الرئيسية / مقالات مختارة / الانتلجنسيا السنية ومشروع التسوية

الانتلجنسيا السنية ومشروع التسوية

د. صلاح عبد الرزاق
بعد اجتماعات ومناقشات طوال عام عرض التحالف الوطني رؤيته للتسوية الوطنية التي ستقدمها الأمم المتحدة إلى السنة والأكراد ، ليقوموا بدورهم بعرض رؤيتهم أيضاً سواء بورقة التحالف الوطني أو بالتسوية نفسها. ربما رؤية الأكراد واضحة المعالم باعتبار أنهم يعيشون في إقليم مستقل عن الحكومة المركزية، لكن ما هي ملامح رؤية السنة؟
تتقاسم المكون السني عدة مرجعيات سياسية ودينية وعشائرية لكن الجمهور السني العريض يبقى متأثراً بخطاب الزعامات المتصدية في الشأن السياسي. ويبقى للسياسيين والمثقفين والباحثين السنة لعب دور في بلورة أفكار وتنظيرات تخدم مصالح السنة ، وهذا أمر لا غبار عليه، لكن ما هي أهم معالم هذه الرؤية؟ وما هي العُقد والشروط التي ستضعها الانتلجنسيا السنية للتسوية الوطني؟
نقصد بالانتلجنسيا هي (النخبة المثقفة التي تشارك في عمل ذهني معقد يهدف إلى توجيه ونقد أو لعب دور قيادي في تشكيل ثقافة المجتمع وسياسته).
من خلال من ترشح من كتابات وتصريحات يمكن الإشارة إلى أهم مرتكزات الرؤية السنية وهي:

أولاً: عقد اتفاق طائف عراقي
يتم من خلاله إعادة هيكلة الدولة العراقية ، ومهام كل مؤسسة دستورية بشكل يحقق الهدف المطلوب. ويستصحب ذلك تحديد المناصب التي ستكون من حصة السنة أي بما يشبه الوضع اللبناني الحالي. بالطبع يجب الإذعان بالنسبة التي يريدها السنة في كل المؤسسات : الحكومة ، البرلمان، الجيش، الشرطة، القضاء وغيره. وستكون المادة التاسعة من الدستور التي تتحدث عن توازن المكونات في المؤسسات الأمنية مدخلاً لشمول بقية المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وما رفضهم لقانون الحشد الشعبي إلا تأكيداً لذلك.

ثانياً: الفيتو السني
والمقصود أن لا يكون هناك أي قرار حكومي أو أمني أو عسكري أو تشريع برلماني دون موافقة السنة الصريحة عليه. وبغير ذلك تبقى مرفوعة شعارات التهميش والمظلومية ومواطنة الدرجة الثانية التي يرددونها في إعلامهم وتصريحاتهم وبياناتهم. ويجب أن لا يتخذ رئيس المؤسسة الشيعي أي قرار أو إصدار تعليمات دون موافقة السنة.
وهذا يستلزم أن يكون لهم تمثيل (بشكل قانون) في كل مؤسسة مدنية أو عسكرية ، مثلاً معاون القائد العام للقوات المسلحة ، ومعاون سني للمخابرات والأمن الوطني والاستخبارات العسكرية والحشد الشعبي والشرطة الاتحادية وأركان الجيش وعمداء كليات الأركان والطيران والعسكرية. كما يستلزم إعادة توزيع المناصب الأمنية والمدنية وتحقيق نسبة السنة في كل مؤسسة لتحقيق التوازن المطلوب. وبذلك يكون للسنة تمثيل حقيقي في السلطة والقرار السياسي.

ثالثاً: حل الميليشيات الشيعية
وهو مطلب رئيسي حيث يشترطون حلها وتسريحها ومنعها من حمل السلاح وإغلاق مكاتبها وقطع مواردها المالية . وما معارضتهم لقانون الحشد الشعبي إلا تجسيداً لهذه الرؤية . وبذلك يجري تجريد الشيعة من واحد من جوانب قوتهم العسكرية والأمنية. وسيبقى الحشد الشعبي يؤرق نفوس الانتلجنسيا السنية ، وتبقى تبث الذعر منه في نفوس الجمهور السني.

رابعاً: عدم التدخل بتمثيل السنة
إذ يرون أنه طالما أن السنة لا يتدخلون بالشأن الشيعي أو من يمثل الشيعة، فلا حق للشيعة التدخل وتحديد من سيكون المفاوض السني. وأن وضع شروط مثل عدم التفاوض مع المطلوبين قضائيا أو المتورطين بأعمال عنف وتحريض طائفي أو من حزب البعث، يعرقل التسوية التي يجب أن تنطلق من حرية التمثيل وصلاحية التفاوض باسم المكون السني.

خامساً: تعويض المتضررين السنة
ويشمل ذلك جميع المتضررين من العمليات العسكرية منذ عام 2003 ، وتعويض عقاراتهم وممتلكاتهم وقراهم ، وأضرارهم المادية والجسدية ، والذين تعرضوا للسجن والاعتقال بفعل المداهمات في المناطق السنية. كما يتم تعويض قتلى العمليات ضد القوات الأمريكية أو القوات الحكومية ، أي تعويض عناصر الجماعات السنية المسلحة (الارهابيين) التي قاتلت النظام الجديد منذ 2003 ولحد الآن. وأن يشملون بقانون مؤسسة الشهداء ومؤسسة السجناء .
كما يجري إعادة البعثيين السنة إلى مناصبهم أو اعتبارهم مفصولين سياسيين يحصلون على التقاعد والامتيازات التي ضمنها قانون الفصل السياسي.
ويتضمن ذلك معاقبة جميع الضباط والمنتسبين للأجهزة الأمنية الذين تسببوا بوقوع الأضرار على السنة.

سادساً: العفو عن السياسيين السنة
إن التسوية تستلزم تصفير المشاكل ومنها إصدار عفو عن السياسيين وتسوية قضاياهم قضائياً تمهيداً لعودتهم إلى البلاد ومشاركتهم في المفاوضات وإدارة الدولة. ويشمل ذلك طارق الهاشمي ورافع العيساوي وأحمد العلواني وخميس الخنجر وعبد الناصر الجنابي ومثنى حارث الضاري وعلي حاتم السليمان وغيرهم من قادة الجماعات المسلحة وزعماء منصات الاعتصام والتحريض الطائفي ، وقادة حزب البعث وهيئة علماء المسلمين وغيرها .

سابعاً: إلغاء مبدأ الأكثرية في الدولة
وهذا ما دعا إليه بعض الزعامات السنية عندما صرحوا بأنهم يرفضون دكتاتورية الأكثرية. وهذا يعني أنه لم يعد لصيغة (النصف + 1 ) أية أهمية في التصويت أو اتخاذ القرارات. ويجب موافقة السنة في كل قضية قبل طرح الموضوع للتصويت في مجلس الوزراء ومجلس النواب والمحكمة الاتحادية وغيرها من المؤسسات الدستورية.
وينظّرون لذلك بمصطلح جديد هو (دكتاتورية الأغلبية) التي يقولون أنها تحكم العراق. في حين أن وجود وقرار الأغلبية أمر أساسي في كل الديمقراطيات إلاّ في العراق.

ثامناً: وثيقة دستورية للتسوية
بهدف ضمان جميع ما يتفق عليها في التسوية الوطنية بحث تكون ملزمة للحكومة والبرلمان والمحكمة الاتحادية ، يقترح السنة إصدار وثيقة دستورية لها مفعول الدستور، فلا تعدل أو تلغى أو تجمد من قبل أي طرف أو مؤسسة دستورية. ويرون أن الوثيقة يجب أن تتضمن تفسيرات للقضايا المختلف عليها في مواد الدستور أو الغامضة في الدستور العراقي. بالطبع هم يقولون أنها الوثيقة لن تتعارض أو تنفي الدستور لكنها ستبقى مرجعاً قانونياً بقوة الدستور.

تاسعاً: الاعتذار المتقابل
لن يقدم السنة أي اعتذار عن جرائم حزب البعث ولا المقابر الجماعية ولا عمليات الانفال ولا تفجير مرقد العسكريين ولا القتل على الهوية في اللطيفية والفلوجة وغيرها ، ولا العمليات الارهابية منذ عام 2003 والتي طالت كثير من أبناء الشعب العراقي وذهب ضحيتها مئات الآلاف من الشهداء والجرحى. ولن يعتذروا عما فعله صدام بالشيعة لأنه ، كما يزعمون، كان عادلاً في ظلمه لكل من يشك فيه أو لديه موقف ضده أو يتورط بعمل معادي له. وأن صداماً أعدم كبار البعثيين السنة والضباط المتهمين باشتراكهم في مؤامرة أو انقلاب.
وإذا ما قبلوا بالاعتذار فإنهم يشترطون اعتذار الحكومة والكتل السياسية الشيعية عن جميع ما لحقهم من سياسة الحكومة ومن تصريحات وإجراءات يعدونها طائفية ضد المكون السني.

عاشراً: التسوية ليست منة من الشيعة
إذ صرحت بعض الشخصيات السنية أن التسوية التي عرضها التحالف الوطني ليست منة أو مكرمة تمنحها الجهة القوية للجهة الضعيفة، وعليها القبول بها. وأنه يجب أن يكون الطرفان متساوين في التفاوض والتمثيل والصلاحيات. وأن السنة غير متحمسين لها إلا وفق شروطهم وإرادتهم ، وبغير ذلك فهي مرفوضة وليسوا بحاجة لها.
وأنه يجب التخلص من معادلة المنتصرين والمهزومين، حيث يفرض المنتصر شروطه على المهزوم. وأن المنتصر الشيعي اليوم يريد صنع ممثل للسنة حسب مقاسات الشيعي ومتطلبات السلطة والحاكم. وما مصطلحات (سنة المالكي) أو (السني الجيد) أو (السني الطيب) أو (السني المدجّن) ، حسب تعبيرهم، إلا تجسيداً لرفض هذا التوجه . فهذه الانتجلنسيا توجب على السني المخلص للمكوّن أن يكون معارضاً للحكم الشيعي. وأن لا يكون منسجماً مع المشروع الوطني ومتفقاً مع العملية السياسية ومدافعاً عن مصالح مكونه ومناطقه ، لأنه سيكون خائناً بنظر الانتلجنسيا السنية.
وينطلقون بأن السنة يحظون بدعم دولي وأمم متحدة وأمريكي وأوربي وسعودي وتركي وقطري. فهم في موقع قوي يجعل الشيعة يتوددون إليهم ويتصاغرون أمامهم لأن الشيعة يدركون أنه لا استقرار ولا أمن دون إرضاء السنة وتلبية مطالبهم. وأن كل ما قدمه الشيعة لهم من مناصب وامتيازات ليست كافية. كما أن كل تضحيات الحشد الشعبي في تحرير المحافظات السنية ليست سوى تنفيذ لأجندة إيرانية . وأن كل التعاطف والمساعدة والإغاثة التي قدمها الشيعة للنازحين السنة لن تؤثر في تغيير موقفهم أو تقلل من مطالبهم لأن مستقبل السنة أهم من هذه المواقف المؤقتة.

حادي عشر: رفض المظاهر الطائفية الشيعية
في بعض مراحل التفاوض أثناء فترة الاعتصامات طالب بعض السنة المتزمتين بمنع المظاهر الطائفية في دوائر الدولة مثل الأذان الشيعي في قناة العراقية ، نقل الشعائر الحسينية في قناة العراقية، ومنع تعليق أعلام ورايات وغيرها ومكبرات الصوت وتقديم الطعام في المناسبات الشيعية في الدوائر الحكومية والمعسكرات ومراكز الشرطة والمدارس والجامعات.

الثاني عشر: السنة الرافضون للأنتجلنسيا
هناك فريق سني يرفض ما ينادى به السياسيون السنة الذين تسنموا الزعامة والمناصب الحكومية منذ 2003 . ويرى هؤلاء الرافضون أن الزعماء السنة الحاليين متورطون في تدمير مناطقهم وتهجير سكانها والتواطؤ مع داعش. وأنهم يعملون لخدمة مصالح شخصية وليست للمكون السني. فهم يركضون وراء المكاسب والمناصب والسلطة والمال ولا شأن لهم بما يعانيه السنة. فهم كانوا بعيدين عن النازحين ولم يقدموا لهم أي دعم معنوي أو مادي بل قاموا باستغلال مأساتهم ومعاناتهم من أجل استمرار حضورهم وتأثيرهم في المشهد السياسي. كما يتهمونهم بتبديد وضياع الأموال التي خصصتها الحكومة للنازحين.
يمثل هذا الطرف الرافض جمع من العلماء وزعماء العشائر ورئيس ديوان الوقف السني وقادة الحشد العشائري في الأنبار .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *