الرئيسية / مقالات مختارة / معراج فارس … الهروب إلى البريّة
17410032_593772174153523_405880941_n

معراج فارس … الهروب إلى البريّة

 

مرويات أطوار الكائن/2

 

حسن عبدالحميد

  ما من سبيل في كشف غايات ومُمتِعات ما يبغي  فضحه والتلّذذ به (معراج فارس) في مشابك عموم رسوماته، غير الوثوب إلى عالمه اللامع بنصوع دواخله، وما من سند يُعلّل دواعي ذلك غير التعلّق التائق للإحتماء بمشيمة الحلم ، ومن ثمّ  التحلي بجوافل وحوافل  تمهيداته الوجدانيّة، حتى ليكاد أن ينتحل صفة الحَالم ، ثمّ القيام بتفسير أحلامه على هواه (هو)، فيما نكون نحن مجبرون على السير معه من حيث ندري و لا ندري في مسالك ما يحفر ويجترح، وتلك  غواية الإصابة بداء التصديق بعالم الأحلام التي تعاكس رؤى وتفسيرات (سيجوند فرويد) الذي كان يصرّ حتى ساعات وفاته على أن الحلم لا يتعدى أن يكون ظاهرة نفسيّة، رغم تجرّدِه في بعض الحالات حيال واقع ملابسات إصراره المُعاندة لنواتج   تحليلات دراساته لأعمال أدبيّة و فنيّة رصينة (كما لدى دوستويفسكي،مثلاً) وبما يخالف طروحات نظريته التحليليّة لكوامن اللاشعور الغاطس في أعماق دواخلنا وبما يشكل ثلاثة أرباع الشعور أو الوعي والذي لا يتعدى أن يشكّل سوى الربع- فقط – من عالم الشخصية الواحدة للفرد، الأمر الذي يضطر به (فرويد) للإعتراف بما مفاده؛(الأدباء والفنّانون كما لو إنهم يحملون الفؤوس لكي يُحطمّوا بها أركان مدرسة التحليل النفسيّ).

17392721_593772100820197_64913928_n

جدوى … اللا جدوى

  ثمة جهد جمالي يقاوم وطأة الإحساس بلا جدوى الحياة برِهان واقعها الروتينّي المُمل حدّ الضجر والقرف، عادةً ما يجرُّ(معراج) نحو إعطاء نفسه مباهج تتوق لعوالم الطفولة والمرح واللعب الرائق المفتون بمهار مكرٍ لذيذ، لا تخشى فيه- قطعاً- منح الأشياء وموجودات لوحاته بطولة مطلقة لا تكف عن اللعب والتسلق و التعالق مع بعضها حتى تتماهى على هيئات طيور ونوادر أسماك وبواقي وحدات مقطوفة أو (مُمنتجة) بتحديدات لغة سينمائيّة من أجزاء وجه أو ساق لإمرأة سرعان ما يضيع جَمالها وصواحب إنوثتها المغرية كذا الحال بالنسبة لأجزاء الجسد الإنساني كالرأس أو الوجوه المتقابلة-من كلا الجنسين- بفيوضات حوافر ألوّانٍ وتحسسّات مواد ومعاجين (تكسجر)من تلك التي يُرضِخها لمشيئة عوالمه و حشوداتها  اللوّنيّة و فتنة تشهياته النابضة بالحركة والديمومة فوق روابي  سطوحه التصويريّة القادر على الإيحاء و تبني الإستيعاب وتصدير كل ما يشاء الرسّام ويبغي ويناور، حتى لتدرك أو تتوهم بأن حجم اللوحة أو العمل الفني أكبر وأوسع من وجوده العادي و(الفيزيقي) جرّاء ضّخ مهارات لعب وتشابك علاقات وتناميات وجدانية تساند أهواءها تحلياّت لوّنية مغدقة  بعفوية قصد وقوة مراس وخفة روح وجرأة مسعى وخلاصة فهمٍ عالٍ  وعملي لمعنى جدولة من يؤمن بسحر دهشة مثل هذا القول؛(يا لها من لا جدوى مُجدية!).

   تُساند معروضات (معراج فارس) في حيويّة بهاء معرضه الشخصي السابع المُقام في الثاني من آذار هذا العام على باحة مبنى مؤسسة برج بابل للثقافة والفنون(بغداد-شارع أبو نؤاس) والمستظل بعنوان (مرويّات أطوار الكائن/2) سَوابق ما أوردنا في تقييم لِملاك معرضه الشخصي السادس بنسخته الأولى التي حملت ذات العنوان، ذلك الذي أقامه على قاعة أكد للفنون  ببغداد في العام/ 2013  حيث كَتبنا -هنا- في نفس هذه الصفحة عن زخم تطلعاته الوافدة من تخطيط وبناء  تحاورات روحيّة  تشي  بالدعة لتُبلغ عن حصافة و فصاحة التعبير عما يجول و يترّسب من محتويات  دواخله و تشّفُعات غزارة  مشاعره الحانيّة بجريان تدفقات ما يختزن  الفنّان-العاشق للحياة من صورٍ هي بمثابة إبلاغات إيحائيّة تتأخى وتتماهى مع (هيولى) الحلم الذي يجاور وينحّت نفسه من وحي نفسه كما المادة  الأشياء التي تتخلّق منها و تتكوّن.

خواطر نفحات سورياليّة17410391_593772384153502_543805840_n

  جملة مصدات دفاعيّة منها واعية وأخرى غير واعيّة تبتكر- على منوال واثق ومُجَرب- أجوائها السِحريّة بنكهة نفحات تلامس إلى حدٍ معين خواطر سورياليّة من حيث روح الفهم والهضم لما نادّت به تلك المدرسة، بيد أن (معراج) يتأنى بنوع من إقتراب يقظ من عوالم ومناخات ما كانت تبتكره وتنتهجه  جوهر فلسفة جماعة (الكوبرا) في إستظهارات  إنبثاقات ملامح وجودها الأول  في   العاصمة الفرنسيّة/ على أيدي نخبة متمرّدة من الذين تميّزت أعمالها بإستخدام الألوان الصارخة على نحو سبيلٍ  باذج ، بل مُفرط  بكل ما يُوحي بالرفض وتعليل  سمات وجوهر المغايرة لما كان مُتبع وسائد وموجود حينذاك.

  نود التذكير-هنا- بأن هذه الجماعة كانت قد تجرّأت على مقارعة ما سُمِيّت ب(ديكتاتوريّة  أندريه بريتون) رائد وصائغ بيانات تأسيس السوريالية، ونجحت بتجاوزها وسعت لتُسهم بإرساء نقلات نوعيّة و باهرة في بنية الفن التشكيلي الأوربي- والعالمي، ربما- عبر دعامات إعتمادها لأشكال وأساليب مبتكرة و جديدة أخذت تهتمّ وترّتكز على جدارة الحس الإبداعي للتعبير التلقائي والعفويّ، أكثر من رهان الكثير ممّن  سبقَ أو جَايلَ أعضاء هذه الجماعة التي جرى إشتقاق أسمها  (COBRA)الأولى لعواصم بلدان الفنانين المؤسسين لها ولا سيما الأساسيين منهم وهي (KO) من كوبنهاغن  عاصمة الدنمارك،و(BR) من بروكسل عاصمة بلجيكا و(A) من امستردام عاصمة هولندا  الثقافية، في وقتً كان نُقّاد هذه الحركة أوالجماعة عادة ما يربطون ما بين (الكوبرا) كمدلول لفظي جديد للحركة، وما بين حيوان الافعى، متعلليّن بأن فعالية حركة الأفعى الشهيرة والمعروفة بخطورتها وقدسيتها لدى أمم كثيرة تشكّل السبب الرئيس والإضافي مع ما يتطابق و لوازم تفكير مؤسيسها، حيث يقف على راسهم الفنّان الدنماركي( آسغر جورن) الأس الأكبر و الأدل لهذه الجماعة التي تأثرت كثيراً بمعطيات و ركائز مبدأ التعبير – التجريدي على قدرِ أوضح، فيما تمّتد تطلعات (معراج فارس)- بفعل الكثير من التحديثات والتنويعات الإجرائية التي سادت عموم عالم اليوم – صوب تماثل الرمز وكثافة دلالاته وتحذيراته الطيّعة والقانعة بتطويع كل ما ممكن من موجودات وعلاقات و تناغيات وجدانيّة حارة ومتدفقة على النحو (البانرومي) الذي يبتهل و ينتهل منه ضخ  غزارة عواطف متواشجة بصلات و أواصر حميميّة لا تكاد تنفصل في تدافعاتها تشخيصات لحيوانات تحاذي المخلوقات الأسطوريّة بمجاورات أسماك وطيور ملوّنة تفي بخواص وجود الإنسان الغارق في  أتون لُجج وتداخلِ تلك الموجودات على هَديّ تفاعل حيّ ومتنامٍ مع مناخ الجو العام للوحاته الهائمة(أحجام وقياسات مختلفة ربت على الثمانية وعشرين عملاً) بأصول نوازع التفكير بأمل العودة إلى  روح بدائيّة الحياة وفطرتها التلقائيّة، دون أدنى فصلٍ قمعي لوشائج ما حصل بحكم شراسة الحروب وحمى التطوّر التّقني الهائل ذلك الذي أضحى  يزيد من وطأة أثر الإحساس الغامض بتغير طعم ونكهة الحياة وأثير حضن حنينها الدافء بالدعة والبراءة المطلقة، رغم  محايثات مساعي تفاعلات مواقع التواصل الإجتماعي و(السوشيال – ميديا) التي عجزت عن تحقيق متعة التلاقي المباشر وحيوية إلتصاق المشاعر وتعميدها بينابيع عصور وأزمنة أشواقنا الغابرة التي كان فيها الإنسان جُزأً مُتناغماً مع تلقائيات الطبيعة التائقة لسكينة وهدوء البراري الذي سبق بصمته هيبة ذلك الوجود البعيد.17409494_593772134153527_393969976_n 17410139_593772487486825_179743689_n

Hasanhameed2000@yahoo.com

 

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *