الرئيسية / مقالات مختارة / هل تشن تركيا هجوما عسكريا في العراق؟

هل تشن تركيا هجوما عسكريا في العراق؟

Hamid Malik

حمدي ملك

باحث في جامعة كيل البريطانية

بعد فترة وجيزة من إعلان إنتهاء عمليّات “درع الفرات” في سوريا، أعلن الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان انطلاق مراحل أخرى من هذه العمليّات، لكنّ هذه المرّة على الأراضي العراقيّة، ومن شأن عمليّات كهذه تفاقم الصراعات الحاصلة في هذه المنطقة المتوتّرة أصلاً. وفي مقابلة تلفزيونيّة بـ٤ نيسان/إبريل الحاليّ، أكّد رجب طيّب أردوغان أنّ “العمليّات العسكريّة المستقبليّة (لتركيا) سوف تشمل العراق أيضاً، فهناك مسألتا تلّعفر وسنجار، وهناك من أبناء جلدتنا (يعيشون) في الموصل”، في إشارة إلى تركمان العراق. ولم يحدّد أردوغان تاريخاً لإنطلاق هذه العمليّات.

وتأكيداً على هذا الموقف، أعلن وزير الخارجيّة التركيّ مولود شاووش أوغلو عن نيّة تركيا شنّ هجمات داخل الأراضي العراقيّة، وقال في مقابلة تلفزيونيّة بـ٧ نيسان/إبريل أنّ “ب ك ك يريد بناء معسكر له في سنجار، ولا يمكن أن نسمح بذلك… سنتدخّل (عسكريّاً)، وإلّا سيعبرون حدودنا بهدف القيام بهجمات إرهابيّة”. ودخلت قوّات الحزب العمال الكردستانيّ منطقة سنجار في عام ٢٠١٤، بعدما هاجمت قوّات “داعش” هذه المنطقة التي تقطنها أغلبيّة إيزديّة.

وتسبّب تواجد قوّات الحزب العمّال الكردستانيّ في هذه المنطقة بخلافات عميقة بين القوى الكرديّة المختلفة. وفي آذار/مارس الماضي، حصلت اشتباكات دامية بين قوّات حماية سنجار التابعة لحزب العمّال الكردستانيّ وقوّات بيشمركة روج آفا التابعة للحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ. واعتبر حزب العمّال الكردستانيّ ما حدث من اشتباكات بأنّه نتاج زيارة رئيس إقليم كردستان لتركيا، خصوصاً أنّ قوّات بيشمركة روج آفا مدعومة تركيّاً. ومن جهته، اتّهم الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ إيران بدعم قوّات حماية سنجار بهدف إنجاز مشروع الهلال الشيعيّ.

من ناحية أخرى، تحتفظ تركيا بقوّات عسكريّة في معسكر بعشيقة العراقيّ، والتّي تشكّل من جهتها مصدراً للتوتّر في العراق، وطالبت الحكومة العراقيّة مراراً بخروج هذه القوّات. وتحتاج تركيا إلى اجتياح عسكريّ شامل لإنهاء وجود قوّات حزب العمّال الكردستانيّ في هذه المنطقة، إذ لا يبدو أنّ الإكتفاء بشنّ غارات جويّة سيساعدها على الحصول على غايتها المعلنة، ومن الممكن أن تستخدم تركيا قوّاتها في معسكر بعشيقة بهدف إجراء هذه العمليّة.

ويبدو أنّ الطريق الوحيد لوصول القوّات التركيّة في العراق إلى منطقة سنجار برّيّاً هو العبور من مناطق سيطرة الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ، وذلك بعد عزل معسكر بعشيقة (من الجهة الجنوبيّة)، كما أعلن رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي، وهذا ما يجعل الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ في وضع حرج، كون ذلك يعني السماح لقوّة أجنبيّة بالعبور عبر أراضٍ تقع تحت سيطرة قوّة كرديّة لشنّ هجمات على قوّة كرديّة أخرى.

وفي هذا السياق، قال مدير مركز استشارات الشرق الأوسط في لندن ربوار فتّاح خلال اتّصال مع “المونيتور”: “سوف تجابه هذه الخطوة برفض قاطع من قبل الشعب الكرديّ في الإقليم، ولكن لا تمتلك القيادة في الحزب الديمقراطيّ الكردستانيّ خيارات كثيرة، فلو أرادت تركيا القيام بهذه الخطوة سوف تفعل ذلك بغضّ النظر عن رأي هذه القيادة”.

من جهة أخرى، أعلنت الحكومة العراقيّة عن رفضها لأيّ عمليّة عسكريّة تركيّة في العراق. وأكّد سعد الحديثي، وهو المتحدّث باسم مكتب رئيس الوزراء في تصريح لوكالة “اسبوتنيك” الروسيّة في٧ نيسان/إبريل أنّ “الحكومة (العراقيّة) لا تعتزم السماح لأيّ طرف خارجيّ بالقيام بدور عسكريّ ميدانيّ على الأرض كقوّات مقاتلة برّية، لا من تركيا ولا من أيّ دولة أخرى”.

ولكن في الحقيقة، ليست لدى الحكومة المركزيّة في بغداد خيارات كثيرة في حال حصول هجوم عسكريّ برّي تركيّ في سنجار، فخيار الصدام العسكريّ المباشر مع القوّات التركيّة غير وارد، بسبب انشغال القوّات العراقيّة في الحرب ضدّ “داعش” والتفوّق العسكريّ التركيّ التامّ، خصوصاً في مجال الطيران العسكريّ. وممّا لا شكّ فيه أنّ الحكومة العراقيّة تأخذ عضويّة تركيا في حلف الناتو بالحسبان في هذه القضيّة.

من جهة أخرى، لا يبدو الخيار الديبلوماسيّ خياراً مؤثّراً، إذ طالب العراق بشكل متكرّر تركيا بسحب قوّاتها، وتحرّكت الديبلوماسيّة العراقيّة صوب منظّمات دوليّة وإقليميّة في هذا الإتجاه، ولكن من دون جدوى.

ويبرز دور إيران في هذه القضيّة بصورة خاصّة، وهي متّهمة باستخدام القوّات التابعة لحزب العمّال الكردستانيّ في سنجار بهدف فتح طريق لها يمتدّ من إيران حتّى البحر الأبيض المتوسّط. وفي إشارة إلى عدم رضى تركيا عن الدور الإيرانيّ في العراق، قال أردوغان في مقابلته الأخيرة: “هناك دعم للإيديولوجيا القوميّة الإيرانيّة والفارسيّة في العراق تنشر على أساس طائفيّ”.

وأخذ الصراع الإيرانيّ – التركيّ في العراق منحىً جديداً في الآونة الأخيرة، وهدّدت فصائل مسلّحة شيعيّة عراقيّة تابعة لإيران بضرب القوّات التركيّة في العراق. وسوف يزيد إجراء عمليّات عسكريّة تركيّة في سنجار من احتماليّة الصدام المسلّح بين هذه الفصائل والقوّات التركيّة. ولا يعطي التفوّق العسكريّ التركيّ صيانة لقوّاته من الضربات العسكريّة الموجعة، إذ تمتلك الفصائل الشيعيّة القريبة إلى إيران من الإمكانات والخبرة والدّعم، ما يكفيها لضرب القوّات التركيّة في العراق، كما هاجمت القوّات الأميركيّة والبريطانيّة في السنوات الماضية.

وقال أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة برادفورد البريطانيّة أفشين شاهي : “لن تقبل طهران بمزيد من التدخّل العسكريّ التركيّ في العراق. وسوف تفضي عمليّات عسكريّة تركيّة في العراق، إن حصلت، إلى تحويل الوضع العراقيّ إلى ما يشبه الحال السوريّة، حيث من المرجّح أن يؤدّي ذلك إلى اشتباكات عسكريّة بين إيران وتركيا في العراق من خلال وكلائهما”.

ويبدو أنّ المنطقة مقبلة على تصعيد عسكريّ آخر، في ظلّ تشديد صراع المحاور فيها بقيادة أميركيّة والتأكيد المتزايد على استخدام العنف في النزاعات القائمة، والذي برز في الهجوم الصاروخيّ الأميركيّ

 

 

Al-Monitor

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *