل أنصار أيران المؤدلجين في المنطقة.ويبدو أن ذلك كان اختباراً حقيقياً لقدرة إيران على الرد الرادع والمؤثر. من هنا نفهم قيام القوات الأمريكية بإعادة انتشارها في العراق بحيث أغلقت جميع معسكراتها ونشرت قواتها في قاعدتين عسكريتين (غرب الأنبار واربيل) في العراق وأمنت مستوى عال من الحماية ضد الهجمات الصاروخية وطائرات الدرون. وبذلك باتت أي عملية رد إيراني غير مؤثرة عملياً على الأمريكان سواء جرت بهجمات صاروخية إيرانية أو عبر وكلاء إيران في العراق والمنطقة. طبعاً فإن قدرة إيران على استهداف العمق الاسرائيلي واردة لكنها تبقى صعبة جداً لاعتبارات موضوعية كثيرة.

إنتهاز الفرصة :
يبدو أن ( اسرائيل) تدرك جيداً أن احتمالات عدم فوز ترامب بولاية ثانية باتت حقيقية ، لذلك فإن من الضروري انتهاز الأشهر الأربع القادمة لإيقاع خسائر ستراتيجية كبيرة في منظومة التهديد الايرانية لاسرائيل وبما يجعل تلك المنظومة غير قادرة على تهديد أمن اسرائيل خلال السنوات القادمة،ما دامت الادارة الامريكية الحالية توفر لها اعلى مستويات الدعم الذي تحتاجه لا لمهاجمة ايران حسب بل لدعمها في أي رد محتمل من جانب أيران. وفعلاً،فقد أشارت التقارير إلى أن الخسائر التي حصلت في موقع نطنز النووي جعلته غير قادر على العودة إلى مستوى نشاطه ما قبل الانفجار قبل سنتين قادمتين على الأقل .

من جهة أخرى فإن هناك حاجة لحملة ترامب الأنتخابية لتستثمر في انتصارات عسكرية على إيران مادام ترامب يعاني على صعيد سياسته الداخلية. لذلك فإذا ردت إيران عسكرياً على هذه الهجمات فإن ذلك سيمنح القوات الأمريكية المتواجدة في المنطقة (وهي تمتلك قوة ردع لا يستهان بها حسب ما صرح الجنرال ماكنزي قائد القيادة الوسطى )الشرعية والأذن بتوجيه ضربات قوية لأهداف إيرانية منتخبة أو لوكلائها في العراق والمنطقة. أما إذا لم ترد إيران وأرادت تفويت هذه الفرصة على ترامب فإن ذلك يمثل عاملاً مضافاً للعوامل التي تشجع اسرائيل على استهداف العمق الإيراني الان دون الخشية من رد إيراني فعال.

أما العامل الأخير في هذا التحليل الستراتيجي ، فهو إدراك (إسرائيل) والولايات المتحدة أن مقتل سليماني قد وجه ضربة قاصمة لمنظومة القيادة العسكرية الايرانية وقدرتها على تشكيل التهديد غير التقليدي ( عبر الميليشيات) للمصالح الأمريكية والاسرائيلية. ولم يخفِ أكثر من مسؤول عسكري أمريكي هذه التحليل. لذا تبدو الفرصة مؤاتية لاستغلال هذا الضعف والارتباك في منظومة الردع الايرانية غير التقليدية والذي بدت مؤشراته جلية خلال الأشهر الستة الأخيرة. وقد بدت ملامح هذا الضعف في القيادة الايرانية جليةً في العراق حيث تعاني الفصائل الولائية من صعوبات جمة في توحيد مواقفها العسكرية والسياسية بعد غياب قائدها الاوحد والذي على ما يبدو فشل في(او لم يكن يريد) تهيئة بديل يتولى القيادة عنه حينما يختفي.

إن هذا التحليل لوقائع المواجهة المفتوحة بين إيران وأعدائها الأقليميين والدوليين يجعلنا واثقين أن الأمور لم تنتهي بعد. وأن الفصل الأخير في هذه المواجهة لم يكتب بعد. وستشهد الأشهر والأسابيع القادمة مزيداً من التصعيد الاستفزازي (الاسرائيلي والأمريكي) لإيران. وستتعرض إيران لاختبار حقيقي وخيار مؤلم بين إثبات مصداقيتها في القدرة على ردع أعدائها من جهة وبين قدرتها على ضبط النفس بما يمنع من تعرضها لخسائر شديدة غير قادرة على مواجهتها في ظل مجابهة عسكرية مفتوحة مع (إسرائيل) وأمريكا بخاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وجائحة كورونا.خياران أحلاهما مر، وقد يكون البديل عنهما أو المكمل لهما تجرع السم كما حصل في 1988 والاستعداد للجلوس على طاولة مفاوضات تسمح بالوصول لأتفاق يتيح لأيران التمتع بعقد مماثل لعقد التسعينات لأعادة بناء قوتها الأقتصادية والعسكرية المستنزفة تماماً.

منقذ داغر: مؤسس ورئيس المجموعة المستقلة للابحاث في العراق،ومدير الشرق الاوسط وشمال أفريقيا في مؤسسة كالوب الدولية للأبحاث،وباحث أقدم غير مقيم في مركز الدراسات الستراتيجية في واشنطن.

التعليقات مغلقة.