الرئيسية / مقالات مختارة / التأريخ لا يعود إلى الوراء

التأريخ لا يعود إلى الوراء

 

لَطيف عَبد سالم العگيلي

فِي أعقَابِ سِلْسِلةٍ طويلةٍ مِنْ التصريحاتِ الأردوغانية المزعجةِ وَالمربكةِ وَالصادمةِ أحياناً، وَالَّتِي تجاوز بعضُها الأعرافَ الدِبْلوماسيَّة، وَالتقاليدَ البُرُوتُوكُولِيةِ المتعارف عليها فِي العلاقَاتِ الدَّوْلية، جاء التصريحُ الجديدُ للرئيسِ التُرْكيّ حَوْلَ المطالبةِ بتعديلِ (مُعاهَدة لوزان) الموقعةُ بمدينةِ لوزانَ جنوبي سِوِيسْرَا فِي اليومِ الرابع وَالعشرين مِنْ شهرِ تموزَ لعامِ 1923م  ما بين حُكُومةِ تُرْكِيَا وَقواتِ الحلفَاء برئاسةِ بريطانيا وفرنسا، وَالَّتِي جرى بمقتضاهَا إنهاءُ عهدِ إمْبراطُوريّةِ الخِلافةِ العُثْمَانِيَّة، وَالشروعُ برسمِ حدودِ دَّوْلةِ تُرْكِيَا الحديثة؛ ليثيرَ زوبعةً مِنْ الجدلِ داخلَ تُرْكِيَا وَخارجهَا، بالإضافةِ إلَى إماطتِه اللثامَ عَنْ أحلامِ هَذَا العُثْمَانِيّ المعتوه باستعادةِ أمجادِ السلطنةِ العُثْمَانِيَّةِ الاستِعْماريةِ الممتدةِ حينئذٍ مِنْ افريقيا إلى البَلْقَانِ عبرَ المَشْرِقِ العَربيّ، والَّتِي خرجتْ مِنْ رُكامِها الجُمْهُورِيَّةُ التُرْكيَّة، وَعَاصِمَتُها أَنْقَرَة.

لسنا هُنَا بصددِ الحديثِ عَنْ حماقاتِ أردوغان تجاه دولِ الجوارِ التُرْكيّ، ولاسيَّما تعمدَّهُ الإساءةَ إلى العراق شعباً وحكومةً بأحاديثٍ معفرةٍ بالكراهيةِ وَالاحقادِ وَرغبةً بممارسةِ الاستبدادِ وَالتسلُّط، فضلاً عَنْ محاولتِه الانتقاصَ مِنْ تاريخ بلدٍ عكستْ دماءُ أبنائِه الزكيَّةُ رفضَها الاحتلال، وَلعلَّ مخاطبتهُ لرئيسِ الحُكُومةِ العراقيّة بعبارةِ (سنفعلُ ما نشاء وعليك أن تلزم حدودك)، خيرَ مصداقٍ عَلَى تهوُّرِه الَّذِي يعبرُ عَنْ ثَّقَافَةِ استعلاءٍ عَلَى شعوبٍ وأُمَمٍ أخرى؛ كونِها تنطلقُ مِنْ نهجٍ عنصريٍّ مغمسٍ برغبةِ التفوقِ العرقيّ وَالثَّقَافيّ.

يُمكنُ القولَ إنَّ مُعاهَدةَ لوزان، تُعَد بحسبِ المُتَخَصِّصينَ آخرُ الاتفاقياتِ الموقعةِ مَعَ بلدٍ خَرَجَ مهزوماً حين وضعتْ الحَربُ الكونيةُ الأولى أوزارَها، وَالَّتِي كانَ مِنْ أبرزِ تداعياتِها بالاستنادِ إلى مضامينِ بِنودِها هو رسمُ الحدودِ الحاليةِ لدولِ البحر الأبيضِ المتوسط، وَتأسيسُ الجُمْهُورِيَّةِ التُرْكيَّةِ برئاسةِ مصطفى كمَال اتاتورك عَلَى خلفيةِ التقسيمِ الرسميّ للإمْبراطُوريّةِ العُثْمَانِيَّةِ أو دولةِ الرجلِ المريض بحسبِ المصطلحاتِ الغربية، وَالَّتِي امتدت فِي التأريخِ لنحوِ ستةِ قرونٍ متتالية.

يَبْدُو أنَّ أردوغانَ جُبِلَ عَلَى فكرٍ شوفينيِّ المضامين، يقومُ عَلَى اعتمادِ سياسةِ الاقصاء انسجاماً مَعَ ممارساتِ أسلافِه الَّذين رفضوا (مُعاهَدة سيفر) أو مُعاهَدةَ الصلح، المبرمةَ فِي اليومِ العاشرِ مِنْ شهرِ آبٍ لعامِ 1920م ما بينَ الدَّوْلَةِ العُثْمَانِيَّةِ وقوَاتِ الحلفاء، وَالَّتِي قُسمتْ بموجبِها أراضي إمْبراطُوريّة آل عُثْمَان، بالإضافةِ إلَى منحِ معظمِ القومياتِ غيرِ التُرْكيَّةِ فِي الدَّوْلَةِ العُثْمَانِيَّةِ استقلالها؛ إذ خاضَ الأتراكُ – حينما تولى أتَاتُورك السُّلطةَ – حرباً شرسةً ضد الحلفاء، ولاسيَّما اليونانُ فِي عامي 1922 وَ 1923م، إلى جانبِ أمرِ أَتَاتُورك سحبَ الجنسيةِ التُرْكيَّةِ مِنْ جميعِ الذين وقعوا المُعاهَدة. وقد أفضت هذه الوقائعُ الحربيةُ الَّتِي يشيرُ إليها الأَتْرَاكُ باسْمِ حربِ الاستقلالِ إلى توقيعِ مُعاهَدةِ لوزان.

الْمُلْفِتُ أَنَّ أَتَاتُوركَ أو أَبا الأَتْرَاك مثلما يشارُ إليه، فضلاً عَنْ  رفاقِه، ولاسيَّما عصمت اينونو أبرزُ مساعديه، وَخليفتُهُ فِي رئاسةِ الجُمْهُورِيَّة، وَالَّذِي يحظى باحترامِ العلمانيينَ الأَتْرَاكِ لغايةِ اليوم، إلى جانبِ رئاستِه لوفدِ تُرْكِيَا فِي المفَاوضَاتِ الخاصةِ بمُعاهَدةِ لوزان، لَمْ يكونوا بمنأى عَنْ انتقاداتِ أردوغان؛ إذ استهدفهم مؤخراً بقوله (مَنْ جلسوا عَلَى طاولةِ المفاوضات فِي لوزان لم يبرموا أفضل الاتفاقيات)، مضيفاً (واليوم نحن نعاني آثار ذلك).

أبو أحلام – جاري – علقَ بتهكمٍ عَلَى أحدثِ تصريحاتِ أردوغانَ الحالمِ بالخِلافةِ العُثْمَانِيَّةِ فِي سني الألفيةِ الثالثة، وَالَّتِي مفادها (يجب فهم أن كركوك كانت لنا، وأن الموصل كانت لنا)، بالقولِ إنَّه سيصبحُ عَلَى وفقِ المنطقِ الأردوغاني مالكاً لنَادي برشلونة فِي المستقبلِ المنظور، حتى وَأَنْ ألزمتهُ الظروفُ إعلانَ الحربِ عَلَى جاري الآخر أبو تحسين، وَالَّذِي يشاركه العشق للبرشة.

إنَّ هوسَ أردوغانَ بإعادةِ سُّلطةِ الخِلافةِ العُثْمَانِيَّةِ يعبرُ عَنْ سعيِه إعادةَ التاريخ إلى الوراء، متناسياً أنَّ هذه الأمنيةَ أو الرغبةَ الجُنُونيةَ عجزَ عَنْ تحقيقِها طُغَاة، ربما كانوا أرجحَ عقلاً، وَأشدَ بأساً منه، وكانَ الله فِي عونِ تُرْكِيَا الَّتِي يَحكُمهَا شخصٌ أخرف، لا يَزالُ تفكيرهُ ينتمي إلى عقليةِ القَرْونِ الوسطى!!.

فِي أمانِ الله.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *