الرئيسية / مقالات مختارة / أسامة النجيفي إلى الوراء در.. لا تتدخل بين الشيعة والأكراد

أسامة النجيفي إلى الوراء در.. لا تتدخل بين الشيعة والأكراد

مقالات مختارة : خطأ كبير ارتكبه رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي، يضاف الى سلسلة أخطائه السياسية القاتلة وما أكثرها عندما وضع نفسه بين نوري المالكي ومسعود بارزاني المتعاركين بالكلام والتهديدات الجوفاء حاليا! والمتحالفين ضد السنة العرب في العراق سرا وعلانية، وكان الاجدر به – أي النجيفي- ان يقف بعيدا عنهما ولا يتدخل في خلافاتهما القائمة على التربح المالي والانتفاع الشخصي والكسب المناطقي والامتيازات السياسية، فقد أثبتت السنوات التسع التي مرت بالعراق منذ احتلاله في أبريل 2003 ان التحالف الشيعي الكردي الذي أرسى ركائزه، بوش وتشيني ورامسفيلد وبول برايمر بالتعاون والتنسيق مع خامنئي ورفسنجاني ولاريجاني وقاسم سليماني، أقوى من مزاج رئيس حزب الدعوة الذي صدق خيالاته أنه رئيس وزراء بحق وحقيق وهو لا يصلح، وأقوى ايضا من أوهام رئيس اقليم كردستان الذي يحلم بقيادة دولة داخل دولة، من دون ان يدرك ان لا وجود لدولة او حتى شبه دولة في العراق وانما سلطات موزعة في بغداد والنجف واربيل والسليمانية وكل سلطة تتعاون او تتعارض مع الاخرى حسب اجندتها ومصالحها.
ثم ان بارزاني مازال ينظر الى نوري المالكي كما كان يتعامل مع جواد المالكي الذي كان يتردد عليه مرارا وتعاون معه كثيرا منذ سنوات المعارضة البائسة عندما كان يحج الى اربيل وصلاح الدين مع ربعه، وهذه مسألة كان على مسعود ان يفهمها منذ البداية، لان نوري اليوم ليس جواد الامس، فهو اليوم صاحب سلطة ومال وخدم وحشم وشرطة وعساكر وصفقات وعلاقات، واصبح متشبثا بالكرسي ومتمسكا بالمنصب اكثر من ذي قبل ويرى ان على الصديق والحليف ان يكون معه على طول الخط بلا منافسة او مشاكسة، بل انه بدأ يسعى الى تقديم نفسه كزعيم وطني عراقي بعد ان شبع من زعامة الشيعة حتى انه بهذا الصدد بعث مؤخرا برسائل ترضية الى عدد من الشخصيات الوطنية والقومية والدينية وواحد من هذه الشخصيات حضر وشارك في مؤتمر أو اجتماع القاهرة للمصالحة الذي رعته الجامعة العربية في نهاية 2005 خلال حكومة ابراهيم الجعفري يقول فيها: (ارجو طي صفحة تلك الايام التي لم أكن فيها الاسم الاول ولا العنوان الاول ولا المسؤول الاول)، ومن حضر ذلك المؤتمر وتذكر تلك الايام لا ينسى ان المالكي الحالي كان لولب الشيعة في إفشال المؤتمر وكان عنوان وظيفته رئيس لجنة الامن والدفاع في ما كانت تسمى (الجمعية الوطنية) والرجل الثاني في حزب الدعوة بعد الجعفري، لاحظوا كيف يتبرأ من اسمه السابق ووظائفه السابقة وأدواره السابقة كأن العراقيين لا ذاكرة لهم.. ولا نستبعد ان يأتي يوم قادم نجد انه قد تبرأ من قتل المرحوم اللواء المتقاعد عدنان نبات الذي اختطف من حي (السيدية) ببغداد ونقل الى طويريج حيث اعدم هناك بطريقة بشعة ايام كان مديرا عاما في هيئة الاجتثاث الملعونة في أغسطس 2003، ولا نستبعد ان يدافع عن نفسه ويقول: يا عالم يا ناس انا نوري المالكي وليس جواد المالكي افهموها وخلصوني.. وعندها سيضطر اهل وذوو المغدور الى استدعاء احمد الجلبي رئيس الهيئة ومثال الالوسي وجلال الصغير عضوي الهيئة للشهادة وبيان (الفرق) بين جواد ونوري (المالكيين).
وعودة الى النجيفي الذي حول نفسه الى (بوسطجي) وشد رحاله الى اربيل حاملا رسالة من المالكي الى بارزاني، وعاد محملا برسالة اخرى وفي ذهنه انه يقوم بدور (حلال) عقدة او مشكلة من دون ان يعرف لسذاجته او قلة خبرته، انه ليست هناك مشكلة حقيقية بين نوري ومسعود، لان الاثنين في مركب واحدئ يجمعهما منذ سنوات طوال، ربما يتخاصمان مؤقتا في أيهما يقود المركب؟ ولكن سرعان ما يعودان ويتعانقان وينسيان ما حصل بينهما كأن شيئا لم يكن.
والماضي القريب يشهد على ذلك، فلم تصل الامور بينهما ولا مرة واحدة الى قطيعة او مقاطعة، وآخرها ما حصل بينهما حول ما سمي أزمة النفط، فقد هدد المالكي الاكراد بالويل والثبور وعظائم الامور، اذا استخرجوا النفط من شمال العراق او باعوه الى ايران وتركيا من دون إذن منه، وخرج نائبه حسين شهرستاني الذي صار (عدادا) واعلن في اكثر من مناسبة ملايين براميل النفط التي يهربها الاكراد الى الخارج، وطلع أحد ببغاواته ويدعى محمد الصيهود قضى عمره يحوف حول صرائف الفقراء يتحين الفرصة للسرقة وأشياء اخرى، وقال بعظمة لسانه ان (دولة الرئيس) ويقصد رئيسه المالكي، لديه وثائق ومعلومات مؤكدة عن حجم الاستثمارات والاموال التي جنتها الاسرة البارزانية الحاكمة من تهريب النفط العراقي، ثم في لحظة توقفت تهديدات المالكي وعنتريات شهرستاني وهوسات الصيهود واسدل الستار على المشهد المسرحي وخرج الجمهور من دون ان يفهم ماذا حصل، كل الذي شاهده بعد ذلك ان المالكي وبارزاني خرجا (حبايب) لا غالب ولا مغلوب، النفط يتدفق من شمال العراق واكثر من السابق ونوري متفرج وقد بلع تهديداته وأمر بتسديد مبلغ مليار دولار الى الشركات الاجنبية العاملة في شمال العراق من الميزانية العامة، وشهرستاني صامت يمسح لحيته بلا حياء، والصيهود يُعدل عقاله على رأسه ويتبختر أمام حنان الفتلاوي وعالية إنصيف، عسى ان تحن الاولى عليه شرط الا تتذكر زوجها القتيل في الحلة غدرا وغيلة، أو تتخيله الاخيرة كأنه جمال البطيخ الهارب منها بالجمل بما حمل.
ان تدخل اسامة النجيفي في شأن لا يعنيه مسألة تسييء اليه، لانه غير مرضي عنه من طرفي الخلاف وليس النزاع كما يتوهم الـ(بعض) في توصيفه، ثم ان كلا الجانبين على خطأ، فماذا يفعل النجيفي وهو غير قادر أصلا على ايجاد موقع رضا عنه من قبل الاثنين مهما جهد نفسه؟ يضاف الى ذلك كله ان المالكي وبارزاني في قلبيهما حسرة منه ولا نقول غصة، المالكي ينفر منه ويسعى دائما للانتقاص من مكانته ووظيفته ونتذكر جميعا كيف وقف وتحدى النجيفي قبل ثلاثة اشهر ايام ضجة سحب الثقة وقال وهو يهدد: لا استجواب ولا نزع ثقة في مجلس النواب وانما على رئاسة المجلس ان تغير ممارساتها، اما بارزاني فإنه ينظر الى اسامة كأنه متطفل على الموصل العربية التي زحف الاكراد الى عدد من نواحيها واقضيتها واستولوا عليها، وبالتالي فانه من الصعب على النجيفي ان يقنع أيا منهما حتى لو وجد حلا من بنات افكاره، لان الاثنين لا يثقان به وربما يعتقد كل واحد منهما انه منحاز الى احدهما خصوصا ان كلا من مسعود ونوري يفسر مواد الدستور (الاعرج) حسب رؤيته ومزاجه ويظن انه على حق.
ان وساطة النجيفي لمصالحة مسعود ونوري لن تنجح بالتأكيد، ليس لأن الاثنين أصدقاء وحلفاء في القضايا الكبيرة فحسب، وانما لأن الذي حدث بينهما مؤخرا سحابة صيف سرعان ما تنجلي ويعود الود والوئام بين الاثنين الى سابق عهدهما ويخرج اسامة من الحفل بلا لبن اربيل ولا (هريسة) شيعية، وهذا يعني ان بارزاني والمالكي ضحكا على النجيفي وتسلى به كل واحد منهما على طريقته الخاصة خصوصا ان جلال طالباني قد دخل على الخط وهو يحظى بمقبولية اكثر لدى الطرفين من النجيفي وغير النجيفي، لانه واحد من حراس بوابة التحالف الشيعي الكردي ويحرص دوما على ترصينه وحمايته ويسعى الى توسيعه وتطويره، وقد تحدث قبل فترة احد مساعديه وهو عادل مراد الى صحيفة (الشرق الاوسط) اللندنية حيث قال بالفم الملآن ان الحلفاء الحقيقيين للأكراد هم الشيعة فقط، منتقدا من طرف خفي مسعود بارزاني لانه يخدم بخصومته المؤقتة مع نوري المالكي من سماهم أعداء الكرد التاريخيين السنة العرب.
سيقدم نوري المالكي المزيد من التنازلات لمسعود بارزاني وهو الذي قدم الكثير منها في الماضي القريب، وسيحول قوات دجلة التي رفضها الأكراد الى مجرد وحدات شرطة تنسق مع قوات البيش ميركة وتتقاسم النفوذ والرشا والعمولات معها في كركوك وما يسمى المناطق المتنازع عليها وفق المحاصصة الثنائية (ففتي ففتي) لان المالكي لو كان جادا وشجاعا ووطنيا لاستخدم سلطاته الدستورية كقائد عام للقوات المسلحة العراقية وأمر بنشر الجيش العراقي في جميع انحاء العراق، ولكنه الجبن الذي يحكم تصرفات زعيم حزب الدعوة والحرص على تماسك التحالف الشيعي الكردي، هما يقودانه ويسيرانه وشاهدناه في كثير من المناسبات والحالات.
ويا أسامة النجيفي.. اطلع منها ودع الاثنين يحلا خلافاتهما المصلحية بأنفسهما لأنك بالنسبة اليهما فائض عن الحاجة ووساطتك تأتي في الوقت الضائع وقديما قيل: رحم الله من عرف قدر نفسه.

* كاتب وسياسي عراقي

اترك تعليقاً