الرئيسية / مقالات مختارة / أسطورة جهاز كشف المتفجرات في العراق!

أسطورة جهاز كشف المتفجرات في العراق!

عماد رسن
يوجد عندنا في العراق جهاز غريب عجيب استوردته الحكومة العراقية منذ سنوات, نعم, إنه جهاز كشف المتفجرات آي دي إي 651.

أن لذلك الجهاز الذي يحمله العسكريون قدرات عجيبة غريبة, فضلا ً عن قدرته على كشف المتفجرات فهو أشد فاعلية من الكلب في الكشف عن الروائح والعطور, إذ يستطيع أن يشم روائح المحبين عن بعد وكذلك يميز روائح الإرهابيين, وحتى السياسيين عندما يسمح لهم بالمرور بسلاسة عند نقاط التفتيش, فلو كنت مثلا ً على موعد مع حبيبتك وتعطرت بشيئ من العطر واكتشف ذلك الجهاز رائحة ذلك العطر, فأنك بلا شك ستروح بستين داهية, أو ستة بسود على حد قول العراقيين. و يستطيع هذا الجهاز الكشف عن جميع أنواع المعادن, حتى البلاتين الموجود في الجسم, فهو يكشف عن البلاتين الموجود في حشوة سن الإنسان, فلاتستغرب أن وجدت عسكريا ً يحدق بفم أحد المارة بحثا ً عن ذلك المعدن الرهيب.

وللجهاز خصائص أخرى, فهو يكشف عن الكذب, والتزوير, ويكشف عن المؤامرات حتى لو حيكت من بعد آلاف الكيلومترات, وهو يستطيع أن يفرق بين الذكر والأنثى بل أنه يستطيع تمييز جنس الجنين قبل ولادته, فترى النساء الحوامل يحرصن على المرور من سيطرات التفتيش لمعرفة جنس الجنين. ويمكن استخدام هذا الجهاز الجني الأسطوري في الكشف عن نوايا الأشخاص الذين يمرون بقربه, فهو يميز بين أصحاب النوايا الطيبة والشريرة, بل يتعدى ذلك, فهو يستخدم أيضا ً بالتنبأ بمستقبل الأشخاص ويمكن إستخدامه في عملية الأستخارة كطريقة عصرية جديدة, ففي مرة من المرات استطاع هذا الجهاز أن يتنبأ بفوز برشلونة على ريال مدريد مما أثار حفيظة مشجعي برشلونة فشككو بالجهاز وقدراته ليخلقوا أزمة سياسية في البلد. نعم, لهذا الجهاز وظائف لاتتسع هذه الأسطر في ذكرها فسعره الزهيد مقارنة بقدراته يقارب الأربعين ألف دولار,

ومن حرص الحكومة على سلامة الشعب العراقي فقد استوردت الآلاف منه بملايين الدولارات. لكن الملفت أن هذا الجهاز خلق أزمة سير في شوارع بغداد بشكل ملفت, إذ أن كل أصحاب السيارات يودون أن يمروا من خلال هذا الجهاز, وكل سائقي الأجرة أيضا ً, حيث يسأل الراكب قبل الصعود, هل ستمر على سيطرة فيها هذا الجهاز, فإن كان الجواب نعم فسيركب الراكب حينها بلاتردد, ولهذا السبب, لايمكنك المرور من نقطة تفتيش فيها هذا الجهاز إلا بعد ساعات طويلة.

لكن, لايوجد شيئ مثالي في هذا الكون, فلهذا الجهاز عيوب أيضا ً, فمن عيوبه أنه يعمل فقط بالصدفة, نعم, بالصدفة ولاتستغربوا هذا الكم الهائل من الطلبات على هذا الجهاز في العراق, فحياة العراقيين تسير وتعتمد على الصدفة, فالصدفة تلعب دورا ً كبيرا ً في تمشية حياة العراقيين, فيمكن لك أن تجد شخصا ً بالصدفة فيساعدك على الحصول على وظيفة أو لمتشية معاملة مقابل مبلغ من المال, ويمكن للصدفة أن تحل أكثر المشاكل تعقيدا ً حينما يصدف أن يكون المسؤول أحد أقاربك أو من منطقتك أو عشيرتك أو طائفتك, فما بالك لو كان نسيبك!

أذن, جهاز في غاية الروعة بكفائته وأغراضه المتعدده إلا أن الغريب في الأمر أن المسؤول عن صناعة وتصدير هذا الجهاز قد أدين في بريطانيا بتهمة الغش والتزوير في بيع هذا الجهاز. فقد نشرت جريدة الجارديان البريطانية أن جيمس ماكورماك, الذي أصبح مليونيرا ً على أثر بيع هذا الجهاز, قد يواجه عقوبة السجن عشر سنوات من أجل ذلك.

ومن الملفت أن دوائر حكومية عسكرية بريطانية ساعدت في تسويق هذا الجهاز. ومن تقرير عرضته البي بي سي البريطانية أن الشركة المصدرة لهذا الجهاز تقبع في مكان ريفي وصاحبها رفض عرض وجهه على الكامرات بالرغم من أنه ظهر في مؤتمر في العراق يسوق لجهازه ويعرض تجربة الجهاز بعد أن تم التشكيك فيه من قبل مصادر متعددة, إلا أن صاحب البي بي سي وخبراء أكاديميون أطلعوا على مكونات هذا الجهاز اللغز ووصفوه بأنه يشبه في عمله العصى السحرية التي تستخدم من قبل البعض لكشف المياه تحت الأرض وأن الشيفرات التي تستخدم في التمييز بين المواد المتفجره لاتختلف في تكوينها وسعرها عن شيفرات الهاتف النقال.

اضف إلى ذلك فقد تم تصنيفه كخدعة أو كجهازعديم الفائدة من قبل مؤسسات عسكرية أمريكية ولم يشتر هذا الجهاز سوى الدول الفقيرة التي ينخر الفساد مؤسساتها كالعراق وجورجيا والنيجر.

لماذا تستورد الحكومة العراقية ستة آلاف قطعة من هذا الجهاز بملغ 85 مليون دولار وهي غير ضامنة قدرته وكفائته, هل أن دماء العراقيين رخيصة لهذه الدرجة بحيث جعل الحكومة العراقية تعتمد على الصدفة في عمل هذا الجهاز, هل هي متاجرة بمصائر وأرواح المساكين, أم ماذا!

لماذا نعيش سنوات عديدة مع عشرات الآلاف من الضحايا على كذبة أسمها جهاز كشف المتفجرات, هل نحن بلهاء وسذج لهذه الدرجة التي تجعلنا نعلق أرواحنا بجهاز يحاكم صاحبه بتهمة الغش والتزوير لتصديره هذا الجهاز في بلده ونحن نستقبله كالملاك أو المخلص الذي سيخلصنا من كل الشر بجهاز أصغر من علبة الحلويات فيه هوائي صغير كلفته اربعين الف دولار أمريكي.

لكن السؤال الملح هو, خلال كل تلك السنوات التي نما فيها الإرهاب في العراق, هل كنا جادون فعلا ً بمحاربة الإرهاب؟ وهل توجد عندنا استراتجية واضحة لمحاربة الإرهاب خلال السنوات القادمة؟ أم كل شيئ سوف يعتمد على الصدفة التي تلعب دورا ً كبيرا ً في حسم مصائرنا, ولما العجب, فالوثوق بالصدفة والقضاء والقدر هو جزء من منظمتنا العقائدية أو الأيمان بالغيب .

فنحن كبلد تقوده أحزاب دينية تعتمد على الغيب وتؤمن بالماورائيات بالتأكيد ستجد للصدفة حيز في تفكيرها وستبرر الصدفة على إنها قدر محتوم وشيئ مكتوب من عالم الذر, ولما لا أذا ماكانت الصدفة تبرر الفساد الأداري والمالي, ولما لا أذا ماعتبرت الصدفة قدر محتوم فسيذهب القتلى من المفخخات التي لم يكتشفها ذلك الجهاز الأسطورة إلى الجنة!

هل نحن جادون بمحاربة الإرهاب, ولا أقول مكافحته بل محاربته, فهناك فرق بين الحرب والمكافحة.

أن محاربة الإرهاب هو تصنيفه على أنه عدو خارجي بوسائل غالبا ً ماتكون عسكرية, وأن هذا العدو معروف وواضح ومشخص, أما مكافحة الإرهاب فهو يصنف الإرهاب على أنه ظاهرة لها جذور اجتماعية وثقافية وسياسية, نعم, ربما هناك أسباب خارجة تستغل تلك العوامل لكنه بالتالي يعرف على أنه ظاهرة.

في كلا الحالتين, وإلى الآن, لم يشخص الإرهاب في العراق كعدو أو كظاهرة, إلى الآن, وبعد عشر سنوات من الموت والدماء وتوابعهما لايوجد لدينا أجهزة حقيقة لكشف المتفجرات, كسيارات السونار المتطورة ولا كامرات كما في مدينة بوسطن ولاحتى كلاب مدربة, لايوجد لدينا مركز لدراسة ظاهرة الإرهاب فيه من الأكاديمين الاجتماعيين والنفسيين والسياسيين ومن الخبراء الميدانيين الذين يستطيعون فهم هذه الظاهرة ومعرفة جذورها إن كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم نفسية أم دينية, فلكل من تلك العوامل علاج يختلف عن الآخر. أن مراكز مكافحة الإرهاب منتشرة في أوربا وأمريكا بالرغم من أنهم لايتعرضون إلا لأقل من واحد بالمئة مما نتعرض له من إرهاب.

اضف إلى ذلك, أين الجانب الأستخباراتي في مكافحة الإرهاب, فدول كالسعودية والأمارات وحتى كندا يكتشفون المشبوهين والمخططات قبل تنفيذها, أما عندنا فالإرهابيون همم من يمسك بزمام الأمور, وهم من يدير الدفة ويلهث ورائهم رجل الأمن, نعم, أن رجل الأمن يركض وراء السراب, خلف عدو كالشبح لاتوجد لديه ملامح فيوقع به متى وأين يشاء.

الآن, وبعد أدانة صاحب الجهاز الأسطورة, ماذا ستفعل الحكومة العراقية, هل سترفع قضية على الرجل وعلى من ساعده في ترويج هذا الجهاز من الحكومة البريطانية. هل ستصان دماء العراقيين وحقوق من ماتوا على أثر فشل هذا الجهاز, ليس المدنيين فحسب, بل العسكريين الذين يحملون لعب الأطفال معتقدين أنها تكتشف المتفجرات, أي لعبة حقيرة وقذرة يتعرض لها الشعب العراقي ويدفع ثمنها من دماء أبنائه قبل أمواله المسروقة!

لمشاهدة تقرير البي بي سي عن هذا الجهاز:

اترك تعليقاً