الرئيسية / مقالات مختارة / إستبداد القاريء

إستبداد القاريء

أسعد العزوني

من المتعارف عليه أن الإستبداد هو سمة الأنظمة الديكتاتورية ،وهو ديدنها ،ولذلك لا يستغربن أحد سوي لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه ، ليس في الوطن العربي المستباح ،بل في مساحة العالم الثالث المحكوم بالعصا والحديد،ولكن المفاجأة الكبرى هي أن الإستبداد وصفاته إنتقل إلى القاريء العربي الذي أدمن على ممارسة أنظمته المستبدة،وبات يتصرف على هذا الأساس،ولذلك أرى أن حالنا المايل ،سوف لن ينعدل في المستقبل المنظور ،فالأمر أصبح منظورا ثقافيا .
هذه الإستبدادية التي يتمتع بها قارئنا ،ترهق الكاتب أو المحلل السياسي الذي آثر عدم التخندق في خندق طرف من أطراف الصراع، وبذلك يكون الكاتب قد أجبر على تغيير قناعته إرضاء للقاريء ،مع أنني أرى أن ردة الفعل هذه ،سوف تدمر المنهج الذي يسير عليه الكاتب إن كان ضعيف التصور.
صحيح أن هناك كتابا رهنوا أقلامهم وجيروا أفكارهم وبات يشار إليهم بالبنان ،وإرتضوا ان يكونوا من كتاب السلاطين ويؤرخوا لإنتصارات السلطان ،ويرسمون صورته وكأنه ملهم زمانه،وبذلك نخرج بنتيجة تحاكي واقعنا ،ونفشل في التغيير أيا كانت درجاته.
هناك نظرية تقول أن الكاتب الذي يهاجم حركة حماس على سبيل المثال ،إنما هو يعمل لصالح عباس ،والعكس صحيح،وأن الكاتب الذي يمتدح الإخوان المسلمين ،إنما هو من أعداء السيسي،والعكس صحيح أيضا،وكذلك الحال بالنسبة لسوريا ،فمن إنتقد الحراك السوري ،يراه البعض بأنه من شبيحة الأسد،والعكس صحيح بالضرورة.

الكاتب والمحلل السياسي يجب أن يكون غير مرتبط بجهة ما ،حتى يحسن التحليل ولا ينحاز لجهة ضد أخرى ،لكن إلتزامه تجاه وطنه وأمته يجب ألا يكون محل شك،وعندها سيكون تحليله سليما لا منحازا لهذه الجهة أو تلك،وبذلك يكون قد قدم للقاريء وجبة دسمة ،يغلب عليها المنطق ،أما في حال كونه منحازا فسيظهر بلون واحد ،ويكون ممجوجا .
في هذه الحالة ،وعندما يكون المحلل السياسي غير منحاز، يضرب هنا وهناك ، ويضع إصبعه على الجرح ،دون أن يكون خائفا على مكتسب من هنا أو هناك،وأكثر من ذلك يكون مرتاح الضمير ،لكن هذا لا يعجب ،لأن البعض يحب أن يسمع ويقرأ ما يفكر به،والويل والثبور من عظائم الأمور إن خالف الكاتب ،ما يفكر به القاريء،حتى لو كان ذلك مسا بكل القيم.
الكاتب الملتزم بالحقيقة دائم البحث والتنقيب عن الحقيقة ، ويسمع من كل الأطراف ،ويحلل ويناقش ما يعثر عليه من معلومات ،وما يسمعه من آراء، ويفرز ،ويشكك بكل معلومة قبل أن يشبعها تقليبا مع ذاته ،وهنا لا بد أن يكون الكاتب صاحب تجارب ومواقف ،ولا تمر عليه معلومة ،هكذا مرور الكرام،وعند ذلك يكون منتجه الذي قدمه للقاريء لا غبار عليه منطقيا وبحثيا ،وإن خالف وجهة نظر القاري.
يجب أن يكون لدى الكاتب أيضا رؤية ثاقبة ،ومعرفة كبيرة بالتاريخ والجغرافيا وعلم المنطق ، لكنه مطالب بعدم توظيف موقفه الشخصي لتضليل القاريء وإقناعه بهذا الموقف ،بل عليه أن يطرح أفكارا إشكالية ،فعلى سبيل المثال عليه ألا يكتفي بإدانة الإنقسام الفلسطيني ،بل عليه أن يغوص بما وراء هذا الإنقسام ويسلط الأضواء على أسبابه وتداعياته والمستفيدين منه .
وفيما يتعلق بالمحرقة التي تشهدها سوريا ،فإن المطلوب من الكاتب ألا يتخندق مع هذا الطرف أو ذاك ،لأن النار التي تشتعل في سوريا إنما مصدرها الجميع ،ولو أن أحدا كان قلبه أصلا على الشعب السوري لتوقف عن صب الزيت على النار، فالجميع يعرف أن النظام في سوريا مستبد وظالم ،وكان من الأجدر أن يقرأ الرسالة التي بثت إليه من قبل أطفال في درعا ،ويأمر بإصلاح جدي ،كما أن على الحراك المسلح أن يراجع حساباته ،ويتوقف عند حسابات الربح والخسارة،فما يجري في سوريا عبث مطلق ،ويجب أن تظهر جماعة أخرى تزيح النظام والحراك من الطريق رحمة ورأفة بالشعب السوري وسوريا.
ما أود قوله هو أن الكاتب الذي يكتب من أجل الحقيقة دائم المراجعة لنفسه وتجديد معلوماته والنظر مجددا في إنحيازاته وفقا لما يتوصل إليه من قناعات كونها بنفسه ،لا أن يفرضها عليه أحد ما مقابل مكتسب ما، عندها سيكون شأنه شأن الاخرين الذين يكتبون ما يملى عليهم وهم منه براء ،لكنه ينشر بأسمائهم.
هناك ظاهرة خرجت علينا بها المواقع الإليكترونية ،وهي النشر لمن هب ودب ،والأخطر من ذلك تلك التعليقات التي تنهمر بعد نشر بعض المقالات الملتهبة ،وهذه التعليقات مصنفة لعدة أجناس ،الأول تعليقات جاهل حاقد ،والثاني تعليقات موجهة ينفثها الموساد لتعميق الفرقة بين أبناء الشعب الواحد،والثالث تعليقات ينفثها أناس مهمتهم إغتيال الشخصية والهجوم على كل ملتزم ومبدع من باب تصفية الحسابات ،أما الصنف الرابع فهو لقراء متوازنين،والأشد خطورة هو الصنف الخامس الجبان الذي يوقع بإسم مستعار ،ويمارس حقده وجهله وجبنه بكتابة ما يحلو له.
لذلك أقترح عدم السماح بمرور التعليقات المجهولة الإسم، وعدم التجريح ،والإتفاق على أن الإختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية ،عندها سيبدع الكاتب أكثر ،ويستمتع القاري بوجبات فكرية ومعلوماتية دسمة يغذي عقله بها ويقرر ويختار ، ونخلص إلى نتيجة لا ضرر ولا ضرار ،ومن العيب أن نخضع الجميع لوجهة نظرنا ،مع أن العاقل يدافع عن وجهة نظر غيره وربما يموت دفاعا عنها.

اترك تعليقاً