الرئيسية / مقالات مختارة / اشتباك”… شريط عن الحياد في معترك ساخن يشترط الانحياز”

اشتباك”… شريط عن الحياد في معترك ساخن يشترط الانحياز”

 

(المستقلة)..   بعد افتتاحه لبرنامج «نظرة ما» في الدورة الأخيرة لمهرجان «كان» السينمائي في مايو الماضي، عاد فيلم «إشتباك» للمخرج المصري محمّد دياب ليفتتح عروض الأفلام العربية في مسابقة دورة الخمسينية لـ «أيام قرطاج السينمائي» التي انطلقت في الثامن والعشرين من تشرين الاول/أكتوبر وتستمر حتى الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر.

الوضع المصري إشكالي، وما تزال تردّدات تسونامي انهيار حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وصعود وانهيار حكم «الإخوان المسلمين» متواصلة، لذا فالتعامل السينمائي، روائياً، مع حدث بهذا الحجم ومُتحرّك، متحوّل بديناميكية واستمرارية، إشكالي هو الآخر، وقد حاول المخرج محمّد دياب ولوج هذا المعترك.

فهل تمكّن من الإبحار فيه؟

الناقد بشّار إبراهيم الذي شاهد عرض الفيلم في «قرطاج السينمائي» يقرأ لنا الفيلم من وجهة نظرة…eshtibak02web02

«اشتباك»… الحياد الإيجابي في صراعات السلطة

بشار إبراهيم

يحاذر الفيلم المصري «اشتباك»، فيما هو يغوص في اللحظة المصرية الراهنة، من خطر الاتهام بالانتساب أو الانتماء إلى موقف أو اتجاه دون آخر، بل إنه يتحاشى قول الموقف الوطني العام، لينجو وينجينا من مأزق الخطابة، والاستخلاصات الكلامية، الوعظية أو الخطابية، التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

«الحياد الإيجابي» هو المنهج الذي اعتمده الفيلم، مارّاً بذكاء حصيف، وحرفية سينمائية ماهرة، ما بين الفاعلين الأساسيين في الـ«اشتباك» العنيف، وهم الجيش والشرطة والإخوان، وربما بعض القوى المُضافة، التي لم تأخذ حيزاً شعبياً ظاهراً، على رغم محاولاتها حيازة بعض ثورة يناير، وذكرياتها الرائقة.

لا يدين «اشتباك» جهة، كما لا يمدح جهة غيرها، وإذ يميل إلى التهكّم لتمرير بعض ما يريد، فإن السخرية لا تطال طرفاً واحداً، أو جهة معينة، بل إن الفيلم يشمل الجميع ببركات تهكّمه أو سخريته، على محدوديتها، في فيلم لاهث، شديد التعرّق، لا يملك رفاهية الوقت والزمان والمكان والحركة، وهو المُحاصر في غرفة معدنية صماء، محمولة على دواليب هواء، وراء مقود متهور، مفتوح على الامتطاء… كأنما هي البلد ذاته، تأويلاً وتصميماً. الكاميرا المحمولة، المتأرجحة بقوة حيناً، وبرفق حيناً آخر، والعدسة التي تضيع هدفها، فتصيب من تريد تصويره، وجَعْلِنا نشاهده، مرة، وتخطئه مرات، فيطمسه التوهان في المكان، والحركة المتعثرة ما بين الأجساد.

إنّها كاميرا تنتسب إلى نسق الأفلام المُستقلة، في بياناتها الأولى، ولعبة أن نرى دون أن نُرى، أو بجزء مما نرى، والإيهام بالتخلّي عن الإضاءة، والديكور والأزياء والماكياج، والعناية بتصميم الكادر، وضبط المونتاج. تحاشي معيار نجوم التمثيل الرائج، والاشتغال على إعادة إنتاج النجم ذاته، إِنْ وُجد، في صورة أخرى، لا علاقة بمقتضيات الصورة المعهودة في الأستوديوهات، كما رأينا مع نيلي كريم، وهاني عادل.

«إشتباك» فيلم إرادة قول، تقديم شهادة على مرحلة، مرثية لبلد ولشعب ولثورة. فضيحة الهياج العام، والفوضى والسعار، الذي يجعل من أبسط تفاصيله القتل بدم بارد، أو التحريض عليه من دون رفّة جفن. فيلم لا يريد إراحة الضمير، ولا رفع العتب. لا يأبه لمسألة التحرك في هوامش المسموح، أو مغامرة اختراق المحظور. إنه يريد الذهاب أبعد وأعمق.

في «اشتباك» مع الحاضر والماضي، والمستقبل أيضاً. لم يعد الحاضر للاطمئنان إليه، ولا الماضي للتغنّي به، ولا المستقبل للأمل به. ثمة ما عصف بالداخلي المصري قبل الخارجي، بالجوهري قبل الشكلي، بالذاتي والموضوعي في آن، ليبدو المشهد تناثرات لأشلاء مجتمع عصفت به أمراضه المزمنة. المجتمع الذي نام مسترخياً عقوداً من الزمن في ظلّ الاستبداد، وتشاطر وتذاكى في زمن الانفتاح والفساد وتدبير الرأس. المجتمع المطرود لأزمان طويلة من حقل ممارسة السياسة الحقيقية، فتورّط في ألاعيب السلطات المتتالية واستطابَها، كان لابدّ له أن يخسر مرة تلو أخرى، حتى في يناير 2011، ويوليو 2013، وما بينهما، وما قبلهما. وبات تماسكه، ونسيجه وهويته وطمأنينته في مهبٍّ شديد العصف، تلخّصه النهاية التي أقفل عليها «اشتباك»، في صورة أشدّ قلقاً وتوتراً مما بدأه، ومرّ به، وعرضه عبر شخصياته المُختارة والمُنتقاة بغاية.eshtibak03web02

هذه المرة، وعلى خلاف غالبية الأفلام المصرية التي تناولت «الربيع العربي»، ووقائع ثورة يناير 2011، وما تلاها من أحداث وتداعيات، حتى اللحظة الراهنة، يبدو فيلم «اشتباك» الأكثر ذكاء ونباهة في التعامل مع الموضوع، بعيداً عن النمذجة والتنميط، أو مماحكة مؤسسة السلطة، ونقد أجهزتها الأمنية، وتعريتها وتهشيمها. مع «اشتباك» نحن أمام فيلم سينمائي يضع رأسه في السينما فتنبت سياسة، تماماً كما يضع رأسه في السياسة فتلمع سينما. فيلم يمكن له أن يكون الأقرب تمثلاً للفعل السينمائي، بوصفه مقاربة للراهن، وتمحيصاً وقراءة في تضاعيف الواقع وثناياه، وتمكّناً من رؤيته بعين أخرى، أكثر نباهة من العين العادية، وقوله طيّ الكلام لا بالشعارات.

هل وجدت الثورة فيلمها؟، أم وجد الجيش والشرطة ما يريدون من السينما؟ أم هو موقف الإخوان، وسؤالُهم أنفسهم عن صورتهم السينمائية، قبل السؤال عن الخطأ والصواب، واحتمالية العودة إلى السلطة؟…

مهما يكن فإن «الحياد الإيجابي» هو الخيار الوحيد الذي كان من الذكاء انتهاجه للنجاة من السقوط المريع، وليبقى لكل اشتباكه الذي يريد.

 

المصدر: وكالة ( أٓيْ جي آي ) الإيطالية للصحافة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *