الرئيسية / مقالات مختارة / آثارهم تدل عليهم،فما الذي سيدل علينا؟

آثارهم تدل عليهم،فما الذي سيدل علينا؟

أسعد العزوني …

يوم الخميس الماضي ،وبعد إنتهاء مؤتمر “الربيع العربي ” ،الذي نظمته كلية الآداب في الجامعة الأردنية، وحضره العشرات من الباحثين والأكاديميين الأردنيين ، والدول العربية ،أتيحت لنا الفرصة ،زيارة الأماكن الأثرية في الشمال الأردني،وبدأنا بجرش “جراسيا”،ذات الآثار الرومانية المذهلة والمبعثرة على الأرض هنا هناك،لكنها في النهاية آثار عظيمة ،تدل على أناس عظماء بنوها وعاشوا حقبتها ،وهم الرومان بطبيعة الحال.

رهبة المكان والزمان لم تصمد ،أمام ذهول الأشقاء العرب الذين يزورون المكان لأول مرة ويكتشفون كنوزه بدون تعب، لأنها ملقاة على الأرض ومتاحة للجميع أن يتمعن فيها، وكانت الحوارات الثنائية والثقافية والجماعية حول الوحدة العربية وضرورتها ،لا حدود لها ،كما أن رغبة الجميع كانت ملحة لأخذ الصور الجماعية ،لتخليد المكان والزمان في الذاكرة الجمعية ،وليقول الجميع بعد عودتهم إلى بلدانهم :كنا هناك!

عند إنفلاتي من النقاشات ،كانت تتسلل إلى ذاكرتي أفكار غريبة تمنعني من الشعور بالمتعة كما هو حال الجميع،وخطر ببالي :أن هذه الآثار تدل على عظمة الرومان ،أما نحن بعد إنقراضنا رسميا ، فما الذي سيدل علينا؟الجواب الذي إقتحمني دون إستئذان هو :إسرائيل ، لأنها صنيعتنا؟!

بعد إنغماسنا حد التخمة في آثار جرش التي حولناها لملتقيات فنية تحت مسمى مهرجان جرش السنوي ، الذي نستضيف فيه كبار المغنين والفنانين والفرق المسرحية العربية والعالمية ،تحركنا بإتجاه عروس الشمال إربد،وإنحدرنا غربا بإتجاه حاضنة المبدعين والشعراء والفلاسفة في عهد الرومان إم قيس”جدارا”، وبإتجاه مرتفع يشرف على بحيرة طبريا ،وموقعة اليرموك الذي إنتصر فيها المسلمون على الرومان رغم إختلاف العدد والعدة، لكن توفر الإيمان والعقيدة والقائد المخلص ،وفرت للمسلمين فرصة تحقيق النصر .

كان خط سيرنا في الحافلة هو ذات الطريق الروماني الذي يطلقون عليه ،طريق “الديكابوليس”،وهو تحالف المدن الرومانية العشر من الجولان وحتى بيسان بفلسطين مرورا بالأردن، وقد تحالفت تلك المدن العشر سياسيا وإقتصاديا وعسكريا ،للوقوف في وجه الأعداء،وأنجزت بسبب ذلك التحالف الشيء الكثير من التقدم والإستقرار والإزدهار،في حين أننا اليوم كدول عربية لم نتمكن من الوصول إلى قليل من تفكيرهم ،ولذلك ما نزال غارقين في ظلمات الفرقة والتخلف ونحارب بعضنا بعضا ،لكننا نصالح ونصادق أعداءنا.

بعد أن حط رحالنا فوق المرتفع الذي يقابل الجولان الفلسطيني وبحيرة طبريا وموقعة اليرموك،وجدت نفسي أسيرا لأسئلة تتخابط في ذاكرتي بتزاحم غير منظم، ومنها :الهدوء الجولاني المشهود له منذ العام 1967،وضم الجولان الفلسطيني للجولان السوري ،وعدم الإعتراف به ، وكذلك الصراع الدموي الذي تعيشه سوريا منذ ثلاث سنوات ،والهدوء والدعة التي يتمتع بهما المستوطنون الإسرائيلون في المنطقة ،عكس المزارع الأردني الذي يحرم من الوصول إلى أرضه القريبة من الحدود،وإن وصلها فبتصريح ولمدة محددة،وكذلك معركة اليرموك،ومعركة حطين ،وبحيرة طبريا التي تسقينا إسرائيل منها”وفقا لمعاهدة وادي عربة”الموقعة معها عام 1994، مياها ملوثة ومن المنطقة الجنوبية التي تعيش في التماسيح؟؟؟؟!!!!

كما أثيرت في ذاكرتي قضية طبريا ، والمفاوضات التي رتبها رئيس الوزراء التركي رجب الطيب أردوغان عام 2008 ، وقيل أنها غير مباشرة بين السوريين والإسرائيليين في انقرة ،وإستمرت لثلاثة اشهر ،نجم عنها إتفاق إطار يقضي بموافقة الوفد الإسرائيلي على تمكين السوريين من الرجوع إلى شاطيء طبريا .

عندها إستدعى السيد أردوغان رئيس وزراء إسرائيل آنذاك إيهود أولميرت ،وبشره بموافقة السوريين على الإنضمام لنادي “السلام”رسميا ،وزف إليه إتفاق الإطار،لكن أولميرت إمتعض من النتيجة وطلب من مضيفه أن يمهله حتى العودة إلى الكنيست وعرض الموضوع على أعضائه،وما أن وصل أولميرت إلى إسرائيل ،حتى هرب بإتجاه غزة ،وشن هجوما تحت مسمى “الرصاص المصبوب”؟!
كان منظر الجولان حزينا لأن أحدا لم يهب لتحريره ،وقد تعددت الحكايات حول وقوعه تحت الإحتلال الإسرائيلي ،خاصة وأن الإذاعة الرسمية السورية أعلنت سقوطه وفق بيان مصدر عسكري رسمي، وما تزال القوات السورية تتواجد على ثراه،وقيل أن هناك عملية بيع قد تمت ،وتحدث عنها وزير ساداتي ،وقال أن السادات أطلعه على صورة الشيك وقيمته 100 مليون دولار،وأن صورة الشيك موجودة في أوراق الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.

أخبرنا مرافقونا وهم يتحدثون عن معركة اليرموك ،أن قائد الروم آنذاك “ماهان “طلب وقف إطلاق النيران بعد أربعة أيام من بدء العمليات المسلحة ،لكن القائد خالد بن الوليد رد عليه ببضع كلمات :”نحن مستعجلون لعملنا هذا”؟؟؟!!!!،كما أن إمبراطور الروم هرقل قال بعد هزيمتهم ونصر المسلمين :”وداعا لسوريا لا لقاء بعد اليوم ؟!
وجرى بعد ذلك الحديث عن معركة حطين التي قادها البطل صلاح الدين الأيوبي،وكيف حرر القدس من سيطرة الفرنجة وأسر مليكها الفرنجي، إضافة إلى معركة عين جالوت ضد المغول وإنتصار المسلمين بقياد قطز والظاهر بيبرس.

وفي خضم الحديث عن المعارك والبطولات روى أحدهم مآثر زعماء القبائل والعشائر الأردنيين بداية القرن المنصرم،وقال أن الشيخ كايد مفلح العبيدات كان أول شهيد أردني قضى على ثرى فلسطين عام 1920 إبان الإستعمار الإنجليزي الذي مهد للإحتلال الإحلالي الإسرائيل،وإنتقلنا بالحديث إلى منطقة الباقورة التي إستعادها الأردن من إسرائيل وتشتهر بآبار مياهها العذبة حد الشهد ،وجرى تأجيرها لإسرائيل ،ونحن نشكوا من قلة المياه.

تناولنا المنسف الأردني في إستراحة إم قيس بدعوة مرتبة مسبقا من قيادة القوات المسلحة الأردنية هناك، وكنا نرنوا إلى الجولان وطبريا ونحن نتناول المنسف،وكم كان المكان جميلا ،لكنه مؤلم جدا ،لأننا رأينا الإسرائيليين ينعمون بالراحة والهدوء.

بعد تناول طعام الغداء ،تحركنا في جولة بين آثار “جدارا”إم قيس، وترجم أحدهم لنا نصا باليونانية لفيلسوف وشاعر وأديب يدعى آرابيوس يقول فيه:” أيها المار من هنا،كما أنت الآن ،كنت أنا،وكما أنا الآن ،ستكون أنت ،فإستمتع بالحياة”؟؟!!

ضحكت كثيرا وقلت :لو علم آرابيوس أننا نحن من سيمر على قبره ،لما قال ذلك لأننا مررنا سائحين على أراضينا المحتلة، التي ينعم فيها عدونا بالراحة والهدوء،والسؤال :كيف سنستمتع ونحن في الحالة هذه؟

وآخر ما سمعناه من أحد المترجمين نصا لفيلسوف آخر نسيت إسمه قال فيه”:صور أمي،وأعيش في جدارا،وإن كنت سوريا ،فأهلا بك”؟؟!! هذه العبارة حركت في أشياء كثيرة ،فهذا الرجل متعدد المكان وينعم بالتسامح ،أما نحن فبتنا نعيش هذه الأيام في عقلية القبائل والحارات …ولا أريد أن أقول اكثر؟؟!!

 

اترك تعليقاً