الرئيسية / مقالات مختارة / أنا والفيدرالية ( 1 ) / ظافر العاني

أنا والفيدرالية ( 1 ) / ظافر العاني

لاتعاتبوا دعاة الفيدرالية بل لوموا الظالمين 
لسؤ حظي تم اختياري في الدورة البرلمانية السابقة رئيساً للجنة الأقاليم والمحافظات ، وهي من بين اكثر اللجان أهمية ،  فمجرد اسمها مقروناً بالأقاليم كان يشعرني بالنفور . هكذا أنا نشأت عروبياً كأبناء جيلي وأحب ان أرى وطني موحداً بلا أي ثلمةٍ فيه ، رغم أني استسلمت لفكرة وجود اقليم كردستان ، فهو أمر واقع واناأُقدّر ان هذه رغبة إخواني الكورد وهو مطلب قومي بلورته المعاناة والهوية المشتركة والجبل والسروال .
ولكن اللجنة التي أرأسها كان عليها وفقاً للدستور ان تنجز قانون الإجراءات التنفيذية لتشكيل الأقاليم خلال ستة شهور من بدء البرلمان ، وبدأ البرلمان ودخلت في فترة عصيبة من الصراع السياسي والاعلامي المحموم للوقوف بوجه إقرار القانون ، وقد أجلت إقراره بالفعل لما يقارب السنة ، لكن المحكمة الدستورية أوجدت تخريجاً بان المدة تبدأ من بدأ تشكيل الحكومة لأن الجلسة الاولى صحيح انها بدأت ولكنها ظلت مفتوحة لشهور حتى تشكلت حكومة المالكي الاولى .
كان دعاة الاقليم يريدونه إقليماً طائفياً ، هذا رأيهم الذي اعارضهم فيه بشكل قاطع بالأمس واليوم وغداً ، وقلت عبارة ما أزال مؤمناً بها ، ان القانون بصيغته الطائفية هو وصفة جاهزة للحرب الاهلية والتقسيم ، ورحتُ أنظِّر في كل مكان لمعاداة الفيدرالية الطائفية .
وللحق فقد اصطف بقوة الى جوارنا في التوافق والحوار الاخوة في التيار الصدري والفضيلة  .
واستطاع البعض  عبر الضغط ان يحَّوروا القانون من تشكيل أقاليم ذات صبغة طائفية الى اقليم ذو مسحة إدارية بحيث تستطيع محافظة واحدة ان تتحول الى اقليم ، فما لايدرك كله لايترك جله . كان هذا خطاً دفاعياً ثانياً لو فشلت الجهود في منع المنادين بالفيدرالية الطائفية .
 ومع ذلك لم يبق على إقرار القانون الا يوماً واحداً ، يوم واحد يفصل بين إقرار القانون او تجاوز المدة ، وبعدها تحدث مشكلة قانونية لايمكن حسمها الا عبر المحكمة الدستورية ، وسيكون لدينا وقت لمعركة سياسية قادمة .
وصلنا لليوم الأخير . ياألله لم تبق الا ساعات تفصلنا عن الموعد النهائي للقانون ، والحملة السياسية والإعلامية قد جاءت بثمار طيبة  فالنصاب القانوني للجلسة لم يكتمل بعدما قاطعنا الجلسة ، لكن المجلس الأعلى وحزب الدعوة  كانا مصرين على التصويت قبل انتهاء اليوم وبالطبع معهم التحالف الكردستاني الذي يعتبر انشاء أقاليم جديدة تعزيزٌ لإقليم كردستان .
النصاب القانوني غير كامل ، والوقت يمر وانا لم يبق إظفرٌ في أصابعي الا وهرسته بأسناني وهي عادة قبيحة تلازمني من الصغر كلما شعرت بالقلق الجدي  . انها قضيتي وقضية وطني الذي لا أريده الا موحداً بكل ذرة تراب فيه .
مضت ساعة وساعتان والجلسة معطلة بسبب عدم إكتمال النصاب، وقد جاء السيد عبد العزيز الحكيم ( رحمه الله ) الذي لم يحضر جلسات البرلمان السابقة ، بسبب وضعه الاعتباري ، وشدة مرضه ، جاء لكي يكمل النصاب الذي كان مختلاً ، فهو يعتبرها قضية مركزية في أفكاره وتوجهات المجلس الأعلى . قولوا ماشئتم لكني اعتبرت هذا الموقف دلالة منه على مبدئيته للقناعات التي يؤمن بها ، حتى وان اختلفت معه فيها جملة وتفصيلاً . فانا احترم خصومي المبدئيين حتى وان اختلفوا معي ، لكني امقت الانتهازيين حتى لو اصطفوا بجواري .
الدقائق تمضي بطيئة ، والحوار الجانبي كان ساخناً للغاية ، ونحن ننتظر خارج القاعة ونحسب أعداد الذين يدخلون فتضطرب دقات قلبي مع كل نائب يدخل القاعة ويزداد معه عدد الحضور  . عصر ذلك اليوم اكتمل النصاب ، اكتمل النصاب بدخول ثمانية من أعضاء القائمة العراقية التي يرأسها الدكتور أياد علاوي ، وهو الذي كان يقف علناً ضد القانون ، ولكن أهم منظريه الرئيسيين كان من اعضاء قائمته وهو الدكتور وائل عبد اللطيف .
اعلن رئيس البرلمان الدكتور محمود المشهداني اكتمال النصاب وقرع الجرس للدخول للقاعة للتصويت على القانون ، ولكني رئيس اللجنة التي عليها ان تقرأ القانون للتصويت عليه .
دخلتُ القاعة وقلت لهم لن اسمح بقراءة القانون قبل ان أقول رأيي ، فاغتاظ هادي العامري رئيس فيلق بدر قبل ان يحوله الى منظمة . اصريت على موقفي وقلت : مستحيل ان يقرأ قبل ان أقف على المنصة وأقول كلمتي ، ووافقوا على مضض .
وقفت على المنصة ومن بين ماقلتُ  : أنـــا لايليق بي وبتأريخي وقناعاتي ان أكون رئيساً للجنة تسن قانوناً يمهدُ الطريق لتقسيم العراق ، ولذا أعلن أستقالتي منها .
خرجت من القاعة وبدأوا بقراءة القانون والتصويت عليه على عجل كي لا يختل النصاب ، وبعد ذلك سمعنا التصفيق  وعلت اصوات الحاضرين للجلسة حتى وصلت أسماعنا ونحن خارج القاعة ( اللهم صلي على محمد وآل محمد ) . فأعلنت حزني الأبدي .
واليوم ، ماذا عن اليوم ؟ ما بالي لا أقف نفس الموقف المتشدد من المنادين بالإقليم في المحافظات الست المنتفضة ، لماذا اعترضتُ بشدة على فكرة ( الاقليم خيارنا ) التي كانت مخصصة شعاراً للجمعة الفائتة ولكن من خلف الكواليس ، لماذا لا أعلن موقفي المعترض جهاراً نهاراً كما فعلت عندما كان الشعار هو أقليم الشيعة ، لماذا أتردد في مواجهة شرسة مع المعتصمين المنادين باقليم ؟ لماذا أكتفي بالحوار معهم لأقنعهم بوجهة نظري ؟ هل هي نزعة طائفية مني ؟ سأترك الحكم لكم .
ولكني أرجوكم تمهلوا ، لا تحكموا على من ينادون بالإقليم بانهم دعاة التقسيم فأنا أعرف حرقة قلبهم على العراق الموحد مثلي ومثلكم ، واعرف كم أنهم قلقون مثلي ومثلكم من حرب محتملة ، وبأنهم يريدون عراقاً موحداً ولكن على ان لايعيشوا فيه كالعبيد ، انهم باحثون عن الكرامة باي وسيله حتى لو كانت محفوفة بالشكوك ، ارجوكم لا توجهوا عتبكم عليهم  بعدما دُفعوا لحافة اليأس ، لاتعاتبوا من يشعرون بالظلم : بل لوموا الظالمين .
سياسي عراقي

اترك تعليقاً