الرئيسية / مقالات مختارة / أزمة الأدب وحرية التعبير

أزمة الأدب وحرية التعبير

المستقلة – القاهرة –

بقلم الدكتور حسام خلف الصفيحى

يجتاز العالم فى هذه الفترة الأخيرة من حياته مراحل خطيرة من التطور والانتقال نتج عنها انهيار فى بعض القيم الخلقية والاجتماعية والسياسية وظهور قيم أخرى جديدة مؤسسة على الفهم الجديد الذى أحدثه التطور فى شتى نواحى الحياة الانسانية.
والأدب كظاهرة أساسية من الظواهر البشرية كان فى المقدمة بل كان الجهاز الحساس الذى يسجل كل هذه التغيرات.وقد اعتبر كثير من المؤرخين أن الأدب مصدر أساسى من مصادر التاريخ الاجتماعى والسياسى لدولة من الدول ثم ابتدأ هذا التقويم لوظيفة الأدب يتسع حتى أصبح من المقرر أنه ليس تعبيرا ذاتيا يقوم به أفراد معنيون يعبرون عن ذواتهم بل اتجه الى معنى أوسع وأعمق الى أنه تعبير اجتماعى ضخم لمرحلة تاريخية فى حياة الانسان.
ومن هنا ألقيت على عاتق الأديب مهمة اجتماعية ثقيلة وضعت فى عنقه أمانة التعبير عن الجيل الذى يعيش فيه وأرغمته على أن تكون صلته بهذا المجتمع أكثر ارتباطا وأشد حساسية واعتبر الكاتب غير محقق لرسالته كأديب ما لم يكن مرأة صادقة لعصره.
وليس هناك شك فى أن الأدب ليس هو التاريخ ولا المذكرات أو اليوميات المسجلة للأحداث التى تجرى فى حقبة بعينها لأن هذا يجرده من دوره الأصيل وهو التعبير عن موقف الانسان تجاه مشكلة من المشاكل والأسلوب الذى يتخذه فى محابهتها كاشفا عن الامكانيات التى تنطوى عليها الطبيعة الانسانية ويتحول الفن أو الادب هنا الى دراسة أوسع وأعمق يستفيد منها علم النفس الحديث وفروعه.
ومن زاوية أخرى يقوم الأديب بتقرير وجهة نظر معينة تعبر عن اتجاه خاص للكاتب أو لجماعة يشترك معها الكاتب فى الرأى والعقيدة وهكذا يساهم الأدب ليس-فقط- فى بناء التاريخ ولا ف. الدراسة المتعددة الجوانب للأنسان بل فى الاتجاه الفكرى أو المذهبى لطائفة من الناس وكلما كان الكاتب واعيا بمجتمعه أمينا على الحقيقة كان الرأى الذى يعبر عنه فى صالح الجموع الانسانية التى تشاركه حياته وأصبح بعيد فى كل ما يحدث فى التاريخ البشرى من تقدم وارتقاء.
والأدب الحر لا يخشى على حريته من حرية الأداب الرخيصة فعلى الرغم من أنه معلوم لأصحاب الاقتصاد( أن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق) الا أن هذا لا ينطبق على الأدب وربما لا ينطبق على شىء من حياة الانسان.لأن هذا الأدب يؤمن بالجوانب الخيرة ويعتقد أنها اساسية فى الانسان.وتاريخ الادب نفسه يمنح هذه من توفر تلك الصفات فيها.
وفى هذه الفترة من حياتنا ننظر الى أدابنا فنجد أنها تعانى أزمة شديدة ربما لم تعانيها فترة أخرى قبلها ولقد أحس الكتاب أنفسهم هذه الأزمة بل أبتدأوا يعانونها وسواء كانوا مخلصين أو غير مخلصين فقد عقدوا المؤتمرات لدراستها ومحاولة القضاء عليها.
فنحن نعيش فى أزهى العصور الانسانية وأكثرها تقدما.ففى عصرنا وقفنا على حقائق علمية كانت تبدو لأسلافنا ضربا من الخرافة.وابتدأنا نحدد موقفنا من عالمنا تحديدا ربما يكون أقرب الى الصواب من الذين قبلنا.وقد أعطينا للتراث الفكرى القديم قيمة كبرى وأصبح على الأديب بل للمثقف أن يلم بهذا التراث قبل ان يخط سطر وأصبح عليه أن يلم بكل حقائق هذا العصر وثقافة هذا العصر ومع أننا نقف على أكتاف هؤلاء الذين سبقونا فما زال بين كتابنا المعاصرين كثير من الأقزام.

اترك تعليقاً